غازي صلاح الدين والفكر الإقصائي في السودان

حجم الخط
0

غازي صلاح الدين والفكر الإقصائي في السودان

د. يوسف نور عوضغازي صلاح الدين والفكر الإقصائي في السودان في أعقاب انهيار الإتحاد السوفييتي السابق نشر فوكاياما كتابه الشهير نهاية التاريخ ولم يكن يعبر بذلك عن فكر مغلق بل كان يري أن جميع الأيديولوجيات والأفكار النظرية المؤسسة علي غير تجربة حقيقية مصيرها إلي الفناء لتبقي في النهاية حقيقة واحدة وهي الديموقراطية علي النسق الغربي، ولكن ظهور كتاب فوكاياما لم يحل دون ظهور فكر آخر نظر إلي حقيقة العالم الذي نعيش فيه ليس من حيث هو يطرح بدائل مختلفة بل من حيث هو تعبير حقيقي عن صراع خفي وظاهر بين متناقضات كثيرة وذلك ما دعا صمويل هنتنغتون إلي نشر كتابه صراع الحضارات ولكن الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني عمر حسن البشير لم يشأ أن يري هذه الحقيقة في واقعها العملي فقد ذهب إلي وصف كتاب فوكاياما علي أنه كتاب يغلق الباب أمام الحراك السياسي الذي هو بحسب ما ظهر في مقالاته لا يعدو أن يكون تداولا لأفكار معادة لا تتسم بالنضج وتغلق العالم في إطار ضيق من النظر وتحصر نفسها في تجربة لا يمكن أن تعمم علي أنها تمثل حقيقة فكرية يمكن الاعتماد عليها. وتأتي مقالات غازي صلاح الدين بعد انشقاقات شهدتها الحركة الإسلامية السودانية أدت إلي نقاشات في الصحف بحسب قوله وكان من أهم ما تمخضت عنه تلك النقاشات الموقف الصريح للدكتور حسن الترابي الذي وصف نظام الحكم بالفساد الإقتصادي وذكر علي وجه التحديد أن الفساد بلغ تسعين في المئة بينما كان قبل تولي الإنقاذ السلطة تسعة في المئة، كما دعا الترابي الطلاب إلي التحرك من أجل إسقاط نظام الحكم كما فعلوا في عام 1964 وطرح الترابي بديلا للوضع القائم نظاما يقوم علي التوافق الوطني بين سائر الأحزاب العاملة في السودان. ويبدو في ضوء ما ذكره الترابي أن المقالات التي نشرها غازي صلاح الدين في صحيفة القدس العربي كانت محاولة للرد ولكنه لم يكن ردا موفقا لأنه أغرق في تفسير الواقع من خلال تجربة سودانية فقيرة لا تنظر إلي أسلوب تكوين الدول الحديثة وتركز علي مفاهيم قبلية وطائفية وايديولوجية هي امتداد للفكر العالمثالثي الذي يريد دائما أن يخوض التجربة من مراحلها الأولي دون اهتمام بما وصل إليه العالم من تقدم من خلال نظم ناجحة ومستنيرة. ويمكننا أن ندلل علي ذلك بقياس ما طرحه غازي صلاح الدين بما وصل إليه المجتمع البريطاني من تقدم. ولا شك أن توجها كهذا سيجعل من طروحات مثل المشروع الحضاري السوداني عبثا لا يصمد أمام حقائق العالم المعاصر الذي بني نفسه علي إقامة نظام للدولة لا يحفل فقط بالكيفية التي تسيطر بها النخب علي المقدرات ـ من أجل أن تحقق مشروعاتها الفكرية التي لا يقوم دليل علي صحتها وليس لها أي نموذج عملي يسندها ـ وعلي الرغم من ذلك فإن ما طرحه الدكتور غازي صلاح الدين يحتاج إلي توضيح خاصة عند أولئك الذين تبهرهم الاستشهادات ولا يقفون كثيرا عند كنه الأفكار وما إذا كانت تحمل في داخلها قيمة فكرية. ويبدو ذلك ضروريا عندما يجد الناقد نفسه بحاجة إلي تفكيك كتابة تطرح رؤي دون أن تكشف ما تخفيه من أفكار خاصة عندما يطالب الناس بتقويم تجربة سياسية وايضاح ما إذا كانت لازمة أو ضرورية وما إذا كانت قادرة في نهاية الأمر علي تحقيق جزء ولو يسير مما طرحته. ولكي أكون أكثر وضوحا فقد كنت أتوقع من الدكتور غازي صلاح الدين أن يجيب من خلال مقالاته عما إذا كان ما يحتاجه السودان في واقعه الحالي مشروعا حضاريا وما إذا كان هناك أمل في أن يحقق المشروع المطروح نجاحا أو يبرر أن تسيطر نخبة علي السلطة وتجعلها وسيلة للكسب والسيطرة علي الثروة وتشريد مئات الآلاف من الناس من وظائفهم وتفرض علي الآخرين ضرائب باهظة ونظاما أمنيا يدخل الرعب في نفوس الكثيرين؟وحتي لا أنساق وراء رؤي نظرية أود أن أتوقف عند أهم الأفكار التي وردت في المقالات حتي يتبين من خلالها من شاء الرؤي التي أراد غازي صلاح الدين أن يوصلها إلي المهتمين بالشأن السوداني. وتستوقفني في البداية مقارنته بين الديناصور والفأر، فقد انقرض الديناصور علي الرغم من ضخامته وبقي الفأر علي الرغم من ضآلته لأنه عرف كيف يتكيف مع واقع متغير، وذلك ما يؤسس لرؤيته السياسية التي لا تقيم وزنا للأغلبية الشعبية وتركز فقط علي النخب التي تمتلك الرؤية الفكرية بصرف النظر عن قيمة هذه الرؤية وتمتلك في الوقت نفسه البنية التنظيمية التي تجعلها قادرة علي الاستمرار، ويري بكل تأكيد أن ذلك هو واقع النظام السوداني مقارنا بالمشهد المعارض الذي اثبت إخفاقه من وجهة نظره في انقلاب الجبهة الوطنـــية ضد نظام مايو في منتصف السبعينيات لأن هذا المشــهد المعارض لم يقدم قادته إلي الشعب كما لم يحفل بإظهار الرسالة الفكرية التي ينطلقون منها.ويبدو في ضوء ما ذكره أنه من الناحية النظرية لا يعارض مشاركة الشعب في اتخاذ القرار السياسي ولكنه سرعان ما يتجاهل ذلك ليعبر عن وجهة نظر أخري تبيح للعسكريين أن يقوموا بانقلاب من أجل تحقيق ما تريده النخبة ذات الفكر والتنظيم بصرف النظر عن نجاعة ما تطرحه من أفكار أو مدي قبول الناس لها. ونراه يقف بعد ذلك مدافعا عن قدرة العسكريين علي قيادة حكومات ناجحة علي الرغم من تشكيك المدنيين في ذلك وهو في كل ذلك لا يرمي إلي شيء سوي إضفاء الشرعية علي النظام العسكري الذي أسسته الإنقاذ في السودان عام 1989.ولا يقف الدكتور غازي صلاح الدين عند هذا الحد بل نجده يقفل الطريق أمام أي حزب جديد أوتنظيم ينافس التنظيم الإنقلابي الصفوي المسيطر استنادا علي قول ميكافيلي ما من شيء أعسر منالا ولا أخطر مأخذا ولا أريب ناتجا من أن يتولي المرء تغيير الأوضاع القائمة .وهذا بالتأكيد خطاب موجه في الدرجة الأولي إلي الحركة الانشقاقية التي قادها حسن الترابي وأسست حزب المؤتمرالشعبي ثم إلي الحركة الحزبية المعارضة في السودان علي وجه العموم. فمن ناحية هو يري أن الانشقاق الذي يعتمد علي الولاء الديماغوجي للزعماء يحول العمل السياسي إلي طائفية حزبية تعلو فيها الأسماء التاريخية علي المباديء المنشئة للجماعة، ومن ناحية أخري يري أن تذويب الصفوة أو النخبة الحاكمة من خلال توافق حزبي عريض عملا غير مشروع لأن معظم القيادات لا تقر بالعمل الجماعي مع مجموعات تعارضها في الفكرة، ويجعل ذلك ذريعة لاستمرار الوضع علي أن تنضوي جميع الأحزاب المعارضة في إطار التنظيم الحاكم ولا مانع من أن تمارس بعد ذلك ما يسميه الفدرالية السياسية التي تعني أن يستمر التنظيم النخبوي في ممارسة سلطاته وأن تسلم له جميع الأحزاب مقابل أن يمنحها حق العمل في إطار الفدرالية السياسية. وذلك أسلوب يتوافق تماما مع أساليب النظم الشمولية التي تغطي وجهها بمسحة ديموقراطية لا وجود لها في الواقع العملي ويعتمد منطقه في ذلك علي فكرة لا أساس لها من الصحة تقول إن النظم الحزبية في مختلف أنحاء العالم ـ ويشمل ذلك بريطانيا أيضا ـ تعاني من أزمة بسبب غياب ما يطرحه النظام السوداني في بنيتها الأساسية. ونستنتج من كل ما ذهب إليه غازي صلاح الدين انه يريد أن يضع تبريرا منطقيا لسيطرة النخبة المتآلفة علي مقاليد الحكم في السودان ولا يري ضررا في أن هذه النخبة جاءت عن طريق الانقلاب وليس عن طريق الإرادة الشعبية الحرة لأن الانقلاب في نظره مشروع لتحقيق الأهداف ولكنه بالطبع غير مبرر عند الآخرين، وهو لا يتوقف كثيرا عند إخفاقات النخبة الحاكمة بل يتجاوز ذلك ليقفل الباب أمام كل من يريد إزالتها بدعوي أن ذلك غير مشروع في عالم يشــهد تراجعا في أداء النظم الحزبية من وجهة نظره. وإذا نظرنا إلي كل ما ذهب إليه غازي صلاح الدين وجدنا أنه لم يخرج عن إطار الفكر الديماغوجي الإنقلابي الذي يعتقد أن العالم بحاجة إلي تجارب جديدة في الحكم مع تجاوز كامل لكل ما وصل إليه العالم المتقدم في هذا المجال وتجاوز لحقيقة أن حكومات النخب تؤسس لنظم دكتاتورية تحيل حياة الشعب إلي فقر وكساد بينما يزدهر في إطارها اللصوص وأصحاب الطموحات غير الأخلاقية. ذلك في وقت لا نري فيه النظم الناجحة في الحكم مثل النظام البريطاني تعتمد علي أسس أيديولوجية أو علي حكم النخب المتسلطة بل هي توازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال نظام اقتصادي ينظم حياة المواطنين ويحقق لهم النفع والضمان الاجتماعي. دون الدخول في زحامات المفكرين وآرائهم الفجة المفتقرة أصلا إلي آليات التنفيذ والتي لا تصلح إلا للتداول النظري. ولا شك أن ما أقدم عليه الدكتور غازي صلاح الدين هو محاولة لم يحالفها التوفيق من أجل تبرير غير المبرر في بلد أوصلته الآراء الخطأ والرؤي الفقيرة إلي أسوأ حالات التشرذم والتفكك الاجتماعي الذي ينذر بتفكيك نظام الدولة بأسره، وبدلا من أن يسعي غازي صلاح الدين وغيره إلي تبرير استمرارية غير مبررة فإن عليه أن يفكر في الفشل الذي حدث وكيفية معالجته بطريقة غير التي كانت سائدة من قبل من أجل تجنيب البلاد ما هو أخطر مما حدث، ذلك أن السودان مقبل علي مستقبل عصيب لا يحتاج فيه إلي الفكر الديماغوجي الذي ينحبس فيه الحكام عند مصالحهم الخاصة دون أن يمتلكوا الشجاعة التي تجعلهم يقرون بالفشل، ليس من أجل تسليم السلطة لغيرهم من الفاشلين بل من أجل أن يبدأ الجميع التفكير بأسلوب حديث من أجل بناء نظام الدولة وتجاوز التركيز علي المحافظة علي مسيرة الحكومة. لان معرفة الفرق بين الدولة والحكومة هو الذي يحدث التغيير الحقيقي في حياة الشعوب. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية