سنة حاسمة في مصير مشروع الاحتلال في العراق
د. بشير موسي نافعسنة حاسمة في مصير مشروع الاحتلال في العراقبدأ العراق سنته الخامسة تحت الاحتلال في ظل أجواء عاصفة، داخلياً وإقليمياً. بالرغم من مرور أكثر من شهرين علي خطة أمن بغداد، والزيادة الكبيرة في تعداد القوات الأمريكية في العراق، فإن الانفجارات ما زالت تدوي في العاصمة العراقية، وفي مختلف أنحاء البلاد. خسائر قوات الاحتلال البشرية والمادية في تصاعد، والإنفاق الأمريكي في العراق يتجاوز كل التوقعات السابقة له. الاختراقات الأمنية وصلت إلي قلب المنطقة الخضراء، وإلي محاولات اغتيال مدوية لنائب رئيس ونائب رئيس وزراء، جرت كلتاهما في موقعين يفترض سلامتهما الكاملة.أزمة ذات عواقب بالغة الخطورة تنفجر في العلاقة بين القادة الأكراد في شمال العراق والدولة التركية، في الوقت الذي يطالب الجيش التركي حكومته بإعطاء الضوء الأخضر لشن حملة عسكرية في شمال العراق للتعامل مع التهديد الذي تمثله قواعد حزب العمال الكردستاني في المنطقة للأمن القومي التركي. أما العلاقات الإيرانية بقوي الاحتلال، سواء بريطانيا أو الولايات المتحدة، فقد وصلت إلي أدني مستوياتها. الإهانة التي وجهها الإيرانيون لبريطانيا، بأسر 15 من جنود البحرية البريطانية في مياه الخليج، لن تنسي بسهولة، بينما تتعمق قناعة الإدارة الأمريكية بوجود تدخلات إيرانية أمنية واسعة النطاق في العراق. هذا، في حين يكاد الملف النووي الإيراني يصل إلي طريق مسدود.بعد أن توالت مشاهد الموت والدمار طوال أربعة أعوام، لم يعد المشهد العراقي يثير الكثير من المفاجأة. الخطة الأمنية، التي أطلقت بقدر كبير من الاحتفالية في واشنطن وبغداد، لم يكن ثمة مراقب يتوقع لها النجاح علي أية حال. والخسائر الأمريكية والعراقية، بزيادة هنا وتراجع هناك، ليس فيها من جديد عن الشهور أو السنوات القليلة الماضية. تدهور العلاقات التركية ـ الإيرانية كان مسألة وقت، ليس فقط لأن القادة العراقيين الأكراد معروفون بقصر نظرهم التاريخي والمزمن، بل أيضاً لأن حكماً في أنقرة لا يمكن له التساهل في المسألة الكردية، مهما كانت التعقيدات الدولية المحيطة. أما أزمة العلاقات الإيرانية مع أمريكا وبريطانيا فقد أصبحت ملمحاً دائماً لعلاقات إيران الخارجية مع الدول الغربية، بوجود القضية العراقية وغير وجودها. هذا كله صحيح. ولكن الصحيح أيضاً أن ثمة متغيرات كمية بطيئة تتراكم في العراق، توشك أن تتحول إلي متغيرات نوعية، بحيث بات من الممكن القول ان العام الخامس للاحتلال سيكون عاماً بالغ الأهمية علي صعيد تقرير مستقبل العراق. بالرغم من المعارضة الشعبية العالمية للحرب علي العراق في نهايات 2002 ومطلع 2003، وبالرغم من معارضة عدد من الدول النافذة للغزو وفشل الغزاة في الحصول علي غطاء شرعي دولي للحرب، فقد وقع الغزو في ظل ظروف إقليمية مواتية نسبياً. إيران عارضت الحرب علناً، ولكنها لم تبذل جهداً حقيقياً للتعبير عن هذه المعارضة؛ وربما رأت طهران في غزو العراق وإطاحة نظامه مصلحة لها علي المدي البعيد، طالما أن القوي العراقية الرئيسة الحليفة للغزاة قريبة من إيران إلي حد كبير. تركيا عارضت هي الأخري، إلي الحد الذي رفض البرلمان التركي المصادقة علي السماح للقوات الأمريكية بالمرور إلي شمال العراق عبر الأراضي التركية. ولكن معارضة أنقرة لم تترك أثراً ملموساً علي الخطط العسكرية الأمريكية. من ناحية أخري، تورطت كل الدول العربية المشرقية، ما عدا سورية، بهذه الدرجة أو تلك، في مشروع الغزو والاحتلال، سواء بفتح أراضيها للحشد الأمريكي ـ البريطاني، أو بتقديم الدعم اللوجستي للقوات والطائرات الغازية. وما أن نجح الغزاة في إيقاع الهزيمة بالعراق، بإطاحة نظامه واحتلاله، حتي تغير المناخ العالمي والإقليمي ليصبح أكثر دعماً للمحتلين. تراجعت المعارضة الفرنسية ـ الروسية ـ الألمانية إلي حد كبير، وتم بالفعل إصباغ صفة دولية علي الاحتلال بتمرير عدد من القرارات في مجلس الأمن. صمتت الدول العربية جميعها تقريباً علي سلسلة الإجراءات المدوية التي اتخذتها إدارة الاحتلال، من حل أجهزة الدولة والجيش إلي تشكيل مؤسسات حكم جديدة علي أساس طائفي وإثني. وبالرغم من المعارضة العربية الشعبية الهائلة للاحتلال، فسرعان ما اعترفت الجامعة العربية بالحكم العراقي الجديد، الذي ولد من رحم الاحتلال وعاش وما يزال تحت حمايته. طوال الأعوام الثلاثة الأولي من عمر الاحتلال، كان واضحاً أن الأمور لا تسير علي ما يرام. ولكن الدول العربية اختارت ترك العراق نهائياً للقرار الأمريكي، وامتنعت عن فتح سفاراتها في بغداد أو عن إجراء أي اتصال جاد يذكر بالقوي العراقية السياسية المعارضة أو قوي المقاومة الرئيسية. ولكن المناخ المحيط بالعراق أخذ في التغير خلال العام الرابع، ويتوقع له أن يقطع شوطاً أكبر من التغيير خلال العام الخامس. انسحبت الدول المشاركة في الاحتلال الواحدة منها تلو الأخري؛ ولن يتبقي منها إلي جانب الوجود العسكري الأمريكي خلال العام الخامس سوي جزء من القوات البريطانية الأصلية، وعدد قليل من القوات الأسترالية واليابانية. المعارضة الأمريكية للاحتلال في تصاعد مستمر، حتي أن الكونغرس الجديد، المسيطر عليه من الحزب الديمقراطي، وجد من المبرر السياسي ما يكفي لتعطيل ميزانية الإنفاق العسكري في العراق، ولو لبعض الوقت. أما في بريطانيا، الشريك الرئيسي في مشروع الغزو والاحتلال، فقد دمر العراق سجل رئيس الوزراء توني بلير، وسيكون علي خليفته، المتوقع له استلام مقاليد الحكم خلال شهور قليلة قادمة، أن يحرر نفسه من الظل ثقيل الوطأة الذي ألقاه العراق علي الحكومة العمالية. القوي العالمية الأخري التي تسعي إلي بناء نظام عالمي تعددي، وعلي رأسها الصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية، تنظر إلي التورط الأمريكي في العراق بعين الرضا، وتدفع إلي اعتراف أمريكي سريع بالهزيمة ومن ثم الانسحاب، بكل ما يترتب عليه هذا التطور من تبعات علي مستوي العلاقات الدولية.بيد أن المتغيرات الجارية إقليمياً لا تقل أهمية، إن لم تزد. كل دول الجوار العراقي، بما في ذلك القريبة من واشنطن أو الحليفة لها، تدرك الآن الأهمية البالغة للدور الذي تلعبه المقاومة العراقية. باتساع الهوة بين قوي المقاومة الرئيسية والقاعدة، لم يعد من الممكن وضع الجميع في خانة الإرهاب، وتراجعت إلي حد كبير خشية دول الجوار من الاتصال بالمقاومة، علي هذا النحو أو ذاك، لاسيما أن الأمريكيين أنفسهم يعملون في الاتجاه ذاته. ما عدا طهران، التي لم تزل تأمل نجاح القوي العراقية الشيعية في تأمين سيطرتها علي العراق، أو علي الجزء الأكبر منه علي الأقل، فإن دول الجوار تنظر إلي الدولة العراقية الجديدة نظرة استخفاف، بل وربما نظرة احتقار، وتجد من الصعوبة أخذ حكامها علي محمل الجد. بل ثمة ما هو أكثر من ذلك. فذهاب أكراد العراق بعيداً في استفزاز تركيا بتوفير ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني التركي، وفي محاولة فرض سيطرتهم علي كركوك بوسائل شرعية وغير شرعية، لا يمكن أن يمر بلا عواقب. الكيان الكردي المستقل أو شبه المستقل في شمال العراق، وتأثيراته المؤكدة علي قطاع من الأكراد الأتراك، هو في حد ذاته مصدر تهديد للأمن التركي؛ وبتصاعد نشاطات المجموعات الكردية الإيرانية، التي تتمتع بحماية أمريكية، في المنطقة نفسها، سرعان ما ستأخذ النظرة الإيرانية لحلفائها في شمال العراق في الانقلاب.علي الجانب الآخر من الجوار العراقي، الجانب العربي، ثمة مخاوف من نوع آخر. فالعراق الذي ساندت الأنظمة العربية الإدارة الأمريكية علي احتلاله وإعادة بنائه أصبح مصدر خطر وتهديد. العراق الجديد صعد من الاتجاهات الراديكالية العربية، أفسح مجالاً واسعاً للقاعدة، وضع استقرار ووحدة الدولة العربية القطرية علي مائدة الشك، وعزز من النفوذ الإيراني في المنطقة. فلماذا إذن يترتب علي الدول العربية أن تواصل دعم دولة ما بعد الاحتلال العراقية، والحفاظ علي سياسة عدم التدخل، والاستمرار في تأييد المشروع الأمريكي؟ داخل العراق، وبعد فشل حكومتي علاوي والجعفري، توشك حكومة المالكي الوصول إلي نهاية الطريق. كان المتوقع قبل شهور أن تقوم الإدارة الأمريكية بالتخلص من المالكي والإتيان بحكومة أكثر استجابة للقرار الأمريكي؛ ولكن ما حدث أنه في الوقت الذي يحاول المالكي إثبات تجاوبه مع الإرادة الأمريكية، أخذت حكومته في التعرض لانهيار تدريجي داخلي بفعل انهيار تماسك القوي المكونة لها، لتؤكد هذه القوي من جديد علي أنها تفتقد اللحمة الوطنية، الشعور الوطني بالمسؤولية، والقدرة والكفاءة الضروريتين لإدارة الشأن العراقي. المشكلة ليست فقط في الصراع المحتدم بين قوي الدولة العراقية الجديدة علي النفوذ والمال والسلطة، بل أيضاً في رفض الأمريكيين رؤية حقيقة المسخ الذي أرادوه وأشرفوا علي إقامته في العراق المحتل. هذا العراق ليس مؤهلاً للحياة بغض النظر عن الشخصية التي تقف علي رأس حكومته لأنه أقيم أصلاً علي أسس لا توفر مقومات البقاء والاستمرار. فإلي أين يمضي العراق من هنا؟ بالرغم من أن من الواضح أن ليس هناك جدوي من استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وأن هذا الوجود لن يجلب إلا المزيد من الخسائر للعراقيين وللمحتلين، فإن الإدارة الأمريكية ستقاوم وإلي آخر لحظة ممكنة إعلان جدول انسحاب من العراق. السبب الوحيد وراء هذه المماطلة الأمريكية والتعلق بحبل أمل كاذب أن إعلان بدء الانسحاب هو في الحقيقة إعلان هزيمة. ولكن لحظة الانسحاب تقترب علي أية حال، فحتي الإدارة الأمريكية الحالية لا يمكنها تجاهل الفشل إلي ما لا نهاية. عندما يصبح واضحاً أن عبء الإخفاق في العراق بات يفوق الأعباء الدولية المترتبة علي الاعتراف بالهزيمة لن يكون أمام الإدارة الأمريكية إلا البدء في الانسحاب.بيد أن التخلص من الاحتلال، الذي لا بد عندها أن يري باعتباره إنجازاً معجزاً للحركة الوطنية ، لن يحمل نهاية عذابات العراق وقلق وعدم استقرار جواره الانسحاب الأمريكي قد يطلق مباشرة تحالفاً ضمنياً، أو حتي صريحاً، بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وعدد من القوي الشيعية السياسية، وعلي رأسها جماعة الحكيم، يستهدف السيطرة علي الشمال العراقي ، علي الجنوب، علي معظم بغداد ومحافظة ديالي، وإيقاع هزيمة جغرافية وسياسية بقوي المقاومة. مثل هذه المشروع سيدفع بقوي إقليمية إلي الساحة العراقية. وعلي نتائج هذه المعركة سيتحدد مستقبل العراق وملامح توازنات القوة.9