عندما يَفْرَغُ الليل من عتمتهِ: من فيلم استرالي ساحر إلي ممثلّة تمثّل الصفاقة الإسرائيلية مهرجان فيلم الليل ذهب إلي الفراش هذه المرّة
منير عبد المجيدعندما يَفْرَغُ الليل من عتمتهِ: من فيلم استرالي ساحر إلي ممثلّة تمثّل الصفاقة الإسرائيلية مهرجان فيلم الليل ذهب إلي الفراش هذه المرّةفي زاوية منسية من القارة الاسترالية، وفي مستنقعات أرانورا بالتحديد، أخذ المخرج رولف دي هير (مواليد 1951 ومن أهم سينمائيي البلاد، وحاصل علي جوائز لا تُحصي) طاقماً فنياً متواضعاً، وصديقه الأبوريجيني (من سكان القارة الأصليين) دافيد غولبيليل، ليدفع سكان المستنقعات، منذ فجر التاريخ، الي المشاركة في فيلم عشر كَنْوات -والكنو هو زورق طويل ضيق خفيف الوزن يُقاد بمجاذف، والعودة بهم إلي روح قبيلتهم (التي تُدعي رامينغينغ)، ثقافتهم، وقصصهم التي تقترب أكثر إلي الواقع من كونها ميثولوجيا شعب تعرض إلي ما يشبه الإبادة علي يد المستعمر الأبيض.النتيجة أذهلت المخرج قبل غيره. هكذا قال حينما التقيته في كوبنهاغن.الصعوبة لم تكن في دفع هؤلاء إلي لعب أدوار أمام الكاميرا، بل كانت انصرافهم إلي التمثيل حتي لو لم تكن الكاميرا هناك.طبعاً، نتج عن هذا مواقف مضحكة للغاية، يقول رولف دي هير، ودفعني إلي عمل فيلم تسجيلي مكمل (كَنْوات البالاندا والبَرْك).لأول مرة يقوم السكان الأصليون باستعمال لغتهم الخاصة، وفي فيلم قاموا، إلي حدّ كبير، بوضع سيناريو أحداثه. وليست الأحداث هي ما يُسحر هنا، بل أداء هــــــؤلاء، وقصة تعود إلي عصور غابرة، تُروي من خلال صوت غولبيلــــــــــيل الذي لا يجد كلمة نهار في لغة هذه القبيلة. هم يقولون ببساطة عندما يفرغ الليل من عتمته .والوصف الجميل هذا ينطبق، مجازياً، علي انتهاء أعمال مهرجان الليل السينمائي في دورته الثامنة عشرة.فعلاوة علي برنامج كبير (185 فيلماً) هذا العام، قام المسؤولون عن المهرجان باختيار أفضل ما أنتجته السينما العالمية خلال السنتين الماضيتين. إشارة ثناء يتوجب علي التنويه بها.ويستحيل بطبيعة الحال مشاهدة كل هذه الأفلام في عشرة أيام (فترة المهرجان). فبعملية حسابية غير معقدة، لاحظت أنه ينبغي عليّ قضاء 12 يوماً دون توقف أو نوم. هذا الوضع العبثي أجبرني علي اختيار الأفضل (وهنا قد يكون الاختيار خاطئاً أيضاً)، أو التي يُفترض الإشارة إليها لأهميتها، بشكل أو بآخر.في سلسة أفلام موجة الشمال – Norwave قدّم المخرج والكاتب النرويجي يواكيم تريا باكورة أعماله التكرير ، أو الإعادة (Reprise)، لافتاً الأنظار إلي موجة شمال-أوروبية جديدة، تستمد فلسفتها من الموجة الفرنسية الجديدة (الأفانغارد) في ستينيات القرن الماضي، وتريا يقول بوضوح أن فيلم فرانسوا تروفو جول وجيم (إنتاج 1962) هو الذي ألهمه كتابة هذا الفيلم.وفيلمه، في الواقع، مفاجأة طيبة للغاية. عن شابين في مقتبل العمر، وبطموحات دون حدود. الأول يرفض الناشر روايته، والثاني يصبح اسماً أدبياً مرموقاً بعد نجاح روايته الأولي.فيلم حساس، عميق، يكشف عن سينمائي مثقف، واسم ينبغي متابعته.الفيلم الإسرائيلي الطين الحلو (حصل علي جائزة لجنة تحكيم سينما العالم في مهرجان سن دانس) من إخراج درور شاؤل، يحكي قصة عائلة في كيبوتز. الأب انتحر، الأم مدمنة كحول وأقراص، الإبن الشاب لا يهمه في العالم سوي اقتياد شقراء فنلندية إلي فراشه قبل أن يلتحق بالخدمة العسكرية، وطفلها دفير (البطل المطلق في هذا الشريط) يحاول ما بوسعه مساعدة والدته، وجعل جحيم حياة الكيبوتز مقبولة.الفيلم دراما جيدة الحبكة، ويكشف بوضوح عن أكذوبة اسرائيلية تاريخية عن الحياة اللذيذة لسكان الكيبوتزات، والتي أسفرت الدعاية العريضة لها في الدول الغربية عامة، عن التحاق عشرات الآلاف من الشبيبة بها.