في الذكري الرابعة: بغداد العصية علي السقوط
يحيي اليحياويفي الذكري الرابعة: بغداد العصية علي السقوط كلما حلت ذكري التاسع من نيسان (أبريل) من العام 2003، إلا وتجدد السؤال والتساؤل بقوة، حول الذي جري حقيقة في هذا اليوم (أو قبله)، حتي يدخل الأمريكان قلب العاصمة بغداد، غازين، فاتحين ، مطمئنين إلي واقع تهاوي النظام و تبخر قادته، الميدانيين منهم كما المدنيين، ناهيك عن عناصر الحرس الجمهوري، ونخبة فدائيي صدام، وأفراد القوات المسلحة وما سواهم.والحقيقة أن تسارع الوتيرة التي تم بها احتلال العاصمة (بعدما بات العراق برمته تحت الاحتلال أو يكاد)، وتحطيم تمثال الرئيس/الشهيد صدام حسين بساحة الفردوس، بعدما غطي جندي من المارينز قمته بالعلم الأمريكي، إنما بدا للعديد منا (ومن غيرنا أيضا) ولكأن عاصمة الرشيد سلمت عن قصد، في إطار صفقة ما، من المحتمل أن تكون القيادة العراقية في حينه قد أبرمتها مع الأمريكان، للحؤول دون تدمير المدينة وإفناء البشر والحجر، أو لاستثناء أركان النظام من المتابعة والملاحقة، أو لترتيب منفي لهم آمنا، يقيهم شر القتل أو تشويه السمعة أمام الملأ.لم يكن المشهد (مشهد دخول الدبابات الأمريكية قلب بغداد) مثار استفهام كبير في وقته، قياسا إلي تصميم الأمريكان دخول المدينة، وقلب نظام الحكم من بين ظهرانيها، بقدر ما كان مثيرا للدهشة و الانبهار أيضا، أمر التهاوي السريع والمفاجئ لمدينة قيل (من لدن أركان النظام القائم في حينه) إنها محصنة أشد ما يكون التحصين، وتوعد الرئيس/الشهيد، غداة بدء الغزو، أن مغول العصر سوف ينتحرون علي أسوارها فرادي وجماعات.وإذا أضحي من الثابت اليوم (علي الرغم من قلة الحجج الدامغة) أنه لم يكن ثمة صفقة مع الرئيس (حتي وإن لم يستبعد ورودها مع بعض من مقربيه، أو المطلعين علي خططه وطريقة تفكيره)، فإنه أضحي من الثابت أيضا أن العاصمة لم تسلم للغزاة بصيغة الاستسلام الرسمي، أو في أعقاب مبارزة حامية الوطيس، تلتها ضربة عسكرية قاضية بأرض المعركة، حسمت أطوار المبارزة إياها جملة وبالتفصيل.وبقدر ما تعدمنا المعلومات والوثائق، عن الذي جري بالتحديد صبيحة التاسع من نيسان (أبريل) من العام 2003 (بحكم التعتيم الإعلامي الممنهج، الذي عمده الجيش الأمريكي، واستهدف بالنار والحديد كل من يتحداه)، فإن إعمال البديهة وملاحظة واقع الحال، تدفعان للاعتقاد الجازم (أي المشارف علي اليقين) بأن فتح مداخل المدينة، وترك الغزاة يلجونها من كل مدخل دون ممانعة تذكر، لم يكن قرارا اعتباطيا، ولا كان من قبيل سلوك الجندي اليائس، الهارب من أرض المعركة، ولا كان تفريطا مقصودا في العاصمة، أو تهربا من الذود عن أسوارها إلي آخر رمق…إنه كان، وبكل المقاييس، فسحا في المجال، للمقاومة غير النظامية للـــعب دورها، مادام قد بات من المحال مواجهة مغول مدججين بالأرض والمـــاء والسماء، بأسلوب نظامي، الخاسر فيه بين ومعلوم.وعلي هذا الأساس، فإنه ليس من المجازفة في شيء حقا، الزعم من لدننا بأن أركان نظام الرئيس/الشهيد إنما كانوا علي قناعة بأن احتلال العراق شيء، واحتلال بغداد شيء آخر مختلف عنه، حتي وإن كانت أوجه الشبه ثابتة في بعض عناصر الحالتين.إذا لم يكن في الأمر وعي مسبق، بأن معركة بغداد غير محكومة بعامل الزمن الضاغط، فما السر في اندلاع شرارة المقاومة أسابيع قليلة فقط علي السقوط ؟وإذا لم يكن في الأمر ترتيب مسبق، فما القول في مقاومة انطلقت شرارتها قبلما يتسني للاحتلال التعرف علي مفاصل المدينة، واستكشاف محيطها، والاطلاع علي أحيائها وشوارعها، و الاطمئنان إلي أهلها؟