يطلقونه وهم ينتحرون من المغرب إلي مصر إلي اليمن: صراخ الفقراء
هويدا طهيطلقونه وهم ينتحرون من المغرب إلي مصر إلي اليمن: صراخ الفقراءشباب انتحاريون يفجرون أجسادهم في الدار البيضاء.. آباء وأمهات يقتلون أنفسهم وأبناءهم في القاهرة.. أطفال يهلكون علي الحدود اليمنية السعودية.. والقاسم المشترك الأعظم بينهم جميعا وغيرهم هو ذلك اللعين.. الفقر، علي مدي أسبوع كامل يستحق بالفعل تسمية أسبوع (انتحار الفقراء) كنا نتابع قصة (آل الريدي) في المغرب.. تلك الأسرة التي (انتحر) منها شابان في ريعان الصبا عبر تفجير نفسيهما في وسط مدينة مزدحمة مثل مدينة الدار البيضاء، ثم اللقاء الخاص الذي أجرته الجزيرة مع أخيهما الثالث الذي بدا شابا صغير السن مذهولا وأخذ الجزيرة ـ التي أخذتنا معها ـ إلي داره.. بيت مظلم.. محدود كما قال بخمسة أمتار طولا ومترين عرضا تعيش فيه أسرة من خمسة أفراد.. انتحر منها اثنان تفجيرا لجسديهما وسط المدينة، عثمان الريدي.. الأخ الثالث الذي تحدث بلهجة مغربية مغرقة في المحلية المغاربية الصعبة.. حتي تتساءل وأنت تسمعه أي لغة هذه؟ مما اضطر الجزيرة لوضع ترجمة مكتوبة علي الشاشة لكلماته القليلة.. التي بدا وهو يقولها مشدوها.. ذاهلا.. ذهولا طارئا بسبب فاجعة انتحار أخويه وذهولا يبدو مغروسا في نفسه بعدد سني عمره الغض التي مرت عليه محشورا في ظلام هذا الجحر. كان الأمر يستحق تحليلا في (قضية الليلة) في نشرة الجزيرة المغاربية، قال الضيوف علي شاشة الجزيرة ما عجز عن قوله هؤلاء الشباب.. فأطلقوا صرخة الموت تلك، عبد الغني منديب عالم اجتماع مغربي تساءل: (لماذا الدار البيضاء؟ مدينة كبيرة يسكنها ستة ملايين نسمة.. غني فاحش وفقر مدقع.. شباب عجزوا عن تفجير بؤسهم ففجروا أنفسهم في مرحلة الإقدام علي الحياة.. لا يستشعرون الحياة بل يتعاملون معها كورطة وجودية.. الحفاظ علي الذات غريزة فإذا دمر الإنسان ذاته فتلك هي الدرجة القصوي من الاحتجاج)، الضيف الآخر الدكتور أحمد القديدي وهو أستاذ جامعي تونسي تحدث للجزيرة من باريس.. اتفق تماما مع توجيه إصبع الاتهام إلي ذلك الشرير.. الفقر، فقال:( التفاوت الطبقي هو الخندق الذي ينشأ علي حافته يأس ثم تمرد.. جميع الشرائع والحضارات والثقافات تنبأت بهذا فاحتاطت بتشريعات أخلاقية..).. بالطبع تلك التشريعات الأخلاقية الاحتياطية التي يتحدث عنها الدكتور القديدي لا (تخدر) الناس إلا قليلا.. خدر يفيقهم منه وجع الفقر المؤلم.. لكن الأستاذ الجامعي أشار إلي (الوجه الآخر) لوسائل الإعلام ـ وعلي رأسها طبعا الفضائيات ـ فقال إنها ليست فقط ناقلة للأزمة وإنما صانعة لها فهي تنقل لهؤلاء بريق أشياء يعجزون عن لمسها)، وأجاب عبد الغني منديب عالم الاجتماع متسائلا:( ما الذي كان يدور بخلدهم لحظة الضغط علي الحزام الناسف؟ حلم الحياة الأخري.. الحياة في العالم الآخر.. لكنهم بذلك التفجير يعاقبون المجتمع الذي حرمهم من شروط العيش الكريم.. هؤلاء لم يكونوا حينها مخدرين.. وإنما حاملين لأفكار تعطيهم أملا في حياة أخري)، هكذا إذن.. الفقر ثم الفقر ثم الفقر.. هذان الشابان المغربيان اللذان عاقبا المجتمع قبل رحيلهما ليسا مجرمين.. بل هما من الفقراء، تماما كذلك الأب المصري الذي استمع ليلة اليوم الأول من العام الدراسي لأنين طفليه وهما يبكيان.. لأن المدرسة ستبدأ صباح اليوم التالي وهو لم يستطع أن يشتري لهما زيا مدرسيا جديدا أو حقيبة أو حذاءً جديدا.. فأطلق نفس الصرخة المدوية.. صرخة الفقر المميتة.. قتل طفليه ثم انتحر، صحيح أنه لم يعاقب الحارة كلها بتفجير نفسه فيها.. بل عاقب فقط نفسه وطفليه البريئين.. لكنه ترك في نفوسنا (طنين) تلك الصرخة الذي يحرم من النوم من كان لديه إحساس في هذا العالم، وعلي الحدود السعودية اليمنية يموت أطفال لا تزيد أعمارهم عن اثنتي عشرة سنة.. يرسلهم آباؤهم الفقراء مع مهربين وتجار بشر قساة ليعملوا في السعودية كي ينفقوا علي أسرهم الفقيرة.. عوضا عن أن تنفق هي علي تعليمهم وتغذيتهم.. علي قناة الجزيرة أيضا وفي نفس هذا الأسبوع المؤلم.. كان ذلك التقرير من اليمن عن مؤسسة شوذب للطفولة التي أنتجت فيلما كارتونيا يوضح تلك المأساة.. وللجزيرة تحدثت لمياء الإرياني مديرة المؤسسة التي أنتجت الفيلم قائلة: إنها تهدف من هذا الفيلم إلي (توعية المجتمع بتلك الأخطار التي يتعرض لها أطفاله)، الفقر الفقر الفقر.. هؤلاء الأطفال المهربون عبر الصحراء.. يموت بعضهم.. يغتصب بعضهم.. يتشرد بعضهم في مدن السعودية وتدهس سيارات شوارعها بعضهم.. هؤلاء الأطفال يجب أن ينفق عليهم المجتمع لا أن يرسلهم للسخرة كي ينفقوا عليه. أسبوع الآلام هذا يستدعي ألف فكرة وألف إحساس.. من مغرب العالم العربي إلي مشرقه تتداعي للذهن فكرة أن الفقر أولا.. حتي قبل أن نحرر فلسطين.. الفقر قبل إسرائيل هو من يجب أن نحاربه، كيف؟! ليس الفقر ظاهرة طبيعية كالرعد والسحاب.. إنه (صنيع) الإنسان.. يغذيه ويرعاه في تربة كل مجتمع ذلك اللعين الآخر.. الفساد، فساد الحكام والمتحكمين والمشرعين وكل واحد من (قواد المجتمع) أي من يقود المجتمع نحو تلك الهاوية.. سواء من يسرقون موارده أو من يوجهون هذا الشاب الفقير أو ذاك إلي حياة أخري ليست هنا.. ربما حتي يرتاحوا منه يغوونه بنعيم ليس هنا.. يتخلصون منه بإغواء (التشريعات الأخلاقية الاحتياطية)، غيبوبة (الحياة البديلة) تجعل المتبقي من طاقة في نفوس الفقراء بعد أن يستنزف معظمها الفقر يتوجه إلي تدمير الذات.. بدلا من توجهها إلي تدمير أس الفساد الذي يغذي الفقر، كل تلك المجتمعات التي (ينتحر فيها الفقراء).. كلها.. بها ذلك التناقض المروع الذي رصده ذلك التعبير القرآني الجميل (قصور مشيدة وبئر معطلة).. وبالمناسبة القرآن ـ كنص ـ ليس حكرا علي البعض فهو نص تملكه البشرية كلها! ما علينا.. من منا لم يحفظ من التراث مقولات كمثل مقولات .. لو كان الفقر رجلا لقتلته ، أو ما جاع فقير إلا بما متع به غني ، أو الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار ، طالما ظلت مجتمعاتنا بها قصور مشيدة تجاورها بئر معطلة فسوف يتزايد عدد الصارخين موتا، لا يكفينا أن (نفسر) الأمر بأن سرطانا اسمه (ثقافة الموت) يستشري في المجتمع.. كارل ماركس الذي قضي عمره كله يبحث (كيف تقضي البشرية علي ذلك التناقض المروع.. قصور مشيدة وبئر معطلة).. له مقولته أيضا.. مقولة جميلة دالة معبرة.. ولو كرهتموه.. ليس من المهم تفسير العالم.. المهم.. تغييره !تركيا والعلمانية:الناس يتظاهرون أيضا من أجل العلمانية عشرات الآلاف من الأتراك تظاهروا في تركيا.. ليس من أجل سعر الخبز أو البنزين.. وإنما احتجاجا علي فكرة.. مجرد فكرة.. أن يترشح إسلامي لرئاسة تركيا! يعترض الأتراك علي فكرة.. مجرد فكرة.. أن تأخذ دولتهم ملامح (الدولة الدينية) القابضة، مشهد الجموع التركية الحاشدة التي تظاهرت الأسبوع الماضي رأيناه جميعا في نشرات الأخبار! الحمد لله أنه يوجد بالدنيا شيء اسمه نشرة أخبار.. كيف الحياة بدونها؟! الأتراك مسلمون.. هل هذه مفاجأة مثلا؟! بل ويعتزون بمساجدهم وطقوسهم وروعة شهر رمضان في أمسيات تركيا.. ويحبون رسول الإسلام الكريم (ص) ولم يبدر منهم طوال مدة دولتهم العلمانية التي تأسست في أوائل القرن الماضي أنهم يريدون لدينهم بديلا.. لكنهم مع ذلك تظاهروا إصرارا علي الملمح العلماني لدولتهم ورفضا لأسلمتها، تعلم الأتراك من (التاريخ العثماني) الكريه درسه التاريخي.. التقدم مرهون بفصل الدولة عن الدين.. دون أن يعني ذلك التخلي عن الدين في النفوس، إذا كان الأتراك يكرهون العودة إلي عثمنة دولتهم المدنية وهم كانوا الحاكمين أصلا في ذلك التاريخ العثماني الكريه.. فما بالك بنا؟! يقفز في وجوهنا ومن بيننا من يغوي الناس بضرورة (العودة إلي الخلافة التي كسرها الاستعمار)! وما الخلافة التي يريد إسلاميونا الأشاوس عودتها إلا تلك التي يرفضها أحفادها! هل نحن ماسوشيون مثلا؟! نرغب في تكدير وتعذيب وتشويه حياتنا؟ الأتراك العثمانيون لا يريدون عودة العثمنة ونحن من كنا عبيدا للعثمانيين نريد أن تعود عثمنتنا؟! هؤلاء الذين يخدرون الشعوب بمقولة (الإسلام هو الحل) ويقدسون فكرة (الخليفة) البالية.. هل شاهدوا نشرات أخبار هذا الأسبوع؟ أحفاد خليفتكم يا سادة.. أوهام خلافتكم يا كرام.. يقولون الآن (العلمانية هي الحل).. أفلا تعقلون؟!كاتبة من مصر[email protected]