شُطّار ما بعد الحداثة!

حجم الخط
0

شُطّار ما بعد الحداثة!

خيري منصورشُطّار ما بعد الحداثة!الشطار والعيارون والمجّان لم يطوهم الزمان والرمال، لكنهم تجلوا بعد قرون من السياق التاريخي الذي أنجبهم في صور أخري، وأصدر التاريخ العربي منهم طبعات متعاقبة، منها المزيد ومنها المنقّح ومنها الملقّح ايضا لكن بغبار الحداثة لا غبار الطلع.ورواية الشطار لخيري شلبي التي تحولت الي فيلم سينمائي رؤية سياسية واجتماعية بقدر ما هي ثقافية للشطار الجدد، الذين استبدلوا الكفاءة بالفهلوة، وشهادة الحق بشهادة الزور، فهم ذرائعيون الي الحدّ الذي ينعدم فيه الفاصل بين الأضداد سواء تعلّقت بمنظومة القيم او المفاهيم الانسانية.والفارق بين شطار الامس وشطار اليوم كبير بمقياس الحكاية، لكنه ضئيل بمقياس آخر سوسيولوجي بقدر ما هو سايكولوجي، فالشاطر حسن كما زارنا لأول مرة في طفولتنا الريفية، كان المغامر المخلّص، الذي تصدي للغول ولولا الايجابية التي قدّمته بها الحكاية الشعبية لما تحول الي ما يشبه التنويمة لأطفال خلت بيوت أهلهم من الكتب والموسيقي واللوحات لكنها استعاضت عن هذا بالذاكرة المترعة بالمقول الشفوي، حيث الحنين الي البطولة يزدهر في زمن الانكسار!والشطار الجدد سواء كما قدمهم شلبي في روايته وأضاف الفيلم اليها ما تتطلبه السينما من مضاعفة التشويق، والمبالغة احيانا، او كما نعرف عيّنات منهم، من طراز آخر غير مسبوق، فهم مغسولو الضمائر، والعدميّة التي يتخفون وراء مقولاتها هي عدمية كلبية، وليست كعدمية نيتشة او البير كامو وبعض الفلاسفة الوجوديين، لأنها تنتهي عند تسفيه العالم، وتسفيله ايضا حسب المصطلح الفرويدي المضاد لما يسمي التصعيد، والمقصود بهذا التسفيه والتسفيل هو خلط حابل الخير بنابل الشر والمزاوجة بين العصفور والأفعي علي نحو يحذف البديهيات المشتركة في الذاكرة البشرية، وهذا ما عبرت عنه مقولة ديستويفسكي الشهيرة: اذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح!في الرواية ـ الفيلم السينمائي يستبيح الشطار الجدد كل الخطوط الحمر، ولا يعفون عن الاتجار حتي باللحم البشري، ويلفّقون اسطورة البطولة من نفايات الخيانة، وتمهر الوشاية كل حراكهم بحيث تصبح البوصلة عمياء الا باتجاه واحد هو الكسب والفوز باشلاء الوطن عندما يتحول الي غنيمة او ذبيحة!ولأن الرواية ليست معنية بالوعظ فإن نهايتها تبقي مشرعة علي كل الاحتمالات، بحيث تصبح متوالية الخديعة والتضليل انيميا اجتماعية وايدزا سياسيا، لأن المناعة كلّها تصبح في مهبّ الوباء!واذا كان للسياسة شطّارها، وللاقتصاد شطاره، فإن الثقافة المنخورة بديدان الطفيليين وباعة الأوهام المتجولين تفرز شطارا يتفوقون علي غيرهم لأن المجال الحيوي الذي يتكاثرون فيه بطريقة الانشطار الاميبي غير قابل للرصد الدقيق، وبه من التعابير المجازية ما يكفي لتهريب نصف الواقع ونصف الحقائق !شطار السياسة ليسوا بحاجة الي أن يظفروا بثقة الناس، لأن السلطة السائدة أولي، فهي المانحة والمانعة أيضا، لهذا يميلون تبعا لميلان رياحها، ولهم انوف كلبية مدرّبة علي شم القادم من الحكام والجنرالات ومن يدورون في مجالهم المغناطيسي السلطوي!ولأنهم مجرد اصداء وظلال فقط، وأشجار لبلاب لا تعيش مكتفية بذاتها، فإنهم يقلبون ظهر المجن بأسرع من الشهيق والزفير لمن كان بالامس ولي النعم كلّها، والممدوح الذي يسبحون بحمده، لهذا عاش شطار السياسة وتأقلموا مع كل المراحل، فهم ملكيون وجمهوريون وجملوكيون ويساريون ويمينيون وليبراليون، ولديهم عدة الشغل كلّها، وقد لا يحتاج احدهم الي أكثر من أربع وعشرين ساعة كي يستدير مئة وثمانين درجة، ليهجو من مدحه بالامس، ويمدح من هجاه الليلة الماضية!وقد نجد في العقد الماضي مثالا نادرا تحتشد فيه ادبيات الشطار كلها، خصوصا بعد أن انتهت الحرب الباردة دوليا وبين القطبين لتبدأ في العالم العربي كحروب بينية بين الاخوة الاعداء او داخل البلد الواحد …ولو شاء احد هواة التعامل مع موسوعات من طراز موسوعة غينيز ان يقدم اهم وأبرز الشطار السياسيين في العالم لعثر بيننا نحن العرب علي من يفوزون باللقب، لأنه ما من مدينة او حي يخلو من أحدهم.ہہہلا ينافس شطار السياسة الذين يلبسون لكل حالة لبوسها، ويجيدون الرقص في الزفاف والندب في المآتم في اللحظة ذاتها الا شطار الاقتصاد الأسود الذي أفرز انماط انتاج لم يهتد اليها آدم سميث وماركس، ومن تحدثوا طويلا عن نمط الانتاج الاسيوي كما قدمه ماركس أغفلوا نمط انتاج آخر، لكنه لا ينتسب الي قارة بعينها او الي دولة الاستبداد الشرقية، بل ينتسب الي فقه الشطارة ومهاراتها ووصايا روادها التي تشبه موعظة الحطيئة لاحفاده الشعراء المتكسبين والضليعين في فن الكيدية!واننا لنعجب كيف لم تكتب حتي الان دراسات اقتصادية عن نمو فئة من اصحاب المليارات في زمن الاحتلال، وغسيل الأموال، والتجارة الحمراء بالدم!فما كان محظورا قبل عقد من الزّمن استمد شرعيته من ديمومة الانكسار، ووجد الشطار الجدد في الاحتلالات وارتهانات النظم التابعة مجالا رحبا في هذه المنطقة، وهنا كان لا بد من تعميم ثقافة مضادة، تحلل الخيانة وتحرم البطولة، والتحالف الكلاسيكي بين شطار السياسة وشطار الاقتصاد الاسود كان لا بد له أن يبتكر شطارا في الثقافة اذا لم يجدهم، لكنه لحسن حظه وجدهم بأعداد غفيرة، لأن تربويات الفراش الأقصر من القامة والجدار ذي الأذنين والمخرز الذي لا يقاوم كانت قد مهّدت خلال قرون لمثل هذه الثقافة، والمال الأميّ الذي لا يسعي الي الحصول علي شهادات ممهورة بتواقيع مثقفين من المشاهير كان يحتاج الي عقد صفقات بدائية تحت عناوين حضارية وحداثوية.وهذا ما فعله المال الوسخ عندما سعي الي منابع يغتسل فيها فلم يجد غير الحبر!ہہہالمثقف الشاطر لا يتصدي للغول كما ورد في التنويمة الاولي التي هدهدت بها الامهات الأميات مهودنا، انه يتصدي للمثقف العضوي الأصيل الذي وظّف من أجل استبداله، لهذا فليس الجاهل البريء هو نقيض المثقف، كما أن الرجل المتخلّف الذي ينغلق وعيه علي ايديولوجيا ذكورية ليس هو عدو المرأة الساعية الي استرداد كينونتها المحتلة وحريتها المسروقة ..عدو المثقف الأصيل، هو المثقف الدمية الذي تتمظهر فيه خصائص وسمات شكلية هي قرائن وهمية للمثقف، صاغتها قرون الامية والعثمنة، كما ان المرأة الدمية، ومشجب الحرير والفضة هي العدو الجذري للمرأة الحرة ..وقد اهتدي الي هذه الفلسفة وهي استيلاد النقيض من الصّنف ذاته أباطرة ووعاظ سلاطين منذ أقدم الأزمنة، تلبية للحكمة القائلة: لا يفل الحديد غير الحديد …وقد فات هؤلاء ان حرير الثقافة الحرة وليس حديدها او فولاذها يكفي لأن يفلّ جنازير الجهل وقضبان الزنازين، ان ثقافتنا العربية الان تعيش صراعا غير مرصود بما يكفي بين الشطّار والأحرار لكن المناخ الدولي السائد، والثقافة المقررة عبر وسائل متسلطة ونافذة تتيح للشطار ما لا يتاح لسواهم، فهم أشبه بزهور صناعية بلا رائحة، لأنها بلا جذور يصلحون للأعراس والمقابر.لقد كانت رواية خيري شلبي التي تحولت الي فيلم بالغ القسوة حكرا علي شطار السياسة، الذين امتطوا الوطن كدابة جريحة، ولم يعفوا عن أي مغنم حتي لو كان دمها النازف من خاصرتيها، فباعوه وشربوه وقايضوه، ومنهم من حوّله الي حبر يغرف منه شهادات الزور!كم رواية من هذا الطراز يمكن ان تكتب عن شطّار الاقتصاد والثقافة والسمسرة الكولونيالية والاستشراق الجديد الذي يليق بحقبة ما بعد الحداثة وحروبها!قبل فترة تداولت الاوساط الصحافية والثقافية في العالم العربي المحتل علي اختلاف أنماط الاحتلال وألوانه قائمة ضمّت اكاديميين وكتّابا لهم صلة بالمخابرات المركزية الامريكية وأذكر ان من وردت اسماؤهم في تلك القائمة فرضوا علي انفسهم اقامة جبرية، ومنهم من اختفي تماما او غيّر اسمه، في ذلك الوقت لم تكن الخطوط الحمر قد أزيلت، ولم تكن البدهيات قد اسقطت، ولم يكن جدول الضرب قد انتهي الي الطرح فقط، لكن الوقت تبدّل، ولو صدرت مثل هذه القائمة الان لكانت خضراء وليست سوداء! لأنها بمثابة شهادة حسن سلوك لمن تتضمّن اسماءهم!فهم اولا معتدلون، وثانيا أخيار وليسوا أشرارا، وثالثا يرون في الاحتلال والتحرير وجهين لعملة واحدة ورابعا يبشرون بأن العربي يعيش بالخبز وحده بخلاف سائر البشر وخامسا مستعدون لخلع امسائهم وجلودهم والكتابة بغير العربية اذا كانت هذه الشروط تحقق لهم انتقالا مأمونا بين مطارات العالم، وتتيح لهم حضور مؤتمرات سخيّة في الإنفاق!ہہہعشرون رواية قد لا تكفي لرصد ما أفسده شطار الثقافة، الذين حاولوا افساد الملح واعادة تعريف الكتابة والحرية والأوطان، فهم حواة ماهرون في اختطاف الذهن، ما داموا قد حفظوا عن ظهر قلب وباطن محفظة خطابا مرصّعا بالمصطلحات الفسفورية، واذا لم ينتبه القاريء والمشاهد العربي لهؤلاء الشطار او الحواة فإن أعز ما يملك يصبح عرضة للفقدان، واذا كان لا بد من تقديم عيّنة من ثقافة الشطار فلتكن من صميم هذا الوقت …فمن يهجو ديكتاتورا ميّتا، يفعل ذلك وهو يلعق قدمي ديكتاتور حيّ!ومن يثرثر من الشطار عن السجون في غير بلاده يزعم ان بلاده هي اليوتوبيا التي يجب علي العالم الحر ان يحرسها!والشاطر الذي يمجد الثقافة ويعلي من شأنها في مناسبات مهرجانية يناصب المثقفين العداء ولو استطاع لأبادهم! هؤلاء هم شطّار الحداثة وما بعدها ، اما العيّارون فلهم مقام آخر !!!!QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية