مكافحة الطغيان الامريكي مسؤولية البشرية جمعاء
كمال مجيدمكافحة الطغيان الامريكي مسؤولية البشرية جمعاء بعد مرور ثلاثة أشهر علي تطبيق الخطة الامريكية الجديدة في بغداد قيّم جوناثان تشارلز، مراسل الـ بي بي سي في بغداد علي التلفزيون البريطاني في 14/4/2007 الوضع بالقول ان الاصابات البشرية في بغداد قد انخفضت بمقدار 50% بينما تؤكد الاحصائيات ذاتها بزيادتها في عموم العراق بنفس النسبة . ولما كان العراق، بمختلف محافظاته ومدنه، اكبر بكثير من العاصمة المهدمة يمكن الاستنتاج بسهولة ان الخطة الامريكية الاخيرة قد فشلت فشلاً ذريعاً. وهذا ما اكده المراسل بالقول: وحتي لو تمكنت امريكا السيطرة علي الوضع في بغداد فانها لا تملك القوة الضرورية للسيطرة علي العراق . ان هذا الفشل أجبر الخبير الجمهوري المحنك هنري كيسنجر أن يصرح في 1/4/2007 بالقول ان انتصار امريكا في العراق امر مستحيل . (راجع تليتيكس، الصفحة 309) أما كولن باول، وزير الخارجية السابق ورئيس اركان عموم القوات العسكرية الامريكية فيما مضي، فقد علق في مجلة تايم الامريكية في 5/4/2007 علي حالة الجيش الامريكي في العراق بالقول: ان الجيش الفعال أوشك أن يتهشم. The active army is about broken. كل هذا في حرب غير شرعية حسب ميثاق هيئة الامم المتحدة كما اعلن ذلك كوفي عنان، السكرتير العام للهيئة وذلك في 15/9/2004.هذه التصريحات للخبراء الذين يدركون دقائق الامور في العراق تؤكد علي امكانية طرد المحتلين الغزاة، عاجلاً أم آجلاً، خاصة لأن الازمة الأمريكية أخذت تتوسع لتشمل المنطقة كلها. لقد ادرك بريجنسكي، مدير الامن القومي الامريكي أيام الرئيس كارتر، مصيبة بلده في بداية الخطة الامريكية الجديدة فكتب في لوس انجليس تايمز في 11/2/2007 يقول: استراتيجياً ان الحرب في العراق عبارة عن مصيبة تاريخية وهي أيضاً مصيبة أخلاقية وقد تم البدء بها تحت ذرائع كاذبة، انها لوثت مصداقية امريكا الادبية . ويستطرد: ان مصالحنا العالمية تستلزم تبدلاً جوهرياً في اتجاهنا. اننا بحاجة لاستراتيجية جديدة تعمل علي انهاء احتلالنا للعراق وتنظيم خطة للحفاظ علي سلامة المنطقة كلها .لكن بوش وحاشيته المتقلصة، من امثال ديك تشيني وكوندوليزا رايس، يعتقدون ان الحفاظ علي المصالح الامريكية في المنطقة، بل في امريكا نفسها، يستوجب الاستمرار في العدوان، خاصة لأنهم يدركون انهم حتي ان اضطروا الي قبول الهزيمة في العراق والخروج منه، فان بوسعهم قصفه كما فعلوا لثلاث عشرة سنة بعد حرب الكويت. يعتقد بوش واعوانه ان العدوان جزء ضروري لسلامة امريكا السياسية بل الاقتصادية بالأخص. فالحكومة تصرف اكثر من 450 مليار دولار في السنة، كل سنة، علي شراء السلاح واستخدامه وهذا المبلغ يعادل الدخل الاجمالي لبلد مثل كندا (550 مليار حسب ارقام 1998)، أحد اعضاء الدول السبع الكبري (G7) وان اي تقلص في النفقات العسكرية سيؤدي، لا محالة، الي اصابة امريكا بأزمة اقتصادية خطيرة، لا يمكن الخروج منها الا باشعال حروب جديدة في الشرق الاوسط او في اماكن اخري من العالم. ولهذا يعمل قادة الولايات المتحدة للتغطية علي فشلهم في العراق عن طريق التهديد بالعدوان علي سورية او ايران. يقول الدكتورعبد الله فهمي النفيسي في رسالة الدكتوراه التي قدمها لجامعة كمبريدج (راجع: ايران والخليج، دياليكتيك الدمج والنبذ، دار قرطاس للنشر، 1999، ص 46): منذ 1941 تعيش الولايات المتحدة علي الاقتصاد الحربي واذا انهار هذا الاقتصاد سوف تغرق الولايات المتحدة في أزمات لا يمكن الالتفاف عليها الا في حالة اعادة تركيبة النظام الاجتماعي الامريكي. ويؤكد سمير امين وبول سويزي وهاري ماغدوف ان الولايات المتحدة لم تخرج من أزمة الثلاثينات الا بفضل الاستهلاك الحربي الخيالي خلال الحرب العالمية الثانية .هذه الحقائق تؤكد علي أن الولايات المتحدة مجبورة علي الاستمرار في شن الحروب علي بلدان العالم كما فعلت منذ تأسيس دولتها. فيقول مارتين هالثوم في جريدة غرانما الكوبية في 2/9/1990: خلال المئتي سنة من تاريخها ارتكبت الولايات المتحدة جريمة التدخل في البلدان الاخري 379 مرة، بينها 15 مرة بين 1945 و1975 ومنها 6 حالات منذ 1983 وبينها 4 حالات خلال الاشهر الاثني عشر الماضية . وقد اكد تقرير لمعهد بروكينغ الامريكي في نهاية 1990 علي ان امريكا تدخلت عسكرياً بين 1945 و1975 في الشرق الاوسط ومنطقة البحر المتوسط 55 مرة . لقد امتازت حكومة الولايات المتحدة بارتكاب الجرائم البشعة ضد البشرية في مختلف انحاء العالم ، منها باختصار:1 ـ في 6/8/1945 قصفت حكومة هاري ترومان مدينة هيـــروشيما اليابانية بقنبلة ذرية قتلت 78 الفاً، بينهم الاطـــفال والنساء. ثم كررت العملية بقنبلة اخري علي ناغـــازاكي في 9/8/1945 لقتل 25 الفاً آخرين. لقد اســتمر الاشعاع النووي في نشر السرطان بين الـشعب الياباني الي أن بلغ عدد الوفيات ما يزيد عن 220 الفاً (راجع Collins Dictionary of people and Places، Book Club Aociates، 1975). 2 ـ أثناء الحرب الكورية (1950 ـ 53) قتلت الجيوش الامريكية وطائراتها ما يزيد عن 1.5 مليون من المدنيين ويقول البروفسور كيم هان غيل في Modern History of Korea Pyongyang 1979 : في ســـنة 1952 وحدها تم قصف العاصمة بيونغيانغ بـ52380 قنبلة وفي سنوات الحرب الثلاث نالت المدينة 428700 قنبلة من نوع النابالم وغيرها، أي بمعدل قنبلة لكل شخص و8 آلاف قنبلة للكيلومتر المربع الواحد…. .3 ـ في 1952 دبرت وكالة المخابرات المركزية انقلاباً عسكرياً في ايران لاسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق لاعادة الشاه رضا بهلوي الي الحكم. لقد تم قتل المئات، بينهم فاطمي، وزير الخارجية.4 ـ رفضــت الولايات المتحدة التمسك باتفاقية جنيف لسنة 1954 لاجراء الانتخابات في عموم فيتنام وبعثت بجيوشـــها الي المنطقة لقتل ما يزيد عن 5 ملايـــين من النـــاس في فـــيتنام ولاوس وكمبوديا، مستخدمة الغاز Agent Orange (راجـــع: Stanley Karnow، Vietnam، A History، Pimlico، 1994 )5 ـ قامت وكالة المخابرات المركزية بانقلاب عسكري في بغداد في 8/2/1963 للقضاء علي حكومة عبد الكريم قاسم وقتله امام عدسة التلفزيون ثم قتل 5 آلاف شيوعي وسجن عشرات الآلاف من المعادين لامريكا. (راجع الوثائق السرية التي اعلنتها الحكومة البريطانية بعد 30 سنة ولخصتها الغارديان اللندنية في 1 /1/1994، ص 5).6 ـ دبرت وكالة المخابرات المركزية انقلاباً عسكرياً في اندونيسيا في 