لا شيء من لا شيء: كيف تطلق قناة فضائية في عشرة أيام؟
محمد منصورلا شيء من لا شيء: كيف تطلق قناة فضائية في عشرة أيام؟باستثناء بضعة قنوات تتمتع باحترافية مهنية عالية، وتخاطب مشاهدا تلفزيونيا تفترض أنه صاحب عقل وذائقة وحواس، فإن الفضاء التلفزيوني العربي يحفل بعشرات القنوات، التي لا يدري المرء كيف ظهرت، وما هي مؤهلاتها، وما هي أهدافها، وبأي لغة وأسلوب يمكن أن تخاطب المشاهد العربي، بل بأي وجه يمكن أن تقابله، وبأي عين يمكن أن تحدق في عينيه من دون أن يعتريها الخجل، والشعور بهزالة المظهر والجوهر… إن كان لدي أصحابها عين يمكن أن يروا بها بحق صورتهم وصورة قنواتهم في المرآة؟مؤخرا أتيح لي أن أدخل المطبخ الحقيقي، لإحدي هذه القنوات… ومقرها مدينة (الرياض) في السعودية، باعتباري زائرا ليس أكثر.كان صديقي الذي اصطحبني، والذي كان مساهما في هذه القناة كمخرج، يحدثني كيف أنهم استطاعوا أن يصنعوا شيئا من لا شيء… وقد فوجئت بعد زيارة القناة، أن نصف كلام صديقي كان صحيحا… فهم صنعوا (لا شيء) من (لا شيء) وقد ذكرني هذا بالقاعدة الحسابية البسيطة، وهي أن ناتج جمع الصفر وتقسيمه وطرحه وضربه هو: الصفر.وعلي طريقة الكتب التجارية الشهيرة في تعليم اللغات (كيف تتعلم اللغة السنسكريتية في عشرة أيام) يبدو أن هذه القناة، التي لا أحب ذكر اسمها لأن (الله أمر بالستر) ُصنعت بالطريقة نفسها… لكنني عندما جلست أحتسي القهوة السعودية في مكتب مدير القناة، اكتشفت من كلامه أنه بات يراهن الآن علي معجزة تتجاوز شعار الكتب التجارية لتعليم اللغات، فقد أصبح شعاره بعدما فك شيفرة اختراع قناة: (كيف تصبح معلماً للغة السنسكريتية في عشرة أيام؟).لم يكن صاحب القناة إياها يملك سوي مكتب من ثلاث أو أربع غرف، يصدر منه مجلة، ويبدو أنه بعد أن ولت موضة إصدار المجلات، وموضة التباهي بأن فلانا رئيس تحرير مجلة، وفلانة ناشرة مجلة، وما يستتبع هذا التباهي من حديث في المقاهي عن متاعب إصدار العدد، ووجع رأس العاملين في الصحافة أو المتطفلين عليها، ولهاثهم من أجل الخبطات الصحافية التي هي ليست إلا فضائح شخصية، أو تفانيهم في متابعة أخبار الأمير الفلاني ورجل الأعمال العلتاني واعتدادهم بالأموال التي تفوح رائحتها علي صفحات المجلة من كثرة التلميع المفضوح، ثم تشــدقهم فوق كل هذا بالحديث عن صراعهم من أجل حماية الكلمة الحرة، وتنــــــــــوير الرأي العام… أقول بعد أن ولت موضة التبـــــــــــاهي بمثل هذه الأشياء، وجد صاحبنا أن من الأجدي افتتاح قناة فضائية، فالكل يقول هذا عصر الفضائيات، والكل يتحدث عن انتهاء عصر الصحافة المطبوعة في ظل الصحافة الالكترونية… وافتتاح قــناة لا يحتاج سوي إلي تقليص مساحة سلق المجــلة في مكتبه، من أجل إفساح المجال لتحـويل إحدي الغرف إلي استوديو صغير، بكاميرا واحدة أو كاميرتين ديجيتال من النوع الذي يستخدم في تصوير التقارير الإخبارية، ثم تخصيص غرفة أخري أو جزء من غرفة أخري لعمليات المونتاج والغرافيك، بأجهزة تختلف كثيرا عن الأجهزة الاحترافية التقليدية من حيث الحجم والجودة، لكنها تتميز بالسرعة، وبأن ما يمكن أن تنتجه صالح للبث التلفزيوني الرقمي في النهاية.