الصين: نجمة مضيئة في سماء المشرق
بسام الكعبيالصين: نجمة مضيئة في سماء المشرقفي الثاني عشر من نيسان (ابريل) عام 1961 نظر أول رائد فضاء بشري علي وجه الأرض، السوفييتي يوري غاغارين، من مركبته فوستوك نحو كوكبنا الأزرق سابحاً في الفضاء مرددا بصوت عال لذاته: منظر مدهش وجميل، يبدو البشر موحدين من خارجه لكنهم يتصارعون علي سطحه مع أنهم يستحقون السلام . واعترف غاغارين أنه رأي بعينه المجردة سور الصين العظيم يمتد طويلا في البلاد الواسعة.. استعادت ذاكرتي كلمات غاغارين مترابطة مع شريط حادث مقتله بطائرة نفاثة بعد سبع سنوات من هبوطه علي سطح القمر وقبل تجاوزه سن الأربعين.علي السور وقفت بجوار مجموعة من زملائي الصحافيين قرب قلعة عملاقة تحتل حيزاً في عرضه الواسع.. زميل اعلامي مخضرم استبد به الحنين للبلاد التي يعرفها جيدا في زياراته القديمة المتكررة التي بدأت منذ مطلع الستينات، انتزع قميصه العلوي تحت درجات حرارة متدنية شهدها منتصف آذار (مارس) مشيراً الي التقاط صور فوتوغرافية لعضلات مرنة فوق صخر صلب صارخاً: من سور الصين تحيا فلسطين .وعلي مشهد من عدسات الكاميرا التي احتجزت السور العظيم، احتفي كل منا بطقوسه الخاصة وحصدنا سريعاً بعدسات الديجيتال المعلقة بأصابعنا صوراً تصيغ احتفالية بإحدي عجائب الدنيا السبع التي تقترب من المعجزة. قطعتُ مع الزملاء نحو تسعين كيلومترا شمال بكين، لأشهد مقطعاً صغيرا جدا من السور، لقد تهاوت أبصارنا علي مدرجاته الواسعة مكتشفين مدي جبروته.. شاهدناه عملاقاً يصعد سلسلة من الجبال الضخمة ويتلوي كثعبان مريع ترتاح علي ظهره قلاع وثكنات ضخمة لمرابطة الجنود وصد الغزاة، فيما تصطف القلاع متجاورة تبعد كل واحدة عن الأخري أقل من مئتي متر. في اللحظة التي هوي فيها نظري تدقيقاً بالمكان اعتراني صمت مقدس يجتاحني في المعابد التاريخية القديمة تقديرا لارادة الانسان الفولاذية في تشييدها واحتراماً لقدرته العجيبة باضافة لمساته الفنية المبدعة ليحولها سحراً من القدسية. في سري حمدتُ الخالق المتسامح العالي أن السور العظيم لم يسقط بقبضة منظمة طالبان الأفغانية حتي يتجنب مصير ثماثيل بوذا العريقة في مدينة باميان شرق أفغانستان، فقد نالت شرف الاعدام بالقذائف منذ سنوات قليلة تحت حجج واهية مع أنها منحوتة في الصخور منذ ثلاثة آلاف عام.. هل يُعقل أن تتم محاسبة الانتاج التاريخي للبشرية وتراكم حضارته الانسانية بأثر رجعي؟ كيف تتسني لنا رؤية السور هائل العظمة لو جرت محاسبته وفق رؤي بائدة؟ علي سور الصين حاولت جهدي استعادة المشهد الخاص لرائد الفضاء غاغارين وهو ينظر بأول عينين بشريتين نحو كوكب الأرض مدققاً في امتداد السور الهائل ومعلناً: سور الصين المَعلَم الوحيد الذي التقطته عيني بتجرد . أعاد الزملاء تركيب التعبير الشهير الذي أطلقه رائد الفضاء وتخاطفته وكالات الانباء فعلق أحدهم ضاحكاً: غاغارين كان يمتلك بصراً حاداً والمسألة لا علاقة لها بحجم السور ومدي امتداده في الأرض، لماذا لا نري الآن سورا في القمر؟..ضحكنا عالياً ثم واصلنا صمتنا مبهورين بالحجارة التاريخية الضخمة تعتلي الجبال المرتفعة.عراقة التاريخيمتد السور أكثر من خمسة آلاف كيلومتر في الأراضي التي تعبر شمال الصين وبارتفاع لا يتجاوز عشرة أمتار، ويبلغ أوسع عرض له نحو خمسة وسبعين مترا وأضيق عرض لا يقل عن ثمانية أمتار، وقد أنجزه الامبراطور تشين شي هوانغ قبل أكثر من ألفي عام بزمن قياسي لم يتجاوز السنوات العشر عندما أمر بتشغيل نحو ثلاثمئة ألف عامل علي مدار الساعة حتي نجح في خلق ترابط لأجزاء السور المقطع في الدويلات الست المتحاربة وقد وحدها بالقوة تحت زعامته عام 221 قبل الميلاد بعد حروب طويلة بين أمراء العائلات المسيطرة بعد نزاع دموي تواصل علي مدي 250 عاما. حكم الامبراطور هوانغ البلاد أقل من أربعين عاما مؤسساً أول دولة اقطاعية مركزية موحدة ومتعددة القوميات في تاريخ الصين، ووحد الامبراطور اللغة المكتوبة والمقاييس والنقد وأقام نظام المحافظات والولايات، وقد صمد هيكل الدولة الاقطاعية الذي أسسه نحو ألفي عام. بدأ وهو علي قيد الحياة ببناء المقبرة الضخمة الحجم بحراسة ثمانية آلاف مقاتل من الصلصال الرمادي بكامل عتادهم وسلاحهم وخيولهم، واهتز العالم عام 1974 في أعقاب كشف النقاب عن تماثيل الجنود والخيول التي كانت مغمورة تحت الرمال وسجلتها مؤسسات الآثار العالمية باعتبارها العجيبة الكونية الثامنة.تمتلك الصين اضافة إلي السور العظيم ثروة هائلة من المواقع العالمية والمعابد والحدائق والجبال التاريخية أبرزها قصر الامبراطور والمعبد السماوي، قصور وقبور الأباطرة وكهوف لونغمن الصخرية التي تضم نحو 2300 كهف وتماثيل عملاقة لبوذا و110 آلاف صورة له و2800 منحوتة من الكهوف تمتد كيلو مترا واحدا علي شاطئ نهر بيشوي، والقري العريقة في جنوب مقاطعة آنهوي، الحي التاريخي في مكاو، معبد كونفوشيوس ومقر اسرته ومقبرة عائلته، تمثال بوذا الحجري العملاق في جبل لهشان، جبال لوشان والمصيف الجبلي الامبراطوري وغيرها الكثير.. وتشكلت كل هذه الثروات الحضارية علي مدار خمسة آلاف عام، فقد ظهرت أول أسرة ملكية في تاريخ البلاد قبل ألفي عام من الميلاد، ثم ظهرت أسرة شانغ وأسرة تشو اللتان طورتا نظام العبودية تلاهما عصر الممالك المتحاربة. خلال هذه الفترة تم استخدام الأدوات الحديدية وتطورت صناعة الفخار والنسيج. طورت أسرة هان الزراعة والحرف اليدوية والتجارة وافتتحت طريق الحرير البري الشهير الممتد من قلب الصين عابرا الجسر الخشبي الطويل المعلق إلي الساحل الشرقي للبحر المتوسط ثم إلي أوروبا لنقل المنسوجات الصينية باتجاه الغرب دون انقطاع علي مدار العام. توالت الأسر الاقطاعية الحاكمة: تانغ، سونغ، يوان، مينغ وتشينغ علي اخضاع البلاد حتي أطاحت ثورة 1911 بالنظام الامبراطوري الذي تواصل ألفي عام، وتم تأسيس جمهورية الصين. في الرابع من ايار (مايو) عام 1919 شن الطلاب حركة مقاومة احتجاجاً علي المعاهدات غير المتكافئة التي فرضت علي البلاد بعد الحرب العالمية الأولي، وبدأت أفكار جديدة تجتاح الصين أبرزها الماركسية ـ اللينينية التي جذبت قادة الحركة الطلابية. عام 1921 عقد ماو تسي تونغ بمشاركة مندوبين للمجموعات الشيوعية المؤتمر الوطني الأول في مدينة شانغهاي وتم اعلان الحزب الشيوعي الصيني. مرّ كفاح الحزب الشيوعي بأربع مراحل: حرب الحملة الشمالية، حرب الثورة الزراعية، حرب المقاومة ضد اليابان، والحرب الأهلية ضد الكومنتيانغ. انتصر الحزب الشيوعي في جميع حروبه وأعلن في الأول من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1949 جمهورية الصين الشعبية وتم تنصيب ماوتسي تونغ أول رئيس للجمهورية.لقاءات قيّمةاستغرقتنا الرحلة ساعتين من مطار عمان الدولي حتي المطار الصاخب المكتظ بالحركة في العاصمة القطرية الدوحة، وقطعنا مسافة قدرها نحو 1750 كيلو مترا تمددت بين العاصمتين العربيتين. مطار الدوحة محطة اجبارية للمغادر نحو المشرق، ويبدو مزدحما بحركة طائرات مدنية كثيفة ومسافرين تدمغهم الملامح الاسيوية.. قضينا ست ساعات بانتظار طائرتنا نحو بكين التي غادرت مع الساعات الأولي للفجر وقطعت أكثر من ستة آلاف كيلومتر في غضون ثماني ساعات وعلي ارتفاع شاهق تجاوز أحد عشر ألف متر. اهتزت القطرية مرارا في السماء ورقصت بدوائر المطبات الهوائية كمن تؤدي رقصة موت سماوية بمواجهة أشباح يطرقون جدرانها الصلبة..هل يجد المسافر قبرا علي الأرض إذا انتصرت المطبات علي المحركات التقنية؟ قاومت القطرية بهدوء مسارات الطرق المعلقة واجتازت متماسكة مسلكها المعتاد إلي مطار بكين الدولي.في مقر الجمعية الصينية للشؤون الخارجية التقينا رئيس الجمعية يانغ ويتشانغ ونائبه لو بلاي ونخبة من قدامي السفراء والأكاديميين، وتبادل المشاركون حديثاً طويلا حول قضايا الشرق الأوسط تتمركز فيها القضية الفلسطينية، فيما أبدعت الصبية اليافعة الصينية مي بترجماتها الذكية بين اللغتين العربية والصينية. أكد جميع المتحدثين أن حل القضية الفلسطينية مفتاح الهدوء والاستقرار للشرق الأوسط، وركز المتحدثون الصينيون علي أهمية التماسك الداخلي الفلسطيني في مواجهة المحتل معلنين تأييدهم لاتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس ومؤكدين أن علاقتهم السياسية بحكومات اسرائيل ليست علي حساب قضية شعب فلسطين.في غضون يومين جرت لقاءات رسمية عديدة أبرزها حوار خاطف لنائب وزير الخارجية تشاي جيون الذي عبر عن سعادته لقيامه بالترجمة الفورية أكثر من عشر مرات للرئيس الراحل ياسر عرفات لدي قيامه بزيارته الصين نحو خمس عشرة مرة، وأبدي استعداد بلاده للمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. مدير مكتب الاعلام الحكومي جيانغ ويغيانغ فتح النار بشدة علي الاعلام الغربي واتهمه بالتحيز ومعاداة النموذج الديمقراطي في الصين قائلا: ان الديمقراطية التي لا تتطابق مع المواصفات الغربية ليست موقع ترحيب غربي! وشرح باسهاب دور مكتبه الحكومي في متابعة القضايا الدولية وبذل جهد كبير لشرح السياسات الصينية للقراء والمشاهدين والمستمعين في العالم. وعرض أيضا مجموعة من الخبراء الصينيين وجهات نظرهم في قضايا الشرق الأوسط والصراع الذي يهدد المنطقة.في السفارة الفلسطينية كانت خاتمة لقاءات بكين، فقد نظم السفير دياب اللوح حفل عشاء علي شرف الوفد بحضور عميد السلك الدبلوماسي العربي السفير السوري محمد الوادي وكذلك مجموعة من أنصار فلسطين، وتبادل المدعوون قضايا الساعة مشددين علي أهمية حل عادل للقضية الفلسطينية لضمان الأمن والسلام في المشرق.. وتناول الحضور وجبة عشاء بمذاق فلسطيني.شانغهاي.. طريق العودةغادرنا بكين علي متن الخطوط الجوية الصينية في طريقنا إلي شانغهاي شرق البلاد، وصلنا المدينة الضخمة بعد ساعتين من الطيران. تتمدد المدينة علي نهر اليانغتسي الشهير الذي شهد حرب الأفيون في أعقاب قيام القوات البريطانية بنقل كميات ضخمة منه إلي البلاد منذ العام 1840 في فترة سيطرة أسرة تشينغ منذ بداية القرن التاسع عشر علي البلاد رغم محاولاتها حظر انتشار المخدر القاتل بين صفوف الشعب الصيني، لكن الحكومة البريطانية شنت حرباً عدوانية ضد الصين من أجل حماية تجارة الأفيون، واضطرت أسرة تشينغ في النهاية الي توقيع معاهدة نانجينغ التي مسّت بسيادة الصين وجرحت كرامة الأمة، ثم توالت معاهدات غير متكافئة فرضتها بريطانيا وروسيا وفرنسا واليابان حتي تحولت الصين تدريجياً إلي مجتمع شبه مستعمر وشبه اقطاعي. وفر هذا المناخ الطريق لاندلاع ثورة صن يان صن عام 1911. شانغهاي تعني باللغة الصينية: فوق البحر وهي أكبر مدينة في البلاد من حيث عدد السكان وتتشكل من ثلاث مدن متداخلة: المدينة الغربية الطراز والمدينة الصينية والضواحي ويعيش فيها نحو 17 مليون نسمة، وتعتبر العاصمة الاقتصادية بامتياز، تعج بالحركة والأسواق والسياحة وناطحات السحب، وللمدينة مكانتها التاريخية في الصين..غادرنا مطار المدينة علي عجل باتجاه الدوحة، وقطعنا احدي عشرة ساعة من الطيران المنهك..انتظرنا قليلا في مطار الدوحة وتابعت اجبارياً الطريق من عمان إلي معبر الكرامة..في طريق العودة استعادت ذاكرتي بيسر وهدوء الحديث النبوي المأثور عن النبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام اطلب العلم ولو في الصين .. صدق الرسول العربي.كاتب من فلسطينQMK0