إيران وسياسة حافة الهاوية
إيران وسياسة حافة الهاوية يري بعض المحللين أن إيران استطاعت تحقيق كل أهدافها خلال أزمة البحارة البريطانيين الذين احتجزتهم البحرية الإيرانية لمدة أسبوعين بدعوي انتهاك المياه الإقليمية لإيران وأشاد بعض الكتاب بالدبلوماسية الإيرانية التي أدارت الأزمة الأخيرة بكفاءة بالغة بعد أن احتفظت بخيوط اللعبة في يدها ولم تقدم الفرصة لأعدائها لاستثمار الموقف. فبالرغم من أن إيران دفعت دفة الأمور لحافة الهاوية عندما أعلنت أن البحارة البريطانيين سيقدمون لمحاكمة عاجلة وهي ذات السياسة التي ابتدعها وانتهجها جون فوستر دالاس وزير خارجية حكومة ايزانهاور في الخمسينيات خلال الحرب الباردة بين القوتين العظمتين إلا أنها تراجعت في الوقت المناسب وقررت إطلاق سراح الجنود المحتجزين وبذلك استطاعت أن تتجنب الدخول في نفق مظلم وصراع لا نحمد عقباه، صراع قد يعرض المنطقة بأثرها لخطر محقق. ومن الملاحظ أن أمريكا أطلقت علي الجنود البريطانيين لفظة رهائن وأخذت تلقي المزيد من الوقود بغية إشعال فتيل الحرب بيد أن السياسة البريطانية التي تتمتع بسعة الأفق والخبرة والمعرفة الجيدة ببواطن الأمور في المنطقة استطاعت أن تصل بالأزمة إلي بر الأمان من خلال اتباع سياسة ضبط النفس.لا ننكر أن إيران هي التي افتعلت الأزمة وهي التي سارعت بتقديم الحلول. وقد نشيد بتصرف إيران ومبادرتها التي أدت إلي إطلاق سراح البحارة دون شروط. وفي رأيي فإن الإيرانيين يتمتعون بذاكرة قوية ولا ينسون الأحداث التاريخية التي قد تتكرر في صور وأشكال مختلفة. ففي ذهنهم الأزمة التي حدثت في جزر فوكلاند التي تعرضت لهجوم أرجنتيني مباغت في 19 مارس 1982 حيث قامت بعض القوات الأرجنتينية باحتلال هذه الجزر وأسر الحامية البريطانية التي تتولي شؤونها وعندئذ أصدرت الحكومة البريطانية برئاسة المرأة الفولاذية مارغريت ثاتشر إنذارا بضرورة إخلاء الجزر وانسحاب القوات الغازية وإلا سوف ينتهي الأمر بالتصعيد العسكري وربما اعتقد الأرجنتينيون ورئيس حكومتهم الدكتاتور الجنرال ليوبولدو جالتيري أن هذه المرأة لا تعني ما تقول وفور انتهاء المهلة المقررة أرسلت بريطانيا أساطيلها وبوارجها التي هزمت الجيش الأرجنتيني واستعادت الجزر في 14 يونيو أي بعد قرابة ثلاثة شهور من الأزمة. ويتذكر الإيرانيون أيضا أن صدام الذي احتل الكويت في الثاني من اب (أغسطس) 1990م أبي إن يستمع لأصوات العقل ومبادرات حل الأزمة التي وصلت إلي ستة قرارات من الأمم المتحدة ولم تنته هذه الأزمة إلا بعد التدخل العسكري الذي استغرق 42 يوما لإخراج العراقيين من الكويت في 26 فبراير 1991م. ونستخلص مما سبق أن سياسة حافة الهاوية التي لا تلجأ إليها سوي الدول التي تتمتع بالقوة النووية الهائلة تعني دفع المواقف إلي حافة الحرب والتهديد باللجوء إلي البديل العسكري بغية تحقيق مكاسب سياسية وهذه السياسة قد لا تؤتي أكلها ولا تعتبر مجدية إذا كان الطرف الذي يلجأ إليها لا يملك القوة التي في حوزة الطرف الآخر. ومن ثم لا بد أن يسارع الطرف الضعيف بالتراجع في أسرع وقت ممكن وإلا حلت الكوارث بأمنها وشعبها.د. أحمد سوكارنو عبد الحافظكلية الآداب بأسوان ـ مصر6