التفكير باسم القناة هو الخطوة الأولي، ثم عمل بوسترات وملصقات لها حتي قبل الحجز علي القمر الصناعي والانطلاق هو الخطوة المهمة الثانية في طريق الحديث المضخم عن مشروع افتتاح قناة تنافس الجزيرة والعربية ودبي والإم بي سي!وقد حثني صديقي أن صاحب القناة فعل كل هذا، فوجد اسماً للقناة، وصار كل من يسمع اسمها يقول له: (تكفي… عاشت الأسامي انشالله) وحجز علي القمر الصناعي، وجلب بعض الأجهزة الضرورية لإطلاق بث، فيه صورة وصوت في أضعف الإيمان… لكنه عاني في البداية من مشكلة التمويل… ثم وجد الحل.أجّر القناة في مناسبة الأعياد لأمانة العاصمة، لتجعل منها بثا متواصلا ومباشرا لاحتفالاتها وتجهيزاتها في العيد، بعد أن سئم العاملون في أمانة العاصمة، استجداء اكبر وقت ممكن للبث اليومي لاحتفالاتهم من التلفزيون الوطني… وهكذا صاروا يظهرون علي قناتهم المستأجرة (بفلوسهم) ليتحدثوا عن إنجازاتهم متي وكيف شاؤوا… وهو ـ أي صاحب القناة ـ يمكن أن يؤجرها بالطريقة نفسها، لأي مهرجان تسوق يريد أن يبث علي مدار الوقت، أو مناسبة أو تظاهرة لجهة لديها ما تدفعه مستقبلا.لكن المشكلة أن الاحتفالات انتهت… وأن القناة مثل نار جهنم كلما امتلأت بالفلوس تقول: (هل من مزيد) وكان المزيد هنا هو البحث عن سبوبة علي مدار العام، وقد بدأ صاحبنا، وبشكل تطوعي أولا، بالبحث عن المولات والأسواق التجارية الكبيرة المنتشرة من حوله، وأخذ يصورها ويبث عنها أفلاماً وريبورتاجات وثائقية، شجعت بعض أصحاب المحلات، الطلب من مندوبيه أن يخص محلاتهم بعينها بريبورتاجات مستقلة، وهنا انتهي زمن التطوع… وبدأ زمن الفلوس… وصار لكل ريبورتاج سعر…. ولكل إعلان ثمن!وفي نفس الوقت لم ينس المشاهد… فالمشاهد بالطبع لا يمكن أن يتابع قناة كلها إعلانات، ولابد من بعض البرامج… وكان الحل هو برامج بلا تكلفة تقريبا، سوي تكلفة مصور ومذيع ومونتير… برامج تعتمد علي آراء المشاهدين في الشارع، أو علي الهاتف… ويفضل في الشوارع أن يكون تصوير هؤلاء المشاهدين في أسواق تجارية كي تظهر وراءهم ماركات المحلات، ويكون ذلك نوعا من الدعاية المتفق عليها وهذه المرة (من تحت لتحت) أما طبيعة البرامج… فهي عبارة عن سؤال واحد يوجه للجميع، سؤال من قبيل: هل أنت راض عن سفلتة الشوارع؟ ماذا تتمني من وزير العمل؟ هل ترتاح في الحدائق العامة؟ وسوي ذلك من الأسئلة التي لا تغضب الدولة، ولكنها توحي للمشاهد بأنه وجد فسحة للتعبير عن رأيه المهم في هذه القضايا الكبيرة.أما برامج الأستوديو لديه، فعبارة عن طاولة محصورة في زاوية أكبر غرف الشقة، علي خلفية زرقاء تصلح لحفر (كروما) أي خلفية صورة متحركة بدل الديكور المكلف، ومع وجود ضيفين أو ثلاثة ومذيع يدير الكلام كيفما اتفق، وهاتف لاستقبال آراء السادة المشاهدين، يكتمل عقد البرنامج… بل ويمكن أن نحيي المشاهدين في الختام من استوديوهاتنا الخاصة أيضا.ويطول الشرح والحديث عن السبل التي ابتكرها صديقنا لجعل القناة تمول نفسها بنفسها، ولإقناع نفسه والآخرين من حوله بأنه صاحب مشروع إعلامي، ينظـّّر لكيفية صناعة الإعلام الجماهيري، ويمط شفتيه معترضا حين يتحدثون عن حرفية الجزيرة… التي تقف وراءها دولة تدعمها، ولو بدأت مثل بدايته، لكان له حديث آخر عنها!وهكذا فإيجاد اسم، ثم حجز قناة علي قمر صناعي، وإيجاد شقة فارغة بها ثلاث أو أربع غرف، مع بعض المعدات التلفزيونية ومذيع ومصور ومونتير ومخرج.. ثم سكرتيرة أو مدير مكتب، من أجل ان يعمل (البرستيج) تكون القناة قد أصبحت واقعا والحلم غدا حقيقة… وهي حقيقة بالنسبة له، لكنها كابوس بالنسبة لبعض المشاهدين من أقربائه وأصدقائه الذين سيضطرون لمشاهدة القناة كي يأخذ رأيهم، وهي رقم مهمل بالنسبة لمشاهد متحرر من مجاملة… إلا إذا كان يبحث عن صورته في لقاء عابر، أو إعلانه في ريبورتاج مأجور، أو رسالته القصيرة في شريط الرسائل… وهذا لوحده مصدر دخل وعطاء لا ينضب.باختصار وبمقدار ما استمعت لطرائف في زيارتي لتلك القناة، وما رافق حديث مديرها عنها من ادعاءات تصلح لحوار كوميدي في برنامج فكاهي… بمقدار ما أدركت كيف أن معظم الدول العربية، تفضل هذا النموذج في صناعة المحطات والصحف والمجلات… علي أي نموذج إعلامي احترافي يستحق الاحترام… نعم تفضل هذا النموذج وتشجعه وتشد علي يديه، كي لا تضطر آسفة للضرب علي ايدي أصحاب العقول والخبرات إن تمكنوا من افتتاح قناة حقيقية… فتعطي مادة لجمعيات حقوق الإنسان، ومنظمات حرية الرأي كي يشجبوا ويدينوا… وسيدينون ماذا ثم ماذا؟!تحليل نادر للأفلام الوثائقية! برنامج (مشاهد وآراء) بفتح الميم، والذي تقدمه ميسون عزام علي قناة (العربية) ويتناول بالنقد والتحليل، بعض الأفلام الوثائقية المثيرة للجدل التي تعرضها أو تشتريها القناة من مصادر غربية لعرضها… والذي يستضيف مختصين بموضوع كل فيلم، ومن أكثر من موقع، كي يتحاوروا ويبدوا آراءهم، بما قدم في الفيلم، وكيف تناول القضية التي يصورها… هذا البرنامج، يعتبر من البرامج الجيدة التي تقدمها القناة… رغم أنه يخلو أحيانا من الإثارة التي نراها في برامج أخري!أهميته من وجهة نظري تأتي، من أنه برنامج يقيم عملا وثائقيا، ونادراً ما حظيت الأعمال الوثائقية بأي نوع من التقييم في البرامج التلفزيونية، وهو يسعي لتبصير المشاهد ـ من وجهة نظر اختصاصية ـ بمزايا ومثالب وعيوب، قد لا تراها أو تتوقف عندها عين المشاهد العادي… صحيح أن الشخصيات التي يستضيفها البرنامج، تري الفيلم من وجهة نظرها، وبما يتفق مع قناعاتها السياسية أساسا، لكن هذا لا يمنع أن الحوار مع وجهات نظر أخري، يكشف كذلك مدي موضوعية المحاور في تقييمه للفيلم، ويضع رأيه في الميزان أيضا.لكن ثمة مشكلة في هذا البرنامج الجيد، الذي لا يعبر عنه اسمه جيدا، وهي أنه غالبا ما يغفل التقييم الفني للفيلم، بمعني التوقف عند لغته البصرية… ومدي جودة عناصره الفنية… وهو أمر تبقي له اهميته في الفيلم الوثائقي وخصوصا ونحن نعيش عصر الصورة المترفة والباذخة!ناقد فني من سورية[email protected]