عبث الحرب و أحلام التجدد

حجم الخط
0

عبث الحرب و أحلام التجدد

محمد سمير عبد السلامعبث الحرب و أحلام التجددترتبط ذكريات الحروب دائما بالنماذج المتجددة من النصوص ، و اللوحات ، و الأحلام ، و الأحداث في شكلها التأويلي ، أو الكوني ، أو الوجودي ، أو الثقافي دون إطـــــار ، أو خطاب أحادي ، و لكن في صورة تفاعلية جديدة تتجاوز حدود الزمن الخطي ، في اتجاه إعادة التكوين المولدة من تكرار صور دمار العالم .عندما تتجدد ذكريات الحروب تقفز غريزة الموت عند فرويد إلي الوعي ، و تصير تأويلا لشكلية العنف المتكررة ، و ارتباطها بأحداث جنسية ، أو اغتصابات تصويرية بالأساس ، كما تبرز وحشية الواقع ، ضمن الفوتوغرافيا كما هو عند سوزان سونتاج ، و البورنوجرافيا التفاعلية للعنف عند جان بودريار ، و التأويل السردي / الوجودي في آن للمأساة عند بول ريكور .و قد يخرج العمل الفني من إطاره ، فيصير تكوينا انتشاريا يقع مع ذكري الحرب في علاقة تداع تشبه الكتابة الأولي عند ديريدا ، فيفقد ارتباطاته الزمنية ، و يصير حرا ، و فاعلا في الواقع ليعيد تشكيل الوعي بالحرب ، إلي ما يتجاوزها من تأمل للتدمير يولد إيحاء بضرورة التسامح ، و إقامة تفاعل خارج إطار العنف كخطاب للهيمنة ، و الهيمنة المضادة ، فالتدمير في لوحات فرانسيس بيكون مثلا يتجدد في التشويه القصدي الذي يقع علي الجسد ، حتي يتبخر الأخير ، و لكنه يترك بقعة ، أو كتلة من اللون / اللحم يؤسس لمقاومة العدم ، و للتسامح إزاء الأثر باستعادة التكوين الأول في المخيلة دون انفصال عن حدث التدمير الذي يبدو هنا صورة سردية تأملية لا أكثر ، لكنها تحيا بصورة مضادة في ذكري الحروب لتكشف عن تكرار العنف ، و استعادة الوجود في السرد المتخيل مرة أخري .كذلك عند تجدد قراءة بيكيت ، و يوجين يونسكو نجد تكرارا تحريفيا لمسرح العبث في شكل تأويلي ضمن الواقع نفسه ، و ما يخلفه من آثار تعيد إنتاج النص في السير الذاتية الواقعية لمشاهدي أحداث الدمار ، و غيرهم .في سيناريو كتبه يونسكو بعنوان الغضب نجد فيه العالم قد بدا في مناخ ربيعي هادئ ، ثم تحدث الخلافات ، و التعارضات اللغوية العبثية عقب وقوع ذبابة في طبق الزوج الشاب الذي يتهم امرأته بأنها وضعتها عمدا في طبقه ، ثم ترد عليه الزوجة بأن هناك من حذروها منه قبل الزواج ؛ لأنه مجنون ، و تتوالي مشاهد العراك في سرعة متناهية ، و تقع في علاقات تداع مع أرشيف الحروب ، و الكوارث الكونية حتي يتولد الغضب ذاتيا في رجل يشاهد التليفزيون ، و ينفجر رأسه قبل نهاية العالم ، يقول يونسكو :” السيد جالس إلي إحدي الموائد في إحدي المقاهي ، هادئ في البداية ، و شيئا فشيئا يستولي عليه الغضب من تلقاء نفسه . و كاما زاد العراك ، زاد غضبه أيضا عاكسا صورة العراك بطريقة صامتة ، و قبل أن تنفجر الكرة الأرضية نري وجهه الذي أصبح قرمزيا ينفجر أيضا … تظهر المذيعة بابتسامتها المشرقة كاشفة عن أسنانها الجميلة ، و تعلن قائلة : سيداتي سادتي ، بعد لحظات ستحل نهاية العالم ” ( راجع / يونسكو / الغضب ، ضمن الأعمال الكاملة ج 1 / ت / د / حمادة إبراهيم / هيئة الكتاب المصرية 2006 ص 490 و 491 ) .لقد صار الرجل / الجزء فضاء ، أو كونا يجتمع فيه العراك ، و الزلازل ، و تجدد أرشيف الحرب العالمية الثانية ، و الزلازل ، و البراكين ، و الربيع ، ففقد ذاتيته ، و صار وظيفة للانتشار التصويري الواقعي في آن للحرب ، التي بدت داخلية ، و خارجية ، و كونية معا في الأثر الذي صار بديلا عن حالة توليد مستمر للغضب في العالم فتحطمت إنسانيته . إن الصوت المتكلم الذي مارس من قبل عبث تعارضات اللغة ، و التواصل المستحيل ، أصبح صامتا لكنه يؤدي حالة العبث ضمن وجوده الفردي ، هل تولد الرجل من فراغ دموي تركته حالة الصراع الأولي ؟ هل رغب في تجاوز كينونته الحاملة لتاريخ التعارض حاملا حلما ربيعيا آخر ؟ و كأننا عقب الإعلان الهادئ للمذيعة أمام أمرين :الأول : انقلاب فيلم الغضب إلي سيناريو ذاتي التكوين في الذات ، مما يجعله سيرة لاواعية للصورة البديلة عن الذات الأولي الغائبة ، ثم يتحقق التداعي التأثيري لصور التدمير من الذاكرة ، و الكوارث طبقا لعلاقات نصية ، و وجودية ، و حقيقية معا ، و قد نجد لهذه العلاقات مكانا عند رينيه جيرار ، و بودريار بصور مختلفة لتأويل عنف العالم .لقد اشتعل العبث خارج حدود المسرح ، أو الصورة السينمائية ، فصار عنفا داخليا في صيرورة الذات ، أو إمكانية باقية كأثر في الذاكرة الإنسانية .الثاني : تستعيد حالة الهدوء في بداية النص ، و نهايته التي تسبق نهاية العالم صورة الربيع ، و أساطير التجدد ، و نستطيع أن نتذكر قصص تموز ، أو أدونيس ، و أوزوريس ، و قوة ديونسيوس ، هذه الصور تعمل في صخب الغضب ، و تجدد الفراغ المتولد عن لحظة النهاية ، بتجديد حلم الحياة ، و التجاوز ، إذ لا يمكن تصور العبث بعيدا عن هذا الحلم . كاتب من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية