الفن والإعلام ومراقبة السياسة: الناس علي دين فنانيهم.. لكن أي فنانين؟!
هويدا طهالفن والإعلام ومراقبة السياسة: الناس علي دين فنانيهم.. لكن أي فنانين؟!كما يوجد مفتي السلطان ومفتي الناس.. يوجد أيضا فنان الحكومة وفنان الشعب، في الفترة الأخيرة تابعنا كيف أن فنانا مشهورا ذائع الصيت مثل عادل إمام كان يقوم بدور المروج ـ بشكل فيه من الرخص الكثير ـ للتعديلات الدستورية التي ارتكبها النظام في مصر ضد شعبه، وفي المقابل كان هناك فنانون (مناوئون) لتلك التعديلات آخذين في ذلك النهج صف المعارضة لتعديلات هستورية للدستور ستكون إحدي نتائجها.. إحالة المدنيين إلي المحاكمات العسكرية، من أبرز هؤلاء الفنانين (المسيسين) المعارضين الفنان عبد العزيز مخيون، وهو ظاهرة تستحق النظر.. فقد أحبه الجمهور لنشاطه السياسي فأقبل علي فنه يشاهده (بحب)! بينما عادل إمام أحبه الناس لفنه ثم بدأوا (ينفرون) منه لنشاطه السياسي الداعم لحزب الحكومة عمال علي بطال!.. الغريب أن عادل إمام هو من أكثر الممثلين المصريين الذين أدوا في السينما المصرية دور (البطل الثوري) الذي يحث الناس علي التحرك والثورة لتغيير أوضاعهم.. باللسان في بعض الأفلام وباليد والسلاح في بعضها الآخر! بالطبع لا يستطيع أحد أن يطالب الفنان ـ الممثل بالذات ـ أن يكون في الحياة والواقع مماثلا للشخصيات المتنوعة التي يؤديها.. هذا مطلب غير منطقي بالطبع، لكن المقابلة بين مخيون وإمام هي في موقع كل منهما كناشط سياسي من طرفي المعادلة السياسية المتناقضين.. الحكومة والشعب.. دون تجاهل أنهما فنانان، هذا ما عبر عنه مخيون عندما كان ضيفا علي برنامج (مباشر مع) علي قناة الجزيرة مباشر.. الذي تقدمه المذيعة السمراء حلوة السمرة مني سلمان والتي تتميز عن نظيراتها بهذا (المخزون) من الوعي والثقافة.. فاجتمعت في الحلقة صورة لإعلامية واعية وفنان مخلص لجمهوره داخل وخارج الشاشة! قال مخيون إن وظيفة الفن (والإعلام أيضا) هي تقديم الحقيقة للناس لا خداعهم، وإن دور الفن الحقيقي أن يكشف الواقع ويحلله، ويكشف التاريخ ويسقطه علي الواقع لأن الفن بحسب تعبيره.. ذاكرة للناس، وقال إنه من خبرته في كل من الفن والنشاط السياسي أدرك أن الناس في الشارع لديهم (حس نقدي) أعلي حتي من النقاد.. ومن بعض الصحافيين الذين يروجون فيما يسمي (الصحافة الفنية) للفن الهابط المخادع والمخدر! المتصلون بالبرنامج من الجمهور كانوا من بلدان متعددة.. من الخليج إلي موريتانيا.. جميعهم كان يطلب من الفنان (دورا ما) دون أن يكون واضحا ما المطلوب منه بالضبط.. وهو ما التقطته المذيعة السمراء بسؤالها الذكي: بعد كل هذه الاتصالات ما زلنا نحاول تلمس الدور المطلوب بالضبط من الفنان.. ما هو؟ كانت إجابة مخيون أن الفنان واحد من ثلاثة اما متحالف مع السلطة أو متفرج أو مشارك في العمل السياسي.. علي الفنان أن يختار بينها، وعندما سألته مني عن هؤلاء الفنانين الذين يظهرون في مؤتمرات الحزب الحاكم ـ في إشارة إلي عادل إمام ـ كانت إجابة عبد العزيز مخيون الفنان الناشط سياسيا في الشارع وبين الجماهير.. إجابة (مهذبة)! فقد أشار إلي قدرة الناس علي التمييز بين مفتي السلطان ومفتي الناس بقوله: أنا أثق في الحاسة النقدية للناس.. الناس يمكنهم تمييز… خدم السلطة!ريموت كنترول(1) الأجمل من مشاهد حفل تنصيب الرئيس الموريتاني المنتخب.. كان مشهد العسكريين الموريتانيين وهم خارجون من مبني الحكومة ببزاتهم العسكرية وحقائب أوراقهم!.. الناس استقبلتهم بحب وهم (يخرجون)! ليس فقط الناس الموريتانيون.. وإنما المشهد كان يستحق الحب الذي لاقاه عسكريو موريتانيا من كل عربي تابع النقل الحي لصور هؤلاء الرجال.. وهم يتوقفون علي السلم لالتقاط صورة وهم خارجون من السلطة ـ سبحان الله ـ مبتسمين!.. في مشهد يوحي بأن موريتانيا يحل فيها عهد (قيادة جديدة وعبور للمستقبل)! ما بين القوسين كان شعارا في حملة مبارك الانتخابية في.. واقعة الانتخابات الرئاسية في مصر!2) منذ طفولتنا.. أنشبت بعض المصطلحات أظافرها في وعينا وذاكرتنا وصنعت موقفنا من العالم والحياة.. حتي أصبح سماعها في نشرات الأخبار أمرا عاديا يستدعي دون توضيح.. فلسطين والقضية الفلسطينية، اللاجئون الفلسطينيون.. قرار العودة.. المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ـ فرع فلسطين.. النازحون الفلسطينيون.. الشتات الفلسطيني.. الدول المجاورة.. الدول المضيفة.. الهوية الفلسطينية.. النكبة.. الانتفاضة الفلسطينية.. إلي آخره من مفردات كلما كبرنا وتقدمنا في العمر كبرت هي حتي صارت (فلسطين ومصطلحاتها) رمزا لعجز منطقة بكاملها ورمزا لنفاق عالم بكامله، الآن.. هناك جيل جديد من العرب تنشب مصطلحات جديدة أظافرها في وعيه.. اللاجئون العراقيون.. النازحون العراقيون.. الشتات العراقي.. الدول المجاورة.. الدول المضيفة.. قرار العودة.. المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ـ فرع العراق.. الهوية العراقية.. إلي آخره من مصطلحات ستكبر مع هذا الجيل.. حتي تصبح القضية العراقية رمزا جديدا لعجز منطقة بأكملها ورمزا إضافيا لنفاق عالم بأكمله.. لكل جيل نكبته.. هل تصير كل أمنيتنا الآن أن (يكتفي) جيلنا بنكبتين فقط.. قبل أن نرحل عن هذا العالم؟!3) هناك مؤتمرات تتميز بفوقية المشاركين فيها وابتعادهم عن (آلام الشارع).. لطالما كانت هذه المؤتمرات تعقد في كل المجالات الثقافية والسياسية والعلمية وغيرها دون أن يلم رجل الشارع بما دار فيها، الآن.. الفضائيات أتاحت لأمثالنا أن نعرف ولو شيئا يسيرا عن (مناوشات الكبار) في تلك المؤتمرات.. واحد من تلك المؤتمرات (مؤتمر الديمقراطية والتجارة الحرة) الذي عقد في الدوحة.. نقلت الجزيرة منه جزءا لطيفا للغاية.. كان (مناوشة) بين عمرو موسي (وهو الذي يكون خفيف الظل عندما لا يكون متحدثا باسم أي مؤسسة عربية.. سواء الخارجية المصرية أو الجامعة العربية) وجاك سترو وزير الخارجية البريطاني السابق.. كان سترو رافعا أنفه في عنان السماء مسترخيا راجعا بجسده إلي الوراء في مقعده وهو يمدح الديمقراطية.. ويعايرنا بقلة التربية الديمقراطية التي نتميز بها دونا عن العالمين فقال: (هل سمعتم عن حرب بين ديمقراطيتين؟) فما كان من عمرو موسي إلا أن التفت إليه محتجا وهو يبتسم وقال: لأ يا جاك.. خلينا نتناقش.. السؤال مش كده.. السؤال ألم تروا ديمقراطيات تعتدي علي دول أخري؟.. بتضربوا ليه الدول التانية؟!استئذان من القراء: هي دي مصر يا عبلة! هذه فقرة خاصة بيني وبينكم! من حين إلي آخر تحل علي الكاتب (الغيبة الصغري)! يغيب عن الكتابة لفترة ما قد تكون أسابيع أو شهورا.. إجازة أو ضغط عمل أو إكراه أو ما إلي ذلك.. الغيبة الكبري تأتي إما بالرحيل عن العالم أو بالإفلاس! خلينا أحسن في الغيبة الصغري! لأسابيع قادمة قد تحرمني بعض الظروف من هذا الالتحام الجميل بكم، لو عدت.. سيكون ذلك (أحلي الرجوع)! والمسألة أنه بعد أسبوع من الآن سوف يصدر عليّ حكم قضائي.. التهمة (الإساءة إلي سمعة مصر والإضرار بالأمن القومي للبلاد)! والجريمة (إعداد وإخراج فيلم وراء الشمس.. الذي يتناول شكوي المواطنين المصريين ـ بل أنين المواطنين المصريين ـ من سوء معاملة الشرطة)، عادة هناك عبارة محفوظة لا نملك إلا أن نرددها فليس مباحا البوح بغيرها في المناخ المصري، عبارة (نحن نثق في نزاهة القضاء المصري) أقول ليس متاحا البوح بغيرها! لكن عندما تكون في انتظار حكم قضائي خصمك فيه هو (جهاز أمن الدولة في مصر) فأنت لا محالة لا تملك إلا التعلق بأهداب (تلك النزاهة) ولو من باب (لعل وعسي)! أمن الدولة قد يكون ـ إعلاميا ـ وقع في شر أعماله حين فخخ لي هذه التهمة قبل أن ينتهي الفيلم ويعرض، هذا إعلاميا.. لكن السلطة في مصر لا تكترث كثيرا بالإعلام.. فهي تستمر في غيها ولا تخجل! وكثيرا ما سألت نفسي عن هذا الضابط الذي صنع هذه التهمة.. فيم كان يفكر حينها؟ بم كان يحلم؟ هل تأثر مثلا بفيلم (الصعود إلي الهاوية)؟ كان هذا الفيلم يروي (بطولة) ضابط أمن الدولة المصري الذي تتبع جاسوسة مصرية اسمها في الفيلم (عبلة) قبض عليها في دولة أوروبية وعاد بها إلي مصر.. وعندما أوشكت الطائرة علي الهبوط وتبدت ملامح القاهرة من نافذة الطائرة قال لها ـ البطل ـ وهو ينظر في عينيها وبنبرة لوم علي خيانتها للوطن (هي دي مصر يا عبلة)! ومنذ ذلك الفيلم فإن عبارة (هي دي مصر يا عبلة) ذهبت مثلا! فهل ظن هذا الضابط الذي صنع لي تهمة الإساءة إلي مصر والإضرار بالأمن القومي للبلاد ـ لا لأنني والعياذ بالله خنت مصر والموت لي إن فعلتها ـ وإنما لأنني حاولت أن أنقل بعض أنين المصريين.. هل كان المسكين يحلم مثلا أن الدنيا ستروي عن (بطولته الخارقة) وهو يضع الحديد في يدي قائلا: هي دي مصر يا عبلة؟!كاتبة من مصر