صحيح أن بغداد تئن تحت الاحتلال منذ أربع سنوات مضت، لكنها لم تستسلم البتة منذ اليوم الأول، بل أجبرت مقاومتها مصالح الاحتلال علي الاختباء بالمنطقة الخضراء الشديدة التحصين، لم تسلم مع ذلك من استهداف المقاومين لها، واختراقهم لتحصيناتها، والتنغيص علي عمل الحكومة العميلة في اجتماعاتها، كما لدي استقبالها لضيوفها من الأجانب.وعلي الرغم من توالي الخطط الأمنية (وآخرها خطة أمن بغداد ) وظروف الطوارئ المفروضة علي العاصمة، ودفع الرئيس الأمريكي بالآلاف من الجنود الإضافيين، وبتعزيزات تقنية عالية (في عند ندر مثيله)، فإن المقاومة العراقية لم تعدم السبل في استهداف مواقع الاحتلال، وتصيد آلياته من علي جنبات الطرق، وقصف قواعده المقامة بتخوم العاصمة، وتفجير الثكنات العسكرية والأمنية التابعة لحكومة الاحتلال.ليس من الصدفة في شيء، أن يعترف الاحتلال ذاته بصلابة عود المقاومة، وتجذرها، وقدرتها علي تطوير أدوات اشتغالها. وليس من الصدف في شيء، أن تركز المقاومة العديد من عملياتها بنطاق العاصمة في عملية كر وفر دقيقة، أضحي الاحتلال في ارتياب مستمر من توقيت شنها لهجماتها، ومن توقيت إعادة تموقعها، عندما يتراءي لها أن الحصار اشتد، أو تم التضييق علي حركة عناصرها هنا أو هناك.كما أنه ليس من الصدف الخالصة، أن تكبد المقاومة الاحتلال الأمريكي في الستة أشهر الأولي للاحتلال فقط، ما يعادل خسائره بالفيتنام طيلة الثلاث سنوات الأولي.إن المقاومة العراقية أدركت وتدرك جيدا، أن دخول الأمريكان لعاصمة الرشيد، قد حقق لهم النصر التكتيكي المباشر، بحكم الترسانة الضخمة التي دفع بها بأرض المعركة، لكنها أدركت وتدرك جيدا بالآن ذاته، أنها لن تترك للرئيس الأمريكي (ولا لحكومة الاحتلال من بين ظهرانيه) فرصة التقاط الأنفاس، والتمتع بالنصر الاستراتيجي الذي بالاحتكام إليه تقاس معادلات الربح والخسارة في الحروب.وهو لربما الجانب الأساسي الذي راهن عليه الرئيس/الشهيد، عندما قام بتسليح شرائح واسعة من الشعب العراقي، بعدما تأكد لديه أن الاحتلال قادم لا محالة، والبلاد قطعا آيلة للسقوط بيد الغزاة الجدد.إن القول بسقوط بغداد، هو قول مجانب للدقة وللواقع علي الأرض. إذ القول به يستوجب قبليا استتباب الأمر للاحتلال دونما نذر مناهضة أو ممانعة أو عصي، في حين أن الذي جري منذ اليوم الأول وإلي حين الذكري الرابعة لدخول الأمريكان عاصمة الخلافة، مخالف لذلك بكل المقاييس.والقول بالسقوط معناه القبول بواقع الاحتلال، واستنبات الظروف والقابلية علي العمل معه وفي ظله وتحت كنفه ولوائه، في حين أن الغالبية العظمي من الشعب العراقي ترفضه جملة وتفصيلا، اللهم إلا الذين جاؤوا معه من علي ظهور الدبابات…لا بل إن الذين استبشروا بقدوم الأمريكان لهذا السبب أو ذاك، باتوا يترحمون علي مرحلة، كانت بغداد في عهدها تعج بالحركة آناء الليل وأطراف النهار، دونما خوف علي المال أو العرض أو النفس.والقول بالسقوط معناه، فوق كل هذا وذاك، الاستهانة بأرض الرافدين، التي كتبت عليها منذ قدم الأزمان محن من هذا القبيل وأكثر، فصمدت وتمنعت وقاومت، وتجاوزت الصعب.في مقال لنا بالعاشر من نيسان (أبريل) من العام 2006 قلنا التالي بخاتمته: إن بغداد لم تسقط (ومدن كبغداد لا تسقط هكذا)، والذين تملكتهم النشوة عندما دخلوها دونما مقاومة نظامية، هاهم اليوم ينتحرون علي أسوارها، أو في أفضل الأحوال محاصرين بأسوار من نفس التربة التي بنيت بها بغداد. فليعش العراق العظيم، ولتعش بغداد الشامخة أبدا .في الذكري الرابعة نقول: من بلاد المغرب الأقصي، تحية للمقاومة العراقية بكل أطيافها، وهنيئا لها عيدها الرابع. 9