12/2/1962 مما ادي الي سيطرة سوهارتو علي الحكم وقتل اكثر من نصف مليون شخص وسجن ما لا يقل عن مليون آخرين.7 ـ في 31/3/1963 دعمت وكالة المخابرات المركزية انقلاباً عسكرياً في البرازيل وبعث السفير الامريكي برقية الي واشنطن اعلن فيها: ان قادة الجيش قد نفذوا انقلاباً ديمقراطياً… وان الثورة كانت انتصاراً عظيماً للعالم الحر… وتخلق مناخاً أفضل للاستثمارات الخاصة! ، فالديمقراطية الامريكية، التي اصبحت معروفة منذ ذلك الانقلاب، كانت وما تزال تخدم الاستثمارات الخاصة للشركات العابرة للاوطان.8 ـ تدخلت وكالة المخابرات المركزية وشركتا ITT وببـــسي كولا قي تشيـــلي لاحــداث انقلاب عسكري في 11/9/ 1973 لاغـــتيال الرئيــس المنتخب اليندي واغــتيال او اختفاء 130 الـف مواطن، (راجع Clairmont، Rise and Fall of Economic liberalism).9 ـ نتيجة المنافسة الحادة بين الدولتين العظميين ساندت المخابرات المركزية الحروب المستمرة في افغانستان والتي أودت بحياة اكثر من مليون ولجوء اكثر من 5 ملايين الي انحاء العالم. وبعد سقوط المعسكر الشرقي استمرت المعارك هناك وبقسوة حتي كتابة هذه الاسطر.10 ـ في 20/12/1989 استخدمت الولايات المتحدة جيشاً تعداده 26 الفاً لاحتلال باناما وقتل 10 آلاف مواطن عن طريق قصفهم بصورة مكثفة قبل الانزال، وذلك لتوقيف رئيس الدولة الجنرال نورييغا، ونقله الي امريكا لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات. لكن التهريب استمر بصورة مكثفة بعد الاحتلال. 11 ـ خلال حرب الكويت سنة 1991 قامت القوات العسكرية الامريكية بمجموعة هائلة من الجرائم ضد العراقيين، منها:أ ـ فرض الحصار الاقتصادي براً وبحراً وجواً وتجميد الاموال العراقية في الخارج. لقد تم خلال الحصار موت نصف مليون طفل واعترفت بذلك مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية.ب ـ قصف محطات الكهرباء في البصرة والناصرية وبغداد ودبس.ج ـ قصف الموانئ والمطارات والجسور ووسائل المواصلات.د ـ قصف المعامل، بما في ذلك معمل انتاج حليب الاطفال.هـ ـ قصف مصافي النفط.و ـ في 19/2/1991 اعلن سعدون حمادي، رئيس الوزراء، عن بلوغ عدد القتلي بين المدنيين 20 الفاً بينما بلغت قيمة الخسائر المادية 200 مليار دولار.ز ـ ان فظاعة الجرائم الامريكية ظهرت مساء 12/2/1991 حين تم قصف ملجأ العامرية وقتل 520 من النساء والاطفال.ح ـ أثناء انسحاب الجنود العراقيين المكلفين من الكويت اعلن الجنرال الامريكي شوارزكوف عن ابادة 41 فرقة عسكرية عراقية بمجموع حوالي 300 الف قتيل وجريح. لقد حدث كل هذا تمهيداً للاحتلال في 2003.12 ـ بعد حرب الكويت مباشرة قرر جورج بوش الاب ارسال قواته الي الصومال لقتل 5000 صومالي ثم ترك البلاد دون انهاء الحرب الاهلية فيها. تبع ذلك العدوان علي كوسوفو وهايتي.13 ـ استخدمت الحكومة الامريكية عصابات الكونترا، بقيادة نيغروبونتي، السفير في بغداد بعد الاحتلال، للقضاء علي الثورة في نيكاراغوا واسقاط حكومة اورتيغا.هذه الحقائق ومئات غيرها في غرانادا وغواتيمالا وكونغو وانغولا وسيراليون وكذلك اثناء الحروب العربية ـ الاسرائيلية ومساندة امريكا لاسرائيل للعدوان المتكرر علي مصر والاردن وسورية ولبنان، كلها تؤكد علي ان المستعمرين الامريكان مختصون بقتل الابرياء بغية فرض جبروتهم علي العالم للسيطرة علي منتجات الشعوب من مواد الخام كالنحاس واليورانيوم والنفط بل الذهب والماس ومختلف الاخشاب والاغذية وبغية استغلال الايدي العاملة الرخيصة ولاستخدام مختلف البلدان كسوق لتصريف المنتجات وجني الارباح البليونية. ولهذا اسست الحكومة الامريكية قواعدها العسكرية في اكثر من مئة بلد من اوكيناوا في اليابان عبر الفلبين وتايلاند وباكستان وافغانستان وتركيا والاردن وكافة بلدان اسيا الوسطي واوروبا الشرقية وايطاليا والمانيا ومصر وبلدان الخليج وحتي هونولولو وهاواي. انها حقاً عدوة البشرية جمعاء والتخلص منها مسؤولية ملحة تقع علي عاتق كل الشعوب المنكوبة. والملاحظ، بعد سقوط الكتلة السوفياتية، ان المؤسسة العسكرية الامريكية قررت التركيز علي قهر الشعوب الفقيرة في العالم الثالث. فحين قررت الحكومة الامريكية تطوير صواريخها لاستخدامها في ما يسمي بـ حرب النجوم والتي طورها جورج بوش الابن الي ما سماه بمشروع ابن حرب النجوم صرح في 1/5/2001 بـ أن المشروع موجه ضد الحكومات الارهابية مثل ايران وليبيا والعراق وكوريا الشمالية… وان هذه الدول تملك القابلية علي الهجوم الصاروخي علي الولايات المتحدة (!)… وان الحكومة في كوريا الشمالية تملك الآن صواريخ تستطيع الوصول الي نيويورك . (راجع انترناشونال هيرالد تربيون في 2/5/2001، الصفحة 10). وفي نفس اليوم شددت جريدة الغارديان اللندنية في افتتاحيتها، الصفحة 17، علي معارضتها لهذا المشروع العدواني بالقول: ان نشر هذا النظام الصاروخي الي جانب الصواريخ المتفوقة والهجومية الموجودة بحوزة الولايات المتحدة تجعلها في مرحلة متقدمة لتثبيت مركزها المهيمن والمهدد، وتوطيد تفوقها العسكري علي العالم…. ومثلما علقنا سابقاً ان السيد بوش قد اصبح شخصاً مزعجاً . وفي نفس اليوم ايضاً احتجت الحكومة الصينية بصورة رسمية ضد هذا المشروع العدواني كما عبرت حتي المانيا وروسيا والسويد ونيوزيلندا عن استيائها في نفس اليوم.أي أن بلدان العالم، الكبيرة منها والصغيرة، اخذت تشعر بل تستنكر التحضيرات الامريكية العدوانية، انها أدركت امكانية شمولها للهجمات الامريكية التي قد تأتيها في يوم ما وذلك بعد السيطرة علي الشعوب الضعيفة في العالم الثالث.ان تطور المعارك في العراق قد أثبت امكانية انهزام العدو المحتل خاصة لأن الضحايا الامريكيين في تزايد مستمر، وبلغت لحد كتابة هذه الاسطر 2300 قتيل وأكثر من 24600 جريح. لكن تحرير العراق لا يعني انهاء النفوذ الامريكي ولا القضاء علي غطرسة امريكا او جرائمها في مختلف اصقاع العالم. ان انقاذ البشرية من هذا الشر بحاجة الي توحيد كافة الشعوب التي نالت، كما ورد اعلاه، الامرين من الجبروت الاستعماري، دون استثناء الشعب الامريكي، حيث يعيش 20 مليونا علي الوجبات المجانية التي تقدمها المؤسسات الخيرية وذلك حسب تقرير وزارة الزراعة في تموز (يوليو) 2000. فالبشرية بحاجة ماسة الي النضال المشترك الذي قد يستغرق نصف قرن بغية القضاء علي الرأسمالية المبنية علي الاقتصاد الحربي. ولا شك أن المراحل الاخيرة من هذا النضال ستجري في عمق الولايات المتحدة نفسها.ہ كاتب من العراق يقيم في لندن8