قراءة سيميائية للنسق القيمي في قصص الليل العاري لعبد الرحيم العطري

حجم الخط
0

قراءة سيميائية للنسق القيمي في قصص الليل العاري لعبد الرحيم العطري

عبد النور إدريسقراءة سيميائية للنسق القيمي في قصص الليل العاري لعبد الرحيم العطريلم يكن للشعر الذي ارتضاه القاص والباحث عبد الرحيم العطري كتقديم لقصص الليل العاري من الشعراء والكتاب العالميين كريتسوس وأخمتوف وبورخيس، وأنغاريتي، وداوتيسيو وخيمينيس وطاغور ويرغون وإيلوار ونيرودا وبريفير.. إلا أن يضيف الاحساس الشعري للقاص بالكلمة التي تتجاوز سياقاتها العادية والتي تتجمل بالشعر لتحوز علي قوة العلامة، هذا الاستعمال الشعري يكثف من الوحدات الدلالية لقصص المجموعة ويجعل القاص يحلم بنبوءة سوسيولوجية لعالم فقد رونقه عند بداية الليل، هذا لا يعني في تصورنا ان النهار يحوز علي كامل الرونق.دلالة الليل والتأويل المنفتح: سيميائية العلامةقبل التطرق إلي عالم المعني الذي يفتحه هذا العالم السردي لا بد من أن تنفتح القراءة علي العنوان باعتباره البوابة الرئيسية التي ينتعش من خلالها المستوي المفهومي لكل البني التي يطورها القاص مضمونيا داخل النص.فالليل هنا يتعري وهو يجتر حلمه ويُخندقُنا في إرغاماته باعتباره بسيطا وله استراتيجية تنبني علي الوضوح بينما هو نفس الليل الذي يشارك النهار في تعدد المعاني والغموض وبالتالي التعدد في التأويلات، وينفتح علي حيوات من التيه والضياع (1).فهذا الليل هو الذي يعري وهو في الآن نفسه ينشطر عن ذاته ليُغطي كرامة رجل أسالتها شهادة العار وأرهقه الزمن وهو ينظف ليل المدينة من أسرار البيوت والوطن والعالم أجمع فمن خلال الأزبال يستطيع المعطي قراءة الطالع السياسي والاجتماعي للوطن وقد يكنس معه الطفلة ياسمين عندما تخلّي عنها الأمن لتُرتب قدرها مع قطط الليل وكلابه، ياسمين التي عاشت ليلها في صياغات متنوعة ينتظر الزمن عبرها نضج جسد مطوّق الإسورة سيضمن لقيم الليل استدامة انشطارها إلي ثنائية ضدية غير معزولة عن الكون الدلالي الذي يتحرك داخل المجتمع حيث تحتاج آليات التفكيك إلي نمط بناء ثنائي قائم علي دراسة العلامات:نهار / قانون اجتماعيليل /اختراق اجتماعيلقد ساهم ش.س. بورس في بناء رؤيتنا للوقائع والعالم من خلال ما تحمله الواقعة من طاقة لإنتاج الدلالة من جهة ومن خلال اعتبار حضور العلامة يغطي في الآن معا إنتاجها للمعني وتلقيها له. ينتقل هذا الحضور داخل الفعل الإنساني بين الماضي والمستقبل دون قطيعة للإحالات التي تولدها العلامة في الحاضر من حيث أن استيعابها في شكلها الكلي لا يقول بموتها، بل يوحي بانتقالها إلي نسق دلالي جديد ينبعث من قابلتيها للامتداد في فعل العلامة واستمرارها في الذات المؤولة.فالعلامة: ليل/نهار تحمل أشكال تحققها في إحالتها علي المختفي من الموضوع الذي تؤشر علي وجوده.. فالوجود الذهني يعطي للعلامة قوة الحضور في الواقع… وقد تنفلت لهذا الحضور لتسيح في المعني وتؤكد علي استمرار تجليها المتعدد في الموضوعات التي تأتي منها عبر تركيب سابق… فالعلامة هنا قد تعود مجزأة إلي الموضوع الأول الذي يضمن للسميوز انتقاله إلي مستويات دلالية جديدة…فالوجود الذهني لليل نهارا وللنهار ليلا يقلق التداول المتسلط لليل كما للنهار في الاستمتاع بالكيان المستقل واللازمني الذي لا يستطيع إلا أن يمنح لهذا الوجود طابعه النسبي في توزيع القيم.تسريد النسق القيمي: الليل/النهارإن المكبوت الذي يحيل عليه فعل السرد والوصف لليل العاري يطابق التحققات الممكنة لخرقه باعتبار الليل هنا ضامنا أساسيا لتسلل القيم كي تعيش تحققها المزدوج وفق جهاز التلقي الخاص للمجتمع المغربي حيث الليل يمنح للسلوك النهاري أبعادا دلالية جديدة.هذا ما نلاحظ بروزه في شخصية الحاج عمر داخل النص والذي يعلن له انتهاء صلاة العشاء الوجود الفعلي للحانة وكأن صلاة العشاء تحمل تدليلا ذهنيا يحيل في معناه علي الحانة كعلامة تسكن ذهنية النهار.وهي عملية التقطيع للزمن المسترسل الذي يحضن القيم في شكلها التجريدي المفاهيمي وفي تحوُّلها إلي وقائع تصويرية ويلخص هذا التكسير للزمن تواجد المضمون القيمي ما بين الظاهر المرتبط كليا بنموذج ترعاه سلطة المجتمع وما بين مُختفٍ تتحكم فيه سلطة تفيض عن تمظهرات السلطة الأولي/النهار/. إن هذا التشطير نهار/ليل يُغني إدراك المتلقي للعالم الخارجي وهو يشمل مجمل القيم الثابتة التي لا تبرز فضاءاتها الفارغة إلا في نسيج تأويلي محكوم بالانزواء والرقابة والليل، بدءا من التحديدات العادية إلي الأنساق الاجتماعية الكبري يقول الحاج عمر في قصة (حبل الكذب) فين اللبدة والما السخون واسربي راه العصر ودَّن قْبيلة (2). ويقول السارد أيضا: بعد قليل سيلتحق الحاج عمر بحانته المفضلة وسط مدينة الرباط (3). إذن، ما هو المزيف وما هو الحقيقي من حياة الحاج عمر؟يعتبر الحاج عمر من فئة سكيري الدرجة الأولي فهو يستعمل النفحة الوزانية للتماهي مع قيم النهار تحت رعاية زوجاته وأبنائه وفي الليل يستعمل للتماهي أيضا مع كرنفال المبادئ، الجعة تحت رعاية سعيدة والمَثلي خالد / ربيعة، الذي / التي، لم يسلط عليه/ها السارد إلا ضوءا خافتا امتص بريقه الحاج عمر يقول : يخاطبها خالد/ ربيعة بنبرة غارقة في الأنوثة، مخبرا إياها بأنه يجيد الرقص الشرقي أحسن من والدتها…. (4) وكأن خالد/ ربيعة يحضر في الحانة كالزمن المخصي من حياة الحاج عمر.يضع عبد الرحيم العطري لليل حالات تجعله يستوعب الممكنات المزيفة الأخري ويحاصر مستويات النص السردي حيث صلاة العشاء هي نقطة الارتكاز الأساسية المُشبعة باستيقاظ العلامات الدالة التي تمنح النص معناه في فهم الليل العاري وفهم اللحظة المركزية لنصوصه الأحد عشر.تسريد قيم الشخصية المحوريةننتقل أيضا إلي فتح إمكانية التأويل نهار/ليل مع شخصية ثانية احتلت مع كل النصوص بؤرة الارتكاز وهي شخصية النادل/مسيو طونيو، ففي الفصل السابع يمكننا لمس المسار السردي لهذه الشخصية التي تعيش فترتين علي المستوي النفسي.1ـ الفترة القزمية:وهي فترة نهارية يظهر فيها القزم عند سلاليم العمارة يتضرع إلي مولاه أن يرسل علي النصراني (مسيو طونيو) شي مصيبة تجعله يقرر العودة إلي فرنسا علي عجل (5).وهو يطمح لامتلاك مفاتيح الحانة والتزوج من سميرة الفاتنة. فهذه الفئة التي ينتمي إليها النادل القزم هي التي مارست في عمق التاريخ المغربي المُقاومة الوصولية والانتهازية التي حافظت أساسا علي مصالح المستعمر بعد انسحابه المادي من المغرب.لقد تقمص النادل القزم شخصية مسيو طونيو بكل حرصها علي جمع المال دون الاهتمام بسواه.2 ـ المرحلة العملقيةلقد امتلك مسيو طونيو الجديد المرحلة الثانية، المرحلة العملاقية حيث زمن الليل كله وكل النساء، فمسيو طونيو يخاطب القزم عشية انتفاضات الدار البيضاء ويوصيه باستمرار قيم الليل الحانة الآن في ملكيتك بشرط أن تظل مفتوحة وإلي الأبد (6).ولما سمي القزم نفسه مسيو طونيو تحول خطاب المستعمر إلي التعدد الممكن في تلقيه وكأننا بمسيو طونيو يقول وهو يغادر المغرب (الحانة الآن في ملكيتي بشرط أن تظل مفتوحة وإلي الأبد).وهذا ما نلاحظه هنا والآن من أن الاستعمار قد غادرنا عسكريا وبقي يحتل فينا الكون النفسي حيث الشباب كالمعطي يسكنهم هنا الحلم بالعالم المحتمل لمسيو طونيو هناك.علي سبيل الختملقد وظف القاص عبد الرحيم العطري الليل توظيفا جعله لحظة حاسمة في مسار محمود الذي تغير مساره النضالي في ليلة واحدة من تدخل المخزن ليتحول من اليسار إلي عمق اليمين الذي اغتال الأحلام في ليلة واحدة يقول السارد: مات الإنسان واليسار والشعر والحب والوطن في أعماق محمود ص 63.لقد كان الليل من الأسباب التي نقلت الأحلام من الإيجاب إلي السلب يقول أيضا في قصة وداعا ص 66 فمن ثوري حالم إلي قن قامع .لقد تمكن القاص من استغلال انسيابية الحكي عن الليل الذي يغطّي الأشياء ويُعرّي الناس وهو في ارتباطه بجو ينضو برائحة البيرة والبوح تقوم دلالته الإيحائية علي ولادة جديدة في النهار.الزمن في المجموعة لولبي لم يتحرك نحو أفق يعاكس رتابة الأشياء وتغييرها حتي أن وصية النصراني بعدم تغيير وظيفة الحانة والكراسي أصبحت حقيقة مزمنة ارتبطت برواد الحانة كلهم.ولعل الهيكل السردي في الليل العاري استطاع أن يعيد تمثل البناء الذهني للمصدر الإنساني للقيم ويكون بذلك السجل الثقافي حاضرا للإعلان عن طبيعة الفئات الاجتماعية التي نسج النص دلالاته عبرها.فمعني الإصغاء إلي صوت الليل وبعث طاقة متجددة المعني في تلقي الآخر للحقيقة التي تعبر عن نفسها عبر مفهومات من جسد السلطة السائدة (أي سلطة =) حيث الليل يساعد النهار في أن يكون نهارا.فتعدد الليل في النهار الواحد يسلم بالهوية المختلفة للمعاني المعطاة ويجبر النهار علي أن يتعدد بدوره بدون التحول إلي غربة في ذات المتلقي.إن جوهر فعل النهار يظل هو الليل الذي يختلف عن ذاته ويشير إلي بؤرة تعدده وبذلك يمحو أثره في فعل النهار.كاتب من المغربالهامش1 ـ عبد الرحيم العطري، الليل العاري منشورات دفاتر الحرف والسؤال مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولي حزيران (يونيو) 2006 ص 202 ـ نفس المرجع السابق ص 363 ـ نفسه ص414 ـ نفسه ص 55 ـ نفسه ص 52 6 ـ نفسه ص 53QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية