نشاطات متنوعة في الذكري الـ 32 للحرب الأهلية اللبنانية: ثلاثة شعراء يروون تجاربهم كمقاتلين ونقمتهم علي السياسيين والقادة
ناظم السيدنشاطات متنوعة في الذكري الـ 32 للحرب الأهلية اللبنانية: ثلاثة شعراء يروون تجاربهم كمقاتلين ونقمتهم علي السياسيين والقادةبيروت ـ القدس العربي : أحيا بعض اللبنانيين الذكري الثانية والثلاثين لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان بطريقة مختلفة هذه السنة. فقد نظمت عشر جمعيات أهلية سلسلة نشاطات يوم الجمعة الفائت تحت عنوان تذكر… كي لا تعاد و 13 نيسان (ابريل)… نهار للذكري (بدأت الحرب في 13 نيسان ـ أبريل 1975) في ميدان سباق الخيل. اختار المنظمون هذا المكان لدلالته، إذ انه كان الحدَّ الفاصل بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية بتعبير ذلك الزمن. وهو أحد محاور القتال أيام الحرب كما أنه يجاور المعبر الوحيد بين شطري العاصمة، والذي كان يسلكه بعض المواطنين في سبيل التجارة أو تبادل الزيارات النادرة (معبر المتحف ـ البربير)، إضافة إلي مجاورته المتحف الوطني ونصب الجندي المجهول والمحكمة العسكرية وقصر العدل والمقر الرئيسي للأمن العام وقصر الصنوبر حيث أعلن قيام دولة لبنان الكبير. أما الجمعيات المنظمة لهذا الحدث فهي: نهار الشباب ، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ، للوطن ، أمام 05 ، مؤسسة سمير قصير ، حملة أحب الحياة ، الحملة المدنية للإغاثة ، المستقلون ، شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية و آذار ربيع الأسئلة . حول بوسطة عين الرمانة التي كانت الشرارة الأولي للحرب والتي احتفظ بها صاحبها سامي حمدان حتي اليوم أقيمت النشاطات في هذا اليوم الطويل. وكان صاحب البوسطة وسائقها روي في مؤتمر صحافي كيف تعرّض لهجوم مسلح حين كان يقود البوسطة في عين الرمانة قبل 32 سنة، ما أدّي إلي مقتل عدد من الأطفال بداخلها، وكيف استخدمها لتجميع قطع غيار السيارات عند مستديرة شاتيلا (القريبة من مكان النشاط)، وكيف أخذها منه مسلحون واستعملوها متراساً بين عين الرمانة والطيونة (أحد المحاور المجاورة لميدان الخيل)، وبعد إصابته بشظايا قذيفة طلب منه مسلحون أن يخلي قطعة الأرض التي يضع فيها قطع السيارات إثر حبسه ثلاثة أيام، فاضطر إلي أخذ البوسطة إلي الجنوب حيث باع لاحقاً كل ما جمعه من قطع كسر السيارات محتفظاً بالبوسطة كذكري للطلقات الأولي في حرب دامت خمس عشرة سنة. إذاً، حول هذه البوسطة وفي مساحة هي مزيج من الرمل البيروتي الأحمر والعشب النابت هنا وهناك، رفعت صور للحرب وعرضت الصفحات الأولي لجرائد لبنانية صدرت في 14 نيسان 1975، ترافقها الأغاني الثورية المنطلقة من مكبرات الصوت. وإلي جانب خيم الجمعيات المنظمة، تم وضع لافتات بيضاء كتب عليها الزائرون عبارات وانطباعات. في زاوية أخري جلس أشخاص بطريقة متقابلة في سبيل إجراء مصارحة ارتجالية عن الحرب، سواء كان الجالسون شاركوا فيها كمقاتلين أم عاشوها كمواطنين أم سمعوا بها من الأهل والجيران والآخرين الأكبر منهم سناً. كما عُقدت ندوة بعنوان كيفية تحصين أنفسنا ومجتمعنا ضد الحرب شارك فيها الوزير السابق دميانوس قطار، النائبان غسان مخيبر وفريد الخازن والكاتبان الصحافيان راجح خوري وفادي توفيق واختتم اللقاء بعرض فيلمين: نكاية بالحرب لزينة صفير و بيروت اللقاء لبرهان علوية. لكن الحدث الأبرز ثقافياً في هذا اليوم الطويل كان مشاركة ثلاثة شعراء لبنانيين من جيل الثمانينات كانوا شاركوا في الحرب كمقاتلين، هم يوسف بزي، بلال خبيز وشارل شهوان الذين جلسوا علي كنبات بمحاذاة البوسطة الصدئة والمثقوبة بالرصاص حيث عقدوا كلماتهم في جلسة أدارها الشاعر يحيي جابر الذي شارك بدوره في الحرب وكتب عنها أفضل قصائده كما في مجموعتيه الشعريتين بحيرة المصل و الزعران .شعراء ومقاتلون تائبونقرأ يوسف بزي كلمة روي فيها تجربته الشخصية في الحرب كمقاتل يتنقل بين الحواجز والمحاور والبنايات المهجورة. لكن قبل سرد هذه الشهادة الميدانية والحية قدّم بزي في نحو صفحة ونصف الصفحة تحليلاً عن رمزية المكان الذي انعقدت فيه هذه النشاطات (في المقدمة التي سلفت عن رمزية مكان النشاط بعض مما جاء في كلام بزي بتصرف). بعد ذلك روي معارك في الزواريب الخلفية، ما وراء المحكمة العسكرية حيث رفعوا ساتراً ترابياً وحفروا فيه حفراً إفرادية ككمين ليلي ، وكيف نصبوا صواريخ 107 ملم تعمل علي البطارية.. ومدافع هاون 60 ملم.. وقناصاً عند نافذة حمّام، وكيف أنزلوا كنابايات الصالونات (من الشقق التي هرب منها أصحابها) إلي الشارع والأرصفة مبتدعين جلسات أنس واسترخاء تحت الشمس… وكيف جاءت الأوامر بكسر الهدنة… وكيف يأتي الرد سريعاً، ثم يتوسع الاشتباك ويشتعل محور رأس النبع، ثم يبدأ القصف وتصل أصداء الانفجارات والرصاص من محور الشياح ـ عين الرمانة إلي الطيونة إلي بشارة الخوري ـ السوديكو. وتنهال القذائف علي الشرقية وعلي الغربية . واستعرض بزي حوادث متفرقة له ولعسكريين بأسمائهم الحركية من حسن أبو الليل إلي أبو حديد إلي الفتيات المناضلات إلي الرفيق الذي أصيب بعينه وهو يراقب من كوة إطلاق النار. وخلص بزي بهذه المداخلة إلي أن المواطنين الذي كانوا يهينونهم علي الحواجز وهم يتنقلون بين الغربية والشرقية كانوا ينتصرون علي المقاتلين: كان الميكانيكيون، مصلحو السيارات في بيروت الغربية يشترون قطع الغيار من البائعين المشهورين في بيروت الشرقية. كان صانعو الكعك في الغربية يذهبون لبيعه في الشرقية. موزعو الصحف والمجلات، موزعو الخضار واللحوم، تجار الحديد والاسمنت، الخيّاطون وموظفو المصارف… كان الإصرار علي الذهاب بمثابة استفزاز لنا . لكن في مقابل المواطنين الحيويين والمقاتلين المؤمنين بقضية أو الزعران بالتعبير اللبناني الشائع، كان السياسيون يعقدون الصفقات فوق دماء الناس والمهجّرين والمفقودين حتي اليوم. في كل حال، كانت مداخلة يوسف بزي شهادة أخري تُضاف إلي شهاداته في الحرب التي روي فيها سيرته كمقاتل في كتاب صدر العام الفائت بعنوان نظر إليَّ ياسر عرفات وابتسم .في الموضوع نفسه، قدّم بلال خبيز كلمة بدت أقرب إلي قراءة للحرب الأهلية السابقة والحرب الأهلية المضمرة اليوم والأشد خطورة وعنفاً ربما، منها إلي شهادة شاعر شارك في الحرب بالسلاح. تحدث خبيز في كلمته عن كتابات جيله مطلع التسعينات في ذم الحرب. هذا الذم الذي اشترك فيه قادة الحرب أنفسهم الذين نظّروا لها واجتهدوا في تأجيج نارها، أي أولئك الذين اعتبروا الحرب باباً وحيداً لولوج البلد أفق التغيير الديمقراطي من جهة وأولئك الذين رأوا فيها وسيلة وحيدة للحفاظ علي لبنان ، كما اشترك فيه، أي الذم، فنانون شباب أصغر سناً صوّروا أفلاماً عن الوسط التجاري بعد فتح المعابر معتبرين أن الحرب وضعت أوزارها بلا رجعة. لكن المفاجأة أن القادة أصبحوا أساتذة جامعيين وكتّاب رأي في الصفحات الأولي في صحف البلاد والعالم العربي . أما الذين جاؤوا بعد جيله، أي جيل خبيز وبزي وشهوان وجابر، فقد فُتحت في وجوههم أبواب الجوائز والمهرجانات علي امتداد العالم . وحده الشاعر خبيز مع أبناء جيله كانت الحرب ـ يقول ـ لعنتنا وكنا أكثر ضحاياها سوء حظ . بعد ذلك، انتقل خبيز للحديث عن الحرب التي تجري الآن في شوارع بيروت وبعض المناطق اللبنانية، حرب الهراوات والسكاكين الأهلية . واستدل الشاعر علي هذه الحرب بعدد من الحوادث أبرزها تظاهرة ضمّت جمهوراً من المسلمين السنة كانوا يعترضون أمام مبني السفارة الدانماركية علي الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلي الرسول الكريم، والثانية كانت حشداً من الشيعة الغاضبين علي برنامج سخر، أو هكذا خُيّل إلي هذا الجمهور، من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وفي الحالين لم يدخل أهل المنطقة البيروتية العريقة في سجال حربي مع المحتشدين (جرت هذه التظاهرات في مناطق تقطنها غالبية مسيحية أو متاخمة لها) وآثروا البقاء في منازلهم إلي أن تزول فورة الغضب . كما استشهد خبيز بما سُمّي الثلاثاء الأسود والخميس الدامي في 23 و25 كانون الثاني (نوفمبر) الماضي (الأول تظاهرة إحراق الدواليب للمعارضة، والأخير اشتباكات بالرصاص والعصي والسكاكين بين الموالاة والمعارضة في جامعة بيروت العربية ومحيطها). وخلص خبيز من هذه الحوادث وما بينها من حوادث متفرقة واصطفافات حادة وخطابات سياسية متشنجة إلي أن البلد مقسوم الي شعبين عميلين. شعب عميل لإيران وسورية، وشعب عميل لأمريكا وفرنسا ، معتبراً أن هذه الحرب تُخاض من دون سياقات تاريخية بعكس الحرب السابقة التي كانت تملك من السياقات التاريخية ما يؤهّلها لتكون جزءاً من تاريخ البلاد، ومرحلة من مراحل تطورها…. وفي هذا الاقتسام، يقتتل الموتي تحت التراب بالشدة نفسها التي يتقاتل فيها الأحياء .كان شارل شهوان آخر المتحدثين. تكلم شهوان ـ الذي سبق أن أصدر رواية بعنوان حرب شوارع أرّخ فيها للمعارك الداخلية ـ بلا ورقة معدّة سلفاً، لكنَّ كلامه لم يتجاوز الجمل التي يمكن عدّها علي أصابع اليدين. تذمّر من الوضع الحالي للبلد، انتقد السياسة والسياسيين، قال إن لبنان يفرغ من أبنائه الذين يهاجرون أفراداً وجماعات. ابتسم. توقف قليلاً ثم ختم: رح نصير نحكي متل الدكنجية ، أي أصحاب الدكاكين. وهذا تعبير لبناني شائع عن الكلام الذي فيه هذر بلا معني. إنها طريقة شارل شهوان في الكلام: جمل مبتورة ومتهدجة، قاطعة ومختصرة، واضحة وحادة، أي كلام أولئك الشعراء الذين يقرّبون المسافة بين اللغة الحياتية والشعر.والحال، مرَّ يوم ذكري الحرب كما أراده المنظمون. هذه الذكري التي شهدت هذا العام عدداً كبيراً من النشاطات المتنقلة والمتنوعة في بيروت ومعظم أرجاء لبنان من محاضرات وندوات وعرض أفلام وعروض فيـــــديو وشوارع وحمـــــلات مدنية مختلفة، وذلك تحت شعور عام بكارثة محتملة في ظلِّ الانقسام السياسي والشعبي الحاصل. مرّت الذكري لكن البقية علي اللبنانيين.QRE 0