والصورة من علي بعد، قد تبدو للوهلة الأولي صحيحة. فهنا الحياة اشتراكية، تعاونية ومليئة بالحب.الرجل السويسري، عشيق الوالدة، الذي يسمح له سكان الكيبوتز، بعد نقاشات حادة، بالانتقال إليها، يقول حالما تطأ قدماه المكان: هنا فردوس حقيقي، أنا أفهم الآن لماذا لم تغادري هذا المكان!.وسرعان ما تختلف الصورة، ويُطرد عائداً إلي بلده.الفيلم الإسرائيلي الثاني أفيفا يا حبي من إخراج شيمي زارحين (ينتمي إلي تيار الواقعية الاشتراكية) الذي يفضل، كما يبدو، تحقيق أفلامه في حيفا.الفيلم دراما عائلية تعكس حالة مجتمع يفقد انتماءه الروحي، مفكك حائر وتائه في عوالم عديدة. أفيفا إمرأة من العامة، تتميز بموهبة خاصة في كتابة قصص عن حياة الطبقة المسحوقة التي تسكن في الهضاب المحيطة بمدينة حيفا. تلتقي بالبروفسور عوديد، الذي يستغل خبرتها الاجتماعية ويقنعها بشراء هذه القصص ليعيد صياغتها وينشرها باسمه.أبنتها المراهقة تريد التوقف عن دراستها لتعمل كعاهرة، معللة ذلك بقولها مخاطبة والدتها: أنتِ تبيعين روحك (إشارة إلي قصصها المُباعة)، وأنا أبيع جسدي… أيهما أسوأ؟. أفيفا يا حبي هو واحد من الأفلام الإسرائيلية النــــــادرة الذي لا يُشار فيه (من قريب أو بعيد) إلي الصــــــراع الدائر في المنطقة، وكأن حيفا ببعـدها الجغرافي البسيط، لا علاقة لها بما يجري في تل أبيب، في القدس المحتلة، أو في قطاع غزة والضفة الغربية!.كنت أريد حمل هذه الأسئلة إلي الممثلة روتيم أبوهاب (مواليد 1976، وتؤدي دور أنيتا شقيقة أفيفا) المعروفة داخل إسرائيل كونها ممثلة تلفزيونية بالدرجة الأولي.وعن طريق السكرتيرة الصحافية لمهرجان الليل، اتفقنا علي موعد للقاء. الذي جري أن روتيم أبوهاب اختفت ذاك اليوم، وكل محاولات السكرتيرة بايجادها باءت بالفشل.طبعاً، كانت تعرف جنسيتي، وتعرف أن الموضوع سيتم نشره في القدس العربي . دون اعتذار، دون توضيح، وبصفاقة يتميز بها الإسرائيليون (دون أن أعمم، فهناك أناس شرفاء في صفوفهم)، ضيّعت ساعات من وقت السكرتيرة الصحافية، ومن وقتي أيضاً.الفيلم الإيراني مليء أم فارغ؟ من إخراج أبوالفاضل جليلي، يُذكّر بفيلم الإسترالي دي هير كثيراً. فهو يجري أيضاً في زاوية منسية من إيران، تحديداً المنطقة الجنوبية المتاخمة لباكستان والمطلّة علي مياه الخليج الدافئة. هنا تسكن أقلية إيرانية سوداء (بقايا عبيد الاستعمار البرتغالي) في بلدة طينية مغبرّة فقيرة، تشبه إلي حد بعيد حي قدّور بك في القامشلي، مسقط رأسي في الجزيرة السورية، والتي غادرتها منذ ربع قرن.القصة تدور حول الشاب نافذ الذي يحلم بايجاد وظيفة كمدرس للأدب الإيراني، والزواج من فتاة أحلامه ماروخ. كل هذا في قالب عبثي، وبأحداث كوميدية، جعلها المخرج سائغة، إن أخذنا في الحسبان أداء الممثلين (كلهم هواة يشاركون لأول مرة في فيلم). فيلم ايكولوجي مئة بالمئة.الحياة الصامتة للصيني جيا زانغ كي (مواليد 1970) تحفة سينمائية اخري من إحدي أعظم سينمات العالم (حصل علي جائزة الدب الذهبي في مهرجان البندقية العام الماضي).عن اثنين يبحثان عن شريكهما، إثر بناء سد نهر يانغ تزي، وتشريد أكثر من مليون ونصف مليون صيني من بيوتهم، بعد أن غمرت مياه السد مدنهم وقراهم.أخيراً، تجدر الإشارة إلي أن الفيلم الاسترالي المذكور أعلاه حاز جائزة الجمهور. وهذا يعني أنه سيُستورد ويُوزع رسمياً وسيُعرض في دور السينما خلال الأشهر القليلة القادمة.والجائزة الثانية التي تمنحها القناة التلفزيونية الفرنسية TV5 (بشخص مديرها في الدانمارك سليم علاوي-من أصل تونسي) ذهبت إلي الفيلم النرويجي التكرار .ناقد سوري مقيم في الدانمارك