تفعيل المبادرة ام بدء التطبيع؟
عبد الباري عطوانتفعيل المبادرة ام بدء التطبيع؟عقد وزراء الخارجية العرب امس اجتماعا في مقر الجامعة العربية بالقاهرة بهدف تفعيل مبادرة السلام العربية التي أعادت قمة الرياض احياءها في الشهر الماضي دون ادخال اي تعديلات علي بنودها الاصلية.الوزراء يتكتمون علي ماهية خطواتهم المقبلة، ويقولون ان المقصود بالتفعيل، هو تشكيل لجنة من وزراء مصريين واردنيين وفلسطينيين، اي الدول التي تقيم علاقات رسمية مع الدول العبرية، تكون بمثابة مجموعة عمل لاجراء اتصالات مباشرة مع الامين العام للامم المتحدة والدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي واللجنة الرباعية، وكذلك الاطراف المعنية بعملية السلام.هذا كلام انشائي جميل، ولكنه لا يعني شيئا في نهاية المطاف، ويخفي الهدف الحقيقي من هذه اللقاءات العربية وهو التمهيد للتطبيع التدريجي مع الدولة العبرية تحت غطاء تفعيل مبادرة السلام.فالمبادرة صدرت اساسا من اجل استئناف الاتصالات العربية بتل ابيب وحكومتها، وبناء علي اقتراحات تقدمت بها السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية، اثناء لقائها بوزراء خارجية اللجنة الرباعية العربية في اسوان (مصر والسعودية والاردن والامارات) وقادة اجهزة الاستخبارات في دولها.إيهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي رحب بالمبادرة باعتبارها اساسا للتفاوض، وأصر علي ان حكومته تشترط اسقاط بندين فيها، وهما المتعلقان بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعدم توطين هؤلاء في الدول التي يقيمون فيها مثل لبنان وسورية والاردن ومصر وباقي الدول العربية.اولمرت يريد الحديث مباشرة مع الدولة صاحبة هذه المبادرة، اي المملكة العربية السعودية، ولذلك وجه الدعوة الي العاهل السعودي للتفاوض حول تفاصيلها، وذهب الصحافي الامريكي توماس فريدمان صاحب النص الاصلي لها، اي المبادرة، الي حث الملك عبد الله بن عبد العزيز علي اتباع خطي الرئيس المصري الراحل انور السادات بالصلاة في المسجد الاقصي، ثم التوجه الي رام الله لمخاطبة المجلس التشريعي الفلسطيني، ليعرج بعد ذلك علي الكنيست الاسرائيلي والتحدث مباشرة الي اعضائه لطمأنتهم، وتأكيد نواياه في السلام والتطبيع.ولذلك فان تشكيل لجنة من وزراء خارجية الاردن ومصر وفلسطين للاتصال بحكومته لن يحقق اي تقدم، ولن يؤدي الي تفعيل المبادرة، اللهم الا اذا حمل الوفد الثلاثي هذا تعهدا بانضمام العضوين الآخرين من اللجنة الرباعية، اي السعودية والامارات في جولات تفاوضية لاحقة.فاولمرت يلتقي بصورة منتظمة بالوزراء الثلاثة، كل علي انفراد، بل ويلتقي زعماء دولهم، ويعرف افكارهم جيدا، مثلما يعرف كل بنود مبادرة السلام عن ظهر قلب، وجميع قرارات الامم المتحدة ومجلس أمنها، ولذلك فهو ليس بحاجة الي شروحات جديدة، تفسر الماء بالماء.التفعيل الذي تريده اسرائيل هو غير التفعيل الذي تريده الاطراف العربية، فمفهوم الاولي للتفعيل هو ان يتم التطبيع اولا، ثم بعد ذلك مناقشة فرص السلام، وفقا لبنود المبادرة في صيغتها الاصلية، اي العلاقات الكاملة مقابل الانسحاب الكامل.المبادرة العربية للسلام الحقت ضررا كبيرا بالموقف العربي، لانها حددت السقف الاعلي للمطالب العربية مسبقا، وقبلت ان تكون هذه المبادرة عبارة عن اطار عمل للتفاوض وليس الحد الادني الذي يمكن ان يقبل به العرب مقابل انهاء الصراع، واغلاق صفحته، والقبول بالدولة العبرية كدولة طبيعية في المنطقة.جعل المبادرة اطارا للتفاوض، او اعلان مباديء، يعني ان بنودها ليست مقدسة، وقابلة للأخذ والعطاء، وابداء المرونة من قبل الجانبين للوصول الي حل وسط، والحلول الوسط تأتي دائما علي حساب الحقوق والثوابت العربية.وما يثير قلقا اضافيا في قرار وزراء الخارجية العرب المفعلين للمبادرة، هو قولهم بعرضها علي مجلس الامن الدولي، والاتصال بالدول دائمة العضوية فيه، علاوة علي الامين العام للامم المتحدة.الامين العام للامم المتحدة كان حاضرا لقمة الرياض الاخيرة، وتابع جميع جلساتها، والتقي بمعظم الزعماء المشاركين فيها، والقي كلمة في حفل الافتتاح الرسمي، اي انه ليس بحاجة الي من يشرح له هذه المبادرة ويتكبد وعثاء السفر الي نيويورك بما في ذلك الوقوف بطريقة مذلة امام ضباط الجوازات الامريكيين في المطار.النقطة المهمة والمقلقة هي مسألة عرض المبادرة العربية علي مجلس الامن الدولي من اجل اعتمادها، ومصدر القلق ينبع من امكانية تدخل امريكا وبريطانيا وفرنسا لحذف ما اعترضت عليه اسرائيل من بنود كشرط لتحويلها الي مبادرة دولية.ماذا لو اشترطت الولايات المتحدة حذف بند العودة مثلا باعتباره لم يكن موجودا في المبادرة عندما اطلقتها المملكة العربية السعودية في صيغتها الاولي، ووجد هذا الشرط مساندة من بريطانيا وفرنسا وامتناع الصين وروسيا عن التصويت؟فالسيدة كوندوليزا رايس هي صاحبة فكرة عرضها علي مجلس الامن، وطالبت وزراء خارجية دول الرباعية العربية بالاقدام علي هذه الخطوة، بل انها عاتبتهم لتأخرهم في هذا الخصوص اثناء لقائها معهم في مدينة اسوان في صعيد مصر في الرابع والعشرين من شهر اذار (مارس) الماضي. واقتراح السيدة رايس هذا كان مصيدة نصبت بعناية للوزراء العرب سقطوا بين فكيها بكل سهولة ويسر.عجلة التطبيع مع اسرائيل بدأت في الدوران مجددا باللقاءات الدورية التي رتبتها السيدة رايس بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت وكان اولها يوم الاحد الماضي. ومن المتوقع ان يحط وفد اللجنة الثلاثية التفعيلية العربية في تل ابيب في الاسبوع المقبل للتمهيد للقاءات عربية اوسع، فقد تكاثرت اللجان العربية، من رباعية الي ثلاثية والهدف دائما واحد وهو استجداء السلام مع الدولة العبرية، وتقديم تنازلات جوهرية علي حساب الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني.لن نفاجأ اذا ما ضمت اللجنة الثلاثية التفعيلية هذه دولا من اللجنة الرباعية العربية، اي السعودية والامارات مجتمعين او منفردين في الزيارات المقبلة للقدس المحتلة، تحت غطاء التدرج، وفتح افق سياسي للسلام مثلما طالبت السيدة رايس وبشرت في جولتها الاخيرة الي المنطقة.وقد يتطوع احد المدافعين عن هذه المبادرة وكل ما يتفرع عنها من تحركات دبلوماسية، بالقول انها تلقي بالكرة في الملعب الاسرائيلي، وتحرج اسرائيل امام المجتمع الدولي اذا لم تتجاوب معها بالشكل المطلوب.يبدو ان كل الجهد السياسي العربي بات محصورا في احراج اسرائيل، وليس استعادة المقدسات المغتصبة، فقد قدمنا مبادرة الملك فهد في قمة فاس عام 1982 من اجل احراج اسرائيل، وقبلنا بقرارات اللجنة الرباعية العربية من اجل احراج اسرائيل، واطلقنا مبادرة السلام الاولي في قمة بيروت من اجل احراج اسرائيل.تعبنا كعرب من احراج اسرائيل، بينما لم تتعب اسرائيل مطلقا من اهانتنا والسخرية منا، ورد مبادراتنا الينا، والمطالبة بالمزيد من التنازلات. فماذا لو قلبنا الادوار، وجعلنا اسرائيل هي التي تبادر باحراجنا امام المجتمع الدولي من خلال التقدم بمبادرات واضحة ومحددة؟السؤال مطروح علي الامين العام للجامعة العربية والزعماء العرب آباء المبادرة العربية بعد اعادة الحياة اليها.الامين العام للجامعة يشكو من الإفلاس، وسفر وفود عربية الي الامم المتحدة وتل ابيب سيكلف ملايين الدولارات، لان هؤلاء يسافرون بطائرات خاصة ووسط رهط من المرافقين، وارقام خيالية من بدلات السفر، ومن الافضل توفير هذه الاموال واستخدامها في ما يفيد الأمة من خلال دعم مراكز ابحاث ودراسات والتخطيط لحملات اعلامية مكثفة لشرح قضايانا للعالم بشكل علمي، وليس بالطرق الفهلوية القديمة البائسة، ومساعدة اصدقائنا الخلص في العالم وهم كثر.