فيلم بلديون : شاعرية الحرب واحلام المجد والحرية المتحطمة في جبال الالزاس قصة المنسيين من المغاربة الذين دافعوا عن الجمهورية وقاتلوا من اجل حريتها ونسيتهم فرنسا

حجم الخط
0

فيلم بلديون : شاعرية الحرب واحلام المجد والحرية المتحطمة في جبال الالزاس قصة المنسيين من المغاربة الذين دافعوا عن الجمهورية وقاتلوا من اجل حريتها ونسيتهم فرنسا

ابراهيم درويشفيلم بلديون : شاعرية الحرب واحلام المجد والحرية المتحطمة في جبال الالزاس قصة المنسيين من المغاربة الذين دافعوا عن الجمهورية وقاتلوا من اجل حريتها ونسيتهم فرنساذهب الفرنسيون يوم امس الاحد الي صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد لهم خلفا لجاك شيراك والمعركة علي ما يبدو ستكون بين اليمين واليسار وبين سيغوني رويال ونيكولاي ساركوزي، وفي قلب المعركة الانتخابية هناك المواطنون الفرنسيون من اصول مغاربية وافريقية والذين يزيد عددهم عن ثلاثة ملايين غالبيتهم مسلمون، حيث يتم وعدهم كعادة الاحزاب في اثناء الحملة الانتخابية بالوعود الكثيرة ثم ينساهم المنتصرون، ليعود ابناء المهاجرين الي احيائهم المكتظة بالعاطلين عن العمل. ومع موعد بدء الحملة الانتخابية الفرنسية بدأت في لندن والعالم الناطق بالانكليزية عروض فيلم فرنسي عنوانه الاصلي بالفرنسية بلديون (Indigڈnes ) وترجم للانكليزية الي ايام المجد وفي المشاهد قبل الاخيرة من الفيلم الذي اخرجه رشيد بوشارب ونال الكثير من الجوائز الفنية ورشح كذلك لاكثر من جائزة تقوم فرقة من الجزائريين والمغاربة بالدفاع حتي الموت عن بلدة فرنسية في جبال الالزاس ضد النازيين الالمان وتخسر جميع رجالها باستثناء قائدها الحالم بالترفيع والاعتراف وعندما تحضر فرقة الاسناد الفرنسية يحاول عبدالقادر (سامي بوعجيلة) تذكير القائد بوعده وبما قام به الا ان الجنرال يتجاوزه وكأنه لا يعرفه لينضم لفرقة اخري بنفس الرتبة عريف التي كان يحملها عندما انضم الي الجيش الفرنسي تحت شعار الدفاع عن فرنسا الام ضد النازية الالمانية. فيلم بلديون هو فيلم حرب مؤثر لانه عن الخيانة وعن تلاشي الوعود وعن العنصرية التي كان علي المتطوعين المسلمين في معظمهم في الجيش الفرنسي معاناتها من قوادهم. انه عن خيبات ابناء المستعمرات بالام فرنسا اثناء الحرب وبعدها. والفيلم هو عن بطولة الرجال الذين نذروا انفسهم وارواحهم للقتال وقاتلوا بشجاعة وبوطنية لم تشبها شائبة عن الام/ فرنسا ولم تعترف بهم الجمهورية فيما بعد، مع انهم لبسوا زيها وهتفوا بنشيدها الوطني. وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد شاهد الفيلم وقيل انه تأثر به وامر باعادة رواتب التقاعد التي قطعتها الحكومات المتعاقبة عن المحاربين القدماء من ابناء المستعمرات. هذه واحدة من الاشياء التي يقوم فيها مخرج الفيلم بالتأثير علي الاحداث ولكن صدمة الفيلم ليست في هذا ولا في مشاهد الحرب المعدة بدقة، ولكن في التفاصيل والهموم الانسانية التي تجمع المقاتلين من اجل الجمهورية، وقد قام بوشارب الذي كتب النص مع اوليفيه لوريل بتقديم فيلم خال من الايديولوجيا، ولا يبشر باخلاقية مباشرة، حيث ترك القصة تقدم نفسها من خلال طموحات وامال الشبان الاربعة او الخمسة الذين يشكلون حبكة الفيلم ومن هنا فصدمته علي المشاهد تظل لايام لان طعم الخيانة حاد. احيانا يبدو الفيلم يسير نحو منحدر نهائي في السرد لكي تتكشف لنا اشياء جديدة، واشياء نعيد اكتشافها بعد ايام من المشاهدة. زمن الفيلم هو الحرب العالمية الثانية في سنواتها الاخيرة، وجبهاتها اوروبية، في ايطاليا وفرنسا، عندما يتطوع مقاتلون من قري بعيدة في الجزائر والمغرب في الجيش الفرنسي، يخرجون من قراهم لا يعرفون شيئا عن فظاعة الحرب والحياة التي تنتظرهم سواء داخل المؤسسة العسكرية او خارجها. الجنود العرب والبربر والافارقة ينتظمون في الفرقة الافريقية التي ترسل للجبهات في اوروبا لمواجهة النازيين اثناء الحرب العالمية الثانية وشيئا فشيئا نتعرف علي رجال الفرقة الذين شكلوا علاقات جيدة وواصلوا القتال حتي النهاية، نتعرف علي سعيد (جمال دبوز) الذي يقرر الانخراط في الحرب ضد ارادة امه التي تقول له ان جده ذهب للحرب ولم يعد ولن تتحمل ان يذهب وحيدها الي الجبهة ولن يعود. سعيد يذهب للمعركة لاثبات رجولته ولكن بلا سلاح، فهو لا يعرف القراءة او الكتابة ولم يعرف العالم خارج حدود قريته البعيدة. يفتتح فيلم بوشارب علي مشهدين الاول مشهد إمام القرية او شيخها وهو يردد دعاية فرنسا ويستحث ابناء القرية للنهوض والدفاع عن فرنسا ضد النازية، يغلق هذا المشهد علي سعيد في السيارة العسكرية مع عدد آخر من المتطوعين، ثم ينتقل الفيلم لمشهد آخر في المغرب قائد فرنسي يستحث مقاتلين بربر من اجل الدفاع عن فرنسا واظهار شجاعتهم المعروفة بين ابناء القبائل البربرية، ثم بعدها ننتقل الي معسكرات التدريب بانضباطها وقسوتها حيث يكتشف المتطوعون شيئا فشيئا خيبة الامل والوعود داخل هذه المؤسسة العسكرية التي تحاول كبت كل المشاعر الانسانية، نتعرف علي مسؤول تعبئة الافراد الكابتن روجر مارتينز (برنارد بلانشان ) الذي تخفي تجاعيد وجههة سنوات طويلة من الحرب حزنا مخفيا وعواطف مكبوتة، ربما لطول الابتعاد عن العائلة ولكن وجهه يحمل كل ملامح الرجل الاستعماري الذي نعرفه، فهو موزع بين الاعجاب والاحتقار للمقاتلين غير الفرنسيين الذين لا يفتأون يتحدثون عن الجمهورية وعن قيم الثورة الفرنسية. نتعرف بالاضافة الي سعيد الي عبدالقادر، الشاب الطامح الذي يؤمن بسذاجة ان كفاءته في المعركة كافية لتكريمه وترفيعه ولهذا يحاول تثقيف نفسه امام نظرات مارتينز الساخرة، وهنا مسعود سوني (رشدي زيم) الذي يقع في حب فرنسية ايرين (اوريلي ايلفيت) في مارسيل ويتواعد معها علي الوفاء، وتبدو الفتاة صادقة وبطلنا العربي صادقا حيث يحاول مرة الهروب من المعسكر والالتحاق بحبيبته ولكن العلاقة بينهما تقع ضحية البيروقراطية والعنصرية داخل الجيش التي تقوم برقابة كل الرسائل المتبادلة بينهما وتحظر ارسالها ويعيش مسعود موزعا بين الامل والشك في نوايا حبيبته الفرنسية، في الوقت الذي تواصل فيه ايرين انتظارها وبحثها عن مسعود وتذهب الي مركز الكتيبة لتسأل عنه، ولكن لا مجيب، في الوقت الذي يقوم فيه مسعود كلما حن لها باخراج صورتها من خوذته والنظر اليها، قصة مسعود هي عن الحب المستحيل واللقاء الذي لن يتم بين الجمهورية وابناء المستعمرات.عبدالقادر المثقف والمؤدلج الذي يصبح صوت الرفض داخل الفرقة لانه يتعرف بسبب معرفته علي العنصرية داخل الجيش، وشخصية عبدالقادر معقدة فهي موزعة بين كره الممارسات الفرنسية في بلاده وايمانه الساذج بعدالة النظام الفرنسي وامله بان الجيش سيكرمه ولا شك في وطنيته، كما ان منطق عبد القادر هو انه لا يريد العودة الي بلاده بدون انجاز ومن هنا في المعركة الاخيرة وبعد ان اتضحت الصورة الفرنسية يقود عبدالقادر ما تبقي من الفرقة في معركة مستحيلة في سبيل المجد، ولكنه يكتشف متأخرا عبث المحاولة وزيف الوعود بعد ان يشاهد كل جنوده يتساقطون واحدا بعد الاخر بشجاعة لا مثيل لها، اربعة رجال يدخلون قرية مهجورة او اختبأ سكانها في الملاجئ فيما تبدو اثار الدمار والجثث المحترقة واضحة في كل مكان يقومون بتأمين القرية لحين وصول الامدادات والدعم من الجنود ويقاتلون بشراسة وبطولة، وللاسف تضحياتهم تذهب بلاش .هناك ايضا ياسر (سامي ناصري) واخوه العربي (اسعد بوعاب) حيث يقومان بتشليح الجنود الالمان القتلي من اشيائهم الثمينة، وبيعها للفرنسيين، ولكن هذا لا يعني انهم غير منضبطين، فعندما يدخل مع شقيقه العربي كنيسة مهجورة يفتح العربي صندوق التبرعات لكي ينهب ما فيه عندها يوقفه ياسر مقسما ان ما يقوم بعمله لا يجوز وانه حرام. ياسر الفلاح البربري همه من التطوع هو جمع ما يكفي من المال لتزويج شقيقه العربي الذي تطوع هو الاخر. لكن الحلم ينهار عندما يقتل العربي في الفخ الذين نصبه الالمان للكتيبة التي كانت في طريقها لتأمين بلدة في الالزاس ومن هنا فان مواصلته المعركة حتي النهاية كانت انتحارا او صورة عن نهاية الحلم. يتم ارسال المتطوعين اولا الي ايطاليا حيث يواجهون الحرب والموت لاول مرة، نصيحة مارتينز للجنود الجدد خاصة عبدالقادر انه في وجه الاخطار اشعل سيجارة وفي دقائق تنجلي الازمة، عبدالقادر يعمل بنصيحة الكابتن ويتغلب علي الخوف فيما يقوم سعيد برمي عبوة متفجرة في قلب الجنود الالمان ولكن عمله البطولي يوشك علي الموت عندما يشتبك مع جندي الماني ويخسر يده ولكن الكابتن مارتينز ينقذه عندما يقتل الجندي، عندها يشعر سعيد الطيب انه مدين بحياته الي الكابتن وتبدأ علاقة غير مريحة للجميع بين سعيد ومارتينزـ حيث يصبح تابعه وخادمه، وامام غضب وعدم ارتياح رفاقه يواصل سعيد خدمته لمارتينزـ ويصبح موضوعا للتندر بين زملائه في الباراكس، ويصبحون ينادونه بـ ( عويشة)، اي المرأة في تلميح لعلاقة شاذة بينه وبين مارتينزـ الاحتقان يصل درجته عندما يعيره مسعود فيرد سعيد محاولا قتله،لولا تدخل عبدالقادر/ مشهد مشحون بالترقب والخوف صوره بوشارب بشكل جميل ومتقن، لم تثمر محاولات عبدالقادر لايقاظ سعيد من سباته وعلاقته مع مارتينز، ولا يفلح بان يدفعه للتعليم، حتي عندما يحتج عبدالقادر امام مارتينز قائلا انه بحسب دليل الجيش الفرنسي فانه يجب تعليم كل الجنود القراءة والكتابة، وعندها ينظر مارتينز لسعيد الذي كان يحمل المرآة له كي يحلق ذقنه ان كان يرغب في التعلم، فيجيب مترددا بلا، امام احباط عبد القادر. سعيد المسحور بسيده يعثر في جيب سترة مارتينز علي صورتجمعه مع امه، وفي لحظة صفاء وبعد ترفيع مارتينز يكشف سعيد انهما متشابهان خاصة ان صورة والدة مارتينز تشبه كثيرا صورة امه في القرية الجزائرية ـ وعندها يغضب مارتينز ويقذف به خارج مكتبه، لأنه تجرأ علي طرح فكرة وجود مشابهة بين امه وام مارتينزـ عندها يكتشف خداع اللحظة ويكتشف انه لم يكن في الحقيقة الا تابعا، مشاعر الحب والاحترام تتحول الي حقد وغضب وعندما يصاب مارتينز في الجبهة وينقل الي بيت للعلاج يدخل عليه سعيد ويقول له بعربية واضحة انه يتمني له الموت غدا، ولكن سعيد يموت الي جانب قائده وهو يحاول انقاذه. صاروخ يخترق البيت ويحيله ركاما ويدفن تحت انقاضه سعيد ومارتينز. هناك الكثير من الجنود المجهولين الذين لم يندفعوا للدفاع عن فرنسا بل من اجل تحسين احوالهم. سعيد شخصية مثيرة، فهو مثل الطفل، لا يفتأ يتحدث عن وطنه/ فرنسا، ولكنه يخلط بين الوطن الافتراضي هذا والوطن الحقيقي، فعندما يصلون الي فرنسا يقوم سعيد بحمل حفنة من تراب فرنسا ويشمه، كما يشم ورقة زيتون ليقول لرفاقه ان تراب وطنه الجزائر اجمل.سعيد بعد عودته من الجبهة الي الريف، والاحتفال الذي اعد لاستقبالهم يقوم بحكاية بطولاته لفتاة فرنسية قائلا ان شجاعته انقذت فرنسا الام مع انه لم يرها من قبل حررت البلد، انها بلدي مع اني لم ارها من قبل ، هذا هو السؤال الكبير الذي يطرحه فيلم بوشارب، ماذا يعني ان تنتمي لبلد يشعرك الاخرون انك لا تنتمي لهم.فيلم بوشارب استثنائي من ناحية انه لا يكتفي بتصوير رحلة مجموعة من الجنود المسلمين في الاعوام الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، بل من ناحية مناقشته لفكرة كيف ان تكون وطنيا في المعني الحقيقي للكلمة وان تكون مواطنا في فرنسا، والفيلم يكشف عن مدي التوتر والتناقض بين المفهومين، حيث يقودنا الفيلم لاكتشاف الحقيقة المرة والفارق بين الممارسة والشعار. وقد نجح المخرج بتقديم حكاية المنسيين من مقاتلي الحرب العالمية الثانية المغاربة، وهو هنا قائم علي حقائق معروفة مع ان ابطاله خياليون باستثناء شخصية واحدة قابلها المخرج، فهو قص الحكاية بدون ان يقع في شرك الاخلاقية او الخطابية. شاعرية الفيلم لا تنبع من قدرة المخرج علي تصميم مشاهد المعارك ولكن لحظاتها وهو هنا يقدم مجموعة من المعارك والمواجهات بطريقة واثقة وعين مفتوحة علي التفاصيل، فهو هنا يظهر الجنود الافارقة وهم متعبون يشعرون بالبرد، حيث نري ياسر يقف لكي يدفيء قدم اخيه، وفي مشهد ساخر، يقوم الالمان برمي المنشورات التي تدعو الجنود الافارقة للهرب من المعسكر والانضمام للالمان حيث الدفء والطعام والراحة، وعندما يمسك سعيد الامي بالورقة لا يعرف ما فيها ويعطيها لعبدالقادر الذي يقرأها ثم يدعكها بيده ويرميها، وبعدها يقوم سعيد بالتقاطها وحشوها في ثقب كبير في بسطاره العسكري. كما ان عبد القادر يقدم لنا صورة عن الرجل المسكون بحس الواجب ولكنه غير قادر علي تحمل الظلم وفي مشهد جميل عندما يطلب جندي افريقي ان ينال مع طعامه حبة بندورة يمنع لانه البندورة هي للفرنسيين عندها يقوم عبدالقادر بالتصدي للوضع ويقاتل نيابة عن الجنود ويحصل لهم علي حقهم من البندورة ومشهده عندما يأخذ صندوق الطماطم ويدعسه بقدمه مشهد جميل لا ينسي من الفيلم. عبدالقادر هو الناجي الوحيد من المعركة في الالزاس نراه بعد ستين عاما يزور قبور اصدقائه هناك ويعود الي بيته الذي يشير الي انه ظل عريفا ولم يترفع في الجيش علي الرغم من وعود القادة الفرنسيين له ولمجموعته، ونعرف ان عبد القادر لم يرفع بل حرم مع الكثيرين من راتبهم التقاعدي، طريق المجد، لم يقد الكثيرين الي القبر بل الي الخيانة/ خيانة الام فرنسا لابطالها. خاصة ان جنرالا فرنسيا شاهد قتال الافارقة في اول مهمة لهم في ايطاليا وهم يزرعون علم فرنسا، وامر صحافيا لالتقاط صورة قائلا له ان يكتب انه اول انتصار لفرنسا منذ عام 1940، صدق الافارقة انفسهم وواصلوا تحرير مدن فرنسا، واخيرا قاموا بمهمتهم الاخيرة لتخفيف الضغط عن كتيبة امريكية في الالزاس، فلم يحصدوا الا الهشيم ..رشح الفيلم لاكثر من جائزة في مهرجان كان، حيث فاز فريق التمثيل بجائزة احسن ممثل العام الماضي، وفي ترشيحات الاوسكار، حيث رشح لجائزة احسن فيلم اجنبي.بوشارب المخرج الفرنسي من اصول جزائرية ليس اول من عالج فكرة المقاتلين الافارقة دفاعا عن الجمهورية، فقد قام المخرج السنغالي عثماني صنبين بتقديم الموضوع عام 1987 في فيلمه المعروف كامب ثيوري ، حيث قدم مذبحة مجموعة من السنغاليين الجنود علي يد الفرنسيين الثائرين وذلك في معسكرهم قرب دكار، قبل نهاية الحرب العالمية بفترة قصيرة.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية