صورة العالم وحمامته في ما يشبه الرحلة: كرزة وحيدة تشف عن عزلة رجل وحيد

حجم الخط
0

صورة العالم وحمامته في ما يشبه الرحلة: كرزة وحيدة تشف عن عزلة رجل وحيد

فاروق يوسفصورة العالم وحمامته في ما يشبه الرحلة: كرزة وحيدة تشف عن عزلة رجل وحيد في الدوحة (العاصمة القطرية) رأيت البحر لأول مرة في حياتي. أقول: رأيت، وأنا أعني أسلوب عيش وليس طريقة في النظر. لقد رأيت من قبل البحر في بيروت وأثينا والدار البيضاء ونيس والاسكندرية، غير أن البحر في الدوحة كان له تأثير مختلف، كان وجودي هذه المرة هو المختلف. لم أكن زائرا مؤقتا، يحتفي بالبحر لينساه أو يتذكره، لا فرق، بل صار البحر جزءا من ذريعة وجود أو اسلوب عيش بصري. كان بيتي يطل علي البحر، فيما كان القطريون يهربون الي الصحراء. وحيدا بين الهنود أري في ذلك المزيج اللغوي متعة يخونها الوصف دائما. عرب يتكلمون العربية بطريقة هندية وهنود يتكلمون الهندية بطريقة عربية. كانوا عربا يهذون بهندية ملتبسة وهنودا يهذون بعربية أشد التباسا، وليعم السلام علي الأرض. لا أحد يهدي أحدا آخر الحل اللغوي الذي يكون قاسما مشتركا معقولا بينهما، غير أن المشكلات كانت تنتهي دائما بابتسامة تعني: أن كل شيء تمام. هناك نغم في الهواء يبعث في الجميع شعورا بالاطمئنان الي ما يمكن أن يقع. لقد اكتشفت قارة في بلد صغير. في قطر تعرفت علي الهند. قبلي كان كولومبس قد ارتكب الخطأ مقلوبا. (اوني) القادم من كوجرات كان صديقي الهندي الوحيد. لم يكن صديقي بالمعني المكرس، لكن مشاعري ازاءه كانت هي ذاتها التي تجمعني بأي صديق آخر. كان (أوني) بائعا للخضار في سوق كبيرة، تضم أقساما كثيرة. طريقته في هز رأسه وابتسامته الحيية جذبتاني اليه فصرت لا استغني عن الذهاب اليه كلما دخلت الي ذلك السوق. حين رجعت الي الدوحة بعد غياب أربع سنوات عنها ذهبت من المطار مباشرة الي ذلك السوق فلم أجد صديقي القديم. قيل لي أنه اشتري سيارة أجرة وهو يعمل عليها في شوارع الدوحة. لقد شعرت لحظتها أن شيئا من تلك المدينة التي أحببتها قد اختفي. لا يمكنني الحديث بعد اليوم عن (أوني) إلا بصفته حمامة ضائعة. لقد صار (أوني) ابرة في كومة قش. علي الان أن ادفع هذه الصخرة بعيدا عن طريقي. ما جئت الي هنا لأتذكر. هناك دائما ما يستحق أن يري ويشم ويسمع. أشياء كثيرة تختفي. دائما هناك أشياء تختفي.2(بحر في نوفمبر)حول البيت، صامتة تحت الاشجارتجلس الاشكال الكبيرة الشفافةلا تسد الطريق، يستطيع المرء أن يمر من خلالهاقليل من البرد فقطهي دائما هناك، في الطقس الماطر تبدو أكثر وضوحا وبعدها البحر بكاءبعدها هناك من ينهض دائما ليكسر حدودهاسابقا كان الغسق يغطي البحر منذ الصباحهنا كان اصدقائي الموتي قد وجدونيحينما هبطت نجمة الثلج الاولي قرب الساحللا صوت لا مجذاف يهمسفي ذلك الغسق الاصفر ارقد فوق البحرافرش نفسي علي قشرة الصخوراعلو فوق كل ما يري فأكون أكثر كثافة منهأصل الي الحافات، حيث كل شيء ضبابصولفيا فون شولتز(ترجمتي ليست بمستوي التأثير الذي تتركه القصيدة بلغتها الاصلية).3أتذكر ديفيد هوكني، مسابحه في كاليفورنيا، اشخاصه الذين يبدون كما لو أنهم يقيمون خلف مطر وأزهاره التي تشف عما وراءها. منذ أسبوع وهي تمطر، هل بدأ ماركيز روايته (مائة عام من العزلة) بهذه الجملة؟ مهما بلغت درجة عتمته فان المطر يشف. زجاج الهي يهب الاشياء كثافة ماكرة. لأصابع هوكني كل هذا المكر. لغة لا يفهمها أحد سواه. لا تستثني الجسد بل تذهب به الي هبائه. تحت قشرة هذه الخفة تكمن كثافة شعور قوي. شعور متوتر ينسل عميقا وبشكل مباشر الي جسد المتلقي. يري هوكني ما يراه غير أنه يأخذنا بعيدا عن ذلك الشيء الذي تستعرضه رسومه. يمزج هوكني كل شيء ببياضه. هناك نوع من المزاج المتأني تفصح عنه صور هوكني هو الذي جعلني اسكن اليها في الكثير من حالات الانتظار التي عشتها هنا. ولكن ما الذي انتظره؟ سؤال غالبا ما يأتيني متأخرا. في (هولتس فريد) كنت أذهب يوميا الي محطة القطار وأجلس علي مصطبة خشبية هناك. تقف القطارات وينزل منها الركاب، لا اعرف أحدا منهم. كانت ذكرياتي تجري بين يدي. الوجوه التي انظر اليها لا توقف ذلك السيل الذي يتدفق بالامكنة والاسماء والوقائع والاشارات في مكان ما من جسدي. ولعي بمحطات القطار يعود الي صباي. اتذكر أنني كنت أري في احلامي سكة قطار تمتد الي البعيد. وها انذا في (فستر فيك) اقف علي أحد الجسور التي بنيت من أجل أن يمر القطار من تحتها لأري الي ذلك الحلم القديم وقد وضعه المنفي بين يدي. لقد تعلمت أن انتظر. يا لقسوة تلك الخبرة. لا انتظر أحدا، ولكن البرابرة قد يأتون في أية لحظة. وهو ما حدث في ظهيرة من نيسان (ابريل). لم أكن في انتظارهم، بل لو أني أعرف انهم سيأتون في هذه الساعة لما جلست في مكاني المعتاد. كانوا حشودا من الفتيان والفتيات، لفظتهم بسرعة قطارات متتالية، يبدو أنها خصصت لنقلهم من جهات مختلفة من البلاد. وكانت امتعتهم التي حملوها علي ظهورهم وفي ايديهم متشابهة: خياما، غيتارات، صناديق جعة وفودكا. افترش المئات الارض فيما أعطت مئات أخري ظهرها للمدينة لتذهب في اتجاه البحيرات. وسط هذه المتاهة صرت اتنفس روائح بشر مغلفين بالنضارة والتمرد واللااكتراث. صخب ناعم كان يحملني علي جناحيه بعيدا. جموع تتألف من جماعات، كل جماعة مشغولة عما يحيطها. وهناك من يمشي وحيدا. لا أحد ينظر الي وأنا انصت لاول مرة منذ سنوات الي ضجة الحياة. تذكرت ولكن متأخرا ان مهرجان الموسيقي سيبدأ مساء ذلك اليوم، وما هؤلاء الفتية سوي الفم الذي سيتناول ما سيقدمه المهرجان من وجبات موسيقي سريعة. فتاة وحيدة بدت غريبة عن كل هذا الجمع اقتربت مني وجلست علي الطرف الاخر للمصطبة التي أجلس عليها. لم تكن تحمل بيدها إلا حقيبة صغيرة وكتابا من كتب الجيب. أثار كتابها فضولي حين رأيت علي غلافه صورة لشاعر البرتغال بيسوا، مخترع أقرانه الشعراء الثلاثة. بيسوا إذا قلت بطريقة لم تخف انفعالي. فردت الفتاة بطريقة استفهامية نعم بيسوا . حركت اوراق الكتاب بابهامها والتفتت الي قائلة هيئتك كمن ينتظر! . لن أقول لك أني في انتظار غودو قلت فابتسمت لأنها اعتبرت جملتي ثناء علي ثقافتها. زحفت في جلستها مقتربة مني وهي تقول: سأكون ضيفة انتظار أنا الاخري، اتمني أن لا يطول انتظاري، هل تنتظر منذ زمن طويل ؟ بعمرك ، قلت مبتسما بحزن. وهل تقيم هنا؟ سألت. حين هممت بالاجابة رأيتها تهب من مكانها وهي تصيح بأعلي صوت: أنا هنا واختفت. بعد دقائق مرت قريبا مني وهي تحتضن شابا بدا عليه القلق، التفتت الي مبتسمة سنلتقي . هززت رأسي وأنا أقول بالعربية هذه المرة لن نلتقي أبدا . بعد ثلاث سنوات عثرت علي نسخة من ذلك الكتاب الذي كانت تحمله تلك الفتاة في إحدي مكتبات الشارع علي نهر السين بباريس، فاشتريته. استغرب صديقي الرسام هيمت قائلا: ولكنه بالفرنسية ؟ قلت أضيف لذكري أخري شبح مادتها يا صديقي الرسام، كما تفعل أنت بالضبط . كلما نظرت الي ذلك الكتاب تمتزج صورة بيسوا بصورة تلك الفتاة التي اختفت مثل حمامة. 4في كل المدن والقري التي وطئت أرضها قدماي كنت احرص في البدء علي رسم خارطة غريبة بعض الشيء. ذلك لانها تشير الي الاماكن التي تزرع فيها أشجار التفاح والخوخ والدراق والكرز أو تلك التي يطلع فيها الكمأ. من الطبيعي أن لا تكون الحدائق المنزلية مشمولة بذلك البحث، بالرغم من أنني انظر بحسرة الي ثمار أشجار تلك الحدائق وهي تترك معلقة بالاغصان إلي أن تسقط تلقائيا أو بتأثير هبة ريح خفيفة لتصنع دوائر مذهلة في جمالها حول الشجرة الام. يذهب الاسوجي الي السوق ليشتري التفاح الذي تمتلئ حديقته به. لا أستطيع أن أقدم تفسيرا لسلوك من هذا النوع سوي ولعه بتلك الدوائر التي تشبه المتاهات. هناك أشجار عامة، أقمت مع بعض منها علاقة شخصية. بالاخص أشجار الكرز. اراقب ثمارها وهي تنضج، يهمني أن أكون موجودا في اللحظة الحاسمة من تفتحها، وهي لحظة القطاف. اشعر بمتعة كبيرة وأنا أري الصبية وقد سبقوني الي تلك الأشجار. أجلس مطمئنا فحصتي لا تزال مضمونة. هناك ثمار لا يسمح لهم موقعها العالي بالتقاطها. حين يبتعد الأطفال، أكون الطفل الوحيد الذي تنسيه سعادته بالتقاط الكرز هموم العالم. كرز الاماكن العالية من الشجرة أتركه للريح والعصافير، لأعود إلي البيت محملا بغنائم الصياد وغبطته ورضاه. 5قريبا من اهرامات مصر، أدركت بحزن السبب الذي يجعل النحات المصري عاجزا عن ابداع شخصية فنية حديثة تتجاوز الماضي. فالفن الفرعوني وبالاخص في مجال النحت هو ارث ثقيل الوطأة. حين التقيت في البحرين ذات يوم بآدم حنين، الفنان والانسان الذي أحبه، استوعبت موهبته الفنية الأصيلة وهو الذي ذهب بعيدا ليعثر في الروسي بلياكوف علي ضالته الشكلية. (حنين) هو النحات المصري الوحيد الذي تحرر من لعثمة القداسة التي يفرضها الفن الفرعوني علي الشعب المصري كله، وليس علي النحاتين وحدهم. الهرم الفرعوني صنيع تجريدي لا يقوي الانسان امامه سوي أن ينصاع لقوة تأثيره البصري والشعوري. جبروت الطبيعة بالنسبة لفناني أسوج يغلب سحرها. وهي تفعل بهم ما تفعله الاهرام بفناني مصر. رسامو أسوج يجدون في الطبيعة مادة جاهزة لالهامهم. شغفهم بالمنظر الطبيعي يصنع لهم قيمة في مجتمع يقدس الطبيعة.ولكن رسومهم لا تصل حتي الي مستوي ما قدمه الانطباعيون الفرنسيون في القرن التاسع عشر. يشعر المرء بخيبة كبيرة حين يقارن بين ما يراه في لوحاتهم وبين ما تصنعه الطبيعة من أعاجيب لونية وبالأخص في فصل الخريف. الرسام الأسوجي يحاول اللحاق بالطبيعة لكنه يتعثر مثل طفل يحاول تقليد خطوات امه. مئات الرسامين هنا يعيشون في ما يشبه الغيبوبة. يظنون أنهم يهبون المتلقي لحظات جمال مستلة من الطبيعة فيما صورة الطبيعة نفسها تكشف عن عجزهم عن تمثل لحظة واحدة من لحظات توترها الجمالي. لذلك فان ما فعله الحفار الاسوجي ماتس غوستافسون يضعه في موقع القلة السعيدة النادرة من جهة استيعابها للدروس الخيالية التي تنطوي عليها عبقرية الطبيعة. لا يذهب ماتس بعيدا، غير أنه يكتفي بتحريك المشهد قليلا. هذه المسافة تكفي لكي يكون في منأي عن التأثيرات العاطفية الضارة. يأخذ من الطبيعة ما يدل عليها ثم يشحن المشهد برؤاه البصرية، وهي رؤي محملة بالكثير من العناد. ماتس يرسم صخورا نراها كل لحظة، غير أنها في رسومه لا تشير الي تلك الصخور التي نعرفها. إنها صخوره هو. مراياه التي يستعرض من خلالها معاناته وشقاءه وهو يسعي الي ابتكار شكل يدل عليه وهو يستعرض فتنته بالطبيعة. ماتس سعيد مثلي بتلك الكرزة التي ظلت عالقة بالشجرة بعيدا عن كل يد.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويدQTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية