دروس في السياسة من زمن بورقيبة الحبيب .. ونوني تشن مبادرة سلام.. من بلاد العم سام

حجم الخط
0

دروس في السياسة من زمن بورقيبة الحبيب .. ونوني تشن مبادرة سلام.. من بلاد العم سام

د. عماد عبد الرازقدروس في السياسة من زمن بورقيبة الحبيب .. ونوني تشن مبادرة سلام.. من بلاد العم سامتابعت بشغف علي قناة العربية الحلقة الثالثة من البرنامج الوثائقي زمن بورقيبة ، وهو إنتاج تونسي وتلك بضاعة نادرة في الفضائيات العربية، أعني البرامج الوثائقية المنتجة عربيا، فمعظم بضاعتنا الوثائقية الجديرة بالمشاهدة تقع في باب الإنتاج الأجنبي المترجم وأحيانا المدبلج. وقد ألقت هذه الحلقة أضواء كاشفة علي فترة مضطرمة وحافلة بالأحداث من علاقة تونس بورقيبة بالعالم العربي. وبانتظار اكتمال حلقات البرنامج الست، أسجل هنا هذه الملاحظات الأولية عن حفنة قليلة من الدروس المستفادة لزعيم عربي مهما اختلفت الآراء حوله، فمن المؤكد أنه كان علي الأقل سياسيا محنكا وذا رؤية مستقلة، ولم يتردد لحظة في السباحة ضد التيار، في وقت كانت غريزة حب القطيع هي الآمر الناهي في ملكوت السياسة العربية، وربما لا تزال. الدرس الأول: حين شنت إسرائيل هجوما علي مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط في إحدي ضواحي العاصمة التونسية عام 1985( 15 كيلومترا من تونس) استشاط بورقيبة غضبا حين عبر الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان عن تأييده موقف إسرائيل بزعم أن لديها الحق في مطاردة الإرهابيين… فما كان من بورقيبة إلا أن أبلغ رسالة إلي إدارة ريغان عبر الحبيب بورقيبة الابن الذي كان علي علاقات وثيقة بشخصيات أمريكية، فاتصل بالمغني الشهير فرانك سيناترا ليبلغه أن بورقيبة سيقطع العلاقات مع واشنطن إذا ما استعملت حق الفيتو ضد قرار إدانة إسرائيل. وبالفعل أذعن ريغان وامتنعت واشنطن عن التصويت. هذا يعني أن أي بلد كبر حجمه أو صغر، لابد وأن تكون لديه اوراق مهمة بوسعه أن يستخدمها في مضمار السياسة الدولية. ونستنتج من هذا أن السياسيين والقادة العرب يمكنهم أن يستخدموا العديد من الأوراق التي في حوزتهم ( وبعضهم لديه العديد من هذه الأوراق)، في كل مواجهة أو لقاء مع نظرائهم في الغرب، لكنهم لا يستخدمون ولو النزر اليسير منها. لماذا؟ إما لأنهم لا يجرؤون، أو أنهم ليسوا معنيين في المقام الأول، ولا هم حتي مهمومون بقضايا أمتهم بالأساس، وهذا هو الأرجح. فإذا ما توفرت لأحدهم النيات الصادقة فقد تنقصه الحنكة السياسية أو حتي الخبرة لأن أحدهم لم يصل إلي موقعه في السلطة عبر منافسة شريفة أو انتخابات حرة ونزيهة، بل اغتصبها إما بانقلاب عسكري أو انقلاب قصر، أو هبطت عليه عطية من السماوات السبع أبا عن جد. الدرس الثاني: وضع بورقيبة يده علي الجرح الفلسطيني الغائر حين وجه نصيحة غالية إلي الفلسطينيين ضاربا المثل بشعوب المغرب العربي في تونس والجزائر والمغرب التي خاضت جميعها حروب الاستقلال والتحرير وحدها ضد الاستعمار ولم تنتظر إشارة البدء ولا قرارات أصحاب الفخامة والسمو والجلالة من تنابلة السلطان في المملكة المعروفة أيضا باسم الجامعة العربية . ففلسطين لم ولن تتحرر بقرارات القمة العربية . الدرس الثالث: هو ذلك الذي لم يدركه العرب إلا متأخرين ومفاده ما لا يدرك كله لا يترك كله . وجه بورقيبة هذه النصيحة الغالية للفلسطينيين أثناء زيارته لأريحا عام 1965. وطالب الفلسطينيين والعرب بتغيير تفكيرهم في طريقة إدارة الصراع العربي الإسرائيلي علي أساس هذا المبدأ بالذات: اللي ما نخدوش كله.. ما نسيبهوش كله ، علي حد قوله. وثارت الدنيا عليه وشنت وسائل الإعلام ـ المصرية بالذات ـ هجوما كاسحا عليه وشارك عبد الناصر نفسه في الهجوم، وذكر البرنامج ان حملات التشهير المتبادلة بين الزعيمين وصلت الي درك منحدر جدا! لكن ما نخرج به من كل هذا أن الزمن اثبت نجاعة تفكير بورقيبة، وقد صرنا اليوم أبعد ما نكون بآلاف السنوات الضوئية عن ما كان عبد الناصر يحلم به وأعلنه في إحدي الخطابات التي هاجم فيها الحبيب بورقيبة قائلا ان الشعب العربي سيكون بمقدوره يوما ما تجييش اثنين مليون عربي لتحرير فلسطين! أما بورقيبة فكان أول من دعا لنبذ الحرب النظامية وشن الكفاح المسلح عبر اسلوب حرب العصابات. فما أشبه الليلة بالبارحة، وهذا هو ما حدث بالفعل في آخر حروب العرب مع إسرائيل في الصيف الماضي. الدرس الرابع: أن بورقيبة لم يؤيد ولم يعارض زيارة السادات للقدس وبدئه مشوار المفاوضات مع إسرائيل، وهو ما اثار دهشة السادات ( وربما أسفه أو غضبه)، علي أساس انه اتبع النهج الذي كان بورقيبة اول من نادي به. كان مأخذ بورقيبة الوحيد علي السادات هو أن كامب ديفيد ضمت اتفاقيتين، واحدة للسلام مع مصر والثانية تخص الحكم الذاتي للفلسطينيين، وقال بورقيبة أنه ما كان للسادات أن يتحدث باسم الفلسطينيين. نقطة نظااااااااااااااااااااام علي هذا الهراء ماذا عساه يكون موقف المرء من أولئك الأشخاص الذين حباهم الله بنعمة العقل ولم يبتلهم بأي من الرزايا التي يعاني منها الملايين، ومع ذلك يصرون علي تبديدها بمحض إرادتهم؟ هذا ما جعلني أنتفض في مقعدي وأنا أتابع برنامجاً علي العربية اسمه نقطة نظام ، استضاف سيدة أمريكية من اصل مصري عرفت عن نفسها باسم نوني درويش . وقبل أن أخوض في عبقرية الست نوني ونشاطها السياسي الفذ. مقدم البرنامج والمذيع المخضرم إذاعيا متشبع بروح مباحثية استخباراتية تتجلي في طريقة طرحه للأسئلة، وكأنه بالفعل غفير الدرك يستجوب لصوصا قبض عليهم متلبسين بالغنيمة فارين تحت جنح الليل، وهذه هي كل فكرته عن عصر الضيوف أو شيهم ومحاصرتهم بالأسئلة الصعبة أو المحرجة، بصرف النظر عن مضمونها. فقد يكون السؤال تافها وإجابته أتفه لكن المهم ان تطرحه بهذه اللهجة العدوانية والنبرة الاتهامية مشفوعة بتقطيبة الجبين وانحناءة العنق يمينا ثم يسارا مع مداعبة عصبية للقلم المضطرب بين أصابع اليدين، حتي ترتعد فرائص الضيف المسكين. وسوف نعرض لأمثلة من أسئلته المرعبة .قدم البرنامج نوني بوصفها ناشطة مصرية تعيش في الولايات المتحدة أقامت بالتعاون مع نشطاء آخرين جمعية اسمها عرب من أجل إسرائيل . اسمها الحقيقي ناهد مصطفي حافظ والدها كان قائدا للفدائيين في غزة استشهد في أوائل الخمسينات. أتحفتنا هذه النوني بالكثير من العجب العجاب الذي يندي له الجبين. والمشكلة ليست في آرائها ذات الطابع الخزعبلائي، بل في عجزها شبه المرضي عن توضيح هذه الأفكار، أو عرضها، أو شرحها أو التدليل عليها، فما بالكم بالدفاع عنها. إنها تطلق الكلام علي عواهنه بالمعني الحرفي للكلمة. أكدت مثلا ردا علي سؤال أنها ذهبت إلي إسرائيل وقالت لهم: جئت إليكم لأعلن أنني أنا جئت أسامحكم علي دم والدي وأطلب منكم المغفرة والسماح علي الإرهاب والقتل من ناحيتنا . .وشرحت نوني وجهة نظرها قائلة صح مزبوط، التسامح أهم حاجة عشان يحصل صلح، إحنا عاوزين نعمل صلح مع إسرائيل، وأنا بدعو المسلمين.. البلاد الإسلامية بلاد جميلة أنا بحب العرب وبحب الفلسطينيين وبحب المصريين.. ولادي البنات والعيال المصريين الجُمال عنيهم (!؟) والفقر في مصر بيصعبوا عليّ، لكن عشان نخلص من المشكلة ديه لازم نبتدئ نبص لليهود بنظرة فيها غفران لازم نشوف تسامح وعدل، مش بس مع الفلسطينيين بس مع أعدائنا كمان .وهنا فاجأها المذيع بسؤال طرحها أرضا: يعني أنت تطالبين أو ذهبت تطلبين المغفرة علي .. تقولين هم فعلوا نفس الشيء نفسه تجاه الجانب العربي والإسلامي، هل طلبت منهم هم أيضا أن يعتذروا أيضا كما العرب أليس كذلك كما تقولين؟ فبماذا أجابت نوني علي هذا السؤال العويص؟ قالت نوني: أنا أول واحدة حأقف علي السفارة الإسرائيلية لو لقيت منهم انتهاك ضد العرب لا يمكن الواحد لازم يبقي عادل، لازم يبقي عدل يعني عشان نوري.. ندي أمان لليهود، دول خمسة مليون ونحن 1.2 مليار مسلم، خايفين من إيه؟ من خمسة مليون يهودي.. .. نرحب بيهم يعيشوا في وسطينا ايه اللي خايفين منه. خايفين من إيه؟ فليهنأ العرب إذا وليناموا قريري الاعين.. خايفين من إيه؟ أنتم في حماية الست نوني النوني كوانوني . وهنا ناولها المذيع سؤالا فذا أخر: من كلامك تقولين سأقف أمام السفارة الإسرائيلية يعني محتجة إذا وجدت أي انتهاك.. هل تقولين بأنه لا يحدث أي انتهاك.. هل يعني تقولين لم يحدث أي انتهاك إسرائيلي للجانب العربي بتاتاً؟ ( للحق، هي لم تقل بتاتا). فردت نوني بإجابة مفحمة لازم نبطل الاتهامات جوا إسرائيل، ولازم ما نشجع حماس بأنها تقول عايزة تبيد إسرائيل، لازم أحمدي نجاد ما هواش عربي إيه هو ماله ومال إسرائيل، هو بيعمل كده عشان يوحد شعبه؟ يا لروعة التحليل الاستراتيجي. لكن المذيع سارع وكال لها سؤالا محرجا حقا: طيب بالمقابل هل توافقين علي أن إسرائيل تحتل أراضي عربية؟ نوني درويش: إحنا لو بطلنا الاتهامات لمدة سنة علي الأقل ضد إسرائيل وإسرائيل استمرت في أنها تعمل بومبنغ (Bombing) في البلاد العربية أنا أول وحدة حأقف أقول لإسرائيل لأ ده غلط. لكن لازم نبطل الاتهامات جوا إسرائيل . خلاصة القول إن الست نوني تريد من العرب تشجيع الإسرائيليين علي السلام. كيف؟ تقول نوني لازم إحنا نبدأ نبقي فعلاً عايزين سلام مع إسرائيل، للأسف أنا عارفة ده جوا البلاد العربية معظمنا عايزين ننهي إسرائيل، عاوزين نموّت كل الإسرائيليين، وده غلط . لكن المذيع كان متيقظا لها ولم يجعل هذه المعلومة تمر دون محاسبة وسألها من قال هذا؟ ألا تعممين بهذا الكلام؟ ألا تعممين معلومة؟ نوني بدورها كانت جاهزة بالرد ده اللي تربينا عليه في البلاد العربية… جمال عبد الناصر قال كده، أحمدي نجاد عايز كده، حماس الشرط بتاعهم عايزين ينهوا إسرائيل، فلما إسرائيل تشوف أن كل 22.. يعني إحنا 22 بلد عربي، كل الشعوب بتقول عايزين نموّت إسرائيل فهم بيخافوا، لازم إحنا نديهم أمان شوية أمان علشان يقدروا، هم مشيوا من غزة إيه اللي حصل في غزة، قعدوا يقذفوا عليهم قنابل .. شكرا لنقطة نظام الذي ما كان يمكن ان يختار توقيتا أفضل من هذا للبرنامج، تزامنا مع القمة العربية وقد وصلت الرسالة عبر الست نوني المفوهة وفهمنا أن بيت القصيد هو: شوية أمان لا أكثر ولا أقل لتشجيع الإسرائيليين، وشوية تسامح، وشوية غفران وقليل من الحب لا يضر، ولاشك أنهم سيأتون مهرولين إلينا علي جناحي حمامة السلام، وليس مستبعدا ان يتخلوا عن إسرائيل للفلسطينيين ويهاجروا جميعا إلي الولايات المتحدة أو ينتحروا بإلقاء بأنفسهم في البحر الأحمر أو الميت أو حتي المتوسط، أيها أقرب. . . فإسرائيل في حاجة لمن يشجعها علي السلام ولذا لم يتأخر القادة العرب وأعادوا طرح مبادرتهم السلامية التي فات إسرائيل أن ترحب بها لخمس سنوات فاستقبلتها بمزيد من الاجتياحات والاغتيالات وحرب صغيرة علي نفس البلد الذي انطلقت منه هذه المبادرة عام الفين واثنين. وتلك هي واحدة من معالم عبقرية أمة يعرب من بني قحطان، كلما شنت إسرائيل حربا مدمرة علي بلد من البلدان العربية، رد العرب بصولة رجل واحد بشن مبادرة سلام تفحم إسرائيل وتقعدها ملومة محسورة. ولكن يحسب للست نوني علي الأقل أنها اعترفت أن إسرائيل ليست دولة مثالية: لأ طبعاً إسرائيل مش دولة مثالية وبيعملوا غلطات، يعني لما ساعات بيحصل عليهم اتهامات بيردوا بقنبلة، والقنبلة بتنفجر في حتة غلط ساعات فطبعاً ده مش كويس، طبعاً إسرائيل مش بلد كاملة .. ياحرام.. حاجة تقطع القلب؟!نتمني للست نوني أن تفشل هي وأمثالها من الناشطات فشلا ذريعا في جهودهن غير النبيلة، لعل ذلك يقنعها ويقنعهن بالعودة الي الصواب، وهو في حالتهن الاقتصار علي حشو الباذنجان والكوسة وتقميع البامية وتخريط الملوخية في بلاد العم سام. ناقد من مصر يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية