من يوقف تشظي الامة العربية من داخلها
د. سعيد الشهابي من يوقف تشظي الامة العربية من داخلهاالعنف الاعمي متي ينتهي؟ وهذا الاضطراب الفكري والسياسي الذي اصبح في السنوات الاخيرة ظاهرة ملازمة لعالمنا العربي والاسلامي الي اين سيوصل الامور؟ وهل يمكن ان تعقب العاصفة الهوجاء استقرار سياسي يضع الامة علي طريق النهضة والرقي؟ لا أحد يستطيع الاجابة علي اي من هذه التساؤلات بوضوح.فلا مجموعات العنف التي تمارس القتل والارهاب نجحت في اقناع الرأي العام بجدوي ما تمارسه في اقطار العالم الاسلامي من المغرب والجزائر غربا مرورا بالعراق وشبه القارة الهندية وصولا الي تايلاند والفلبين، ولا المجموعات التقليدية المعتدلة قادرة علي استعادة المبادرة السياسية والتربوية بعد ان قزمتها ظاهرة العنف الذي تمارسه المجموعات المتطرفة التي تتصدرها القاعدة ، ولا الانظمة العربية استطاعت سحب البساط من تحت تلك المجموعات بمشاريع سياسية اصلاحية حقيقية، ولا الامريكيون استطاعوا اقناع احد بشرعية وجودهم العسكري علي اراضي المسلمين، او مصداقيتهم في دعاواهم التي اطلقوها حول الاصلاح السياسي والديمقراطية في العالم العربي. الجميع اذن ليس في حيرة فحسب، بل في اضطراب تنظيمي وفكري يحول دون وضوح الرؤية، واستقامة النظرة. وثمة مباديء مهمة اصبحت ضحية هذه الضبابية وفي مقدمتها شرعية القتل العمد للآخرين. ويمكن القول ان هذه القضية تمثل جوهر الأزمة الفكرية التي تعصف بالامة، والحجر الاساس الذي تبني عليه ثقافة الاجيال القادمة في ما يتعلق بعلاقات اجزاء الامة في ما بينها، ومدي الالتزام بمبدأ حرمة دم المسلم علي المسلم. عندما ارتكب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي في مطلع هذا الشهر تفجيرات عديدة في الجزائر والمغرب، ارتفعت الاصوات المنددة بتلك الاعمال التي سقط فيها ضحايا ابرياء، ورسمت في اذهان الكثيرين صورة عما سيحدث فيما لو استمرت تلك الاعمال، واعادت الي الاذهان مشاهد القتل البشع في الجزائر في التسعينات، التي ذهب ضحيتها اكثر من 150 الفا من سكان القري والمدن. ومع ان آلة القتل تراجعت في السنوات الاخيرة، ولكنها لم تنته تماما، وما تزال ترتكب في انحاء متفرقة من الجزائر وتستهدف المسلحين من الشرطة والجنود، كما تستهدف الابرياء ايضا. الحوادث الاخيرة حركت مشاعر بعض الرموز والقيادات الدينية والسياسية. فانتقدت جماعة الاخوان المسلمين بمصر الانتحاريين الذين شنوا هجمات في المغرب والجزائر وطالبت أقرانهم بتوجيه طاقة المقاومة الي الولايات المتحدة واسرائيل. وقال المرشد العام للجماعة محمد مهدي عاكف لعل الصور الاجدر بالانتباه والبحث… هي تلك التفجيرات الاخيرة في المغرب والجزائر… هذا الشباب الذي قام بتفجير نفسه بدون هدف محدد أو غاية سامية يشير الي حالة من فقدان الرؤية وغياب الفهم وضياع الهدف . وأضاف يناشد الاخوان المسلمون هؤلاء أن يوجهوا طاقة المقاومة بكل الوسائل المتاحة الي العدو الحقيقي للامة. العدو الذي يحتل ويقتل وينتهك وينهب الخيرات. ذلك العدو القابع في القدس وبغداد وكابول . هذه الاعمال اعادت الي الاذهان تفجيرات الاردن قبل عامين. ففي التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 هزّت تفجيرات انتحارية ثلاثة فنادق في العاصمة عمان ما أسفر عن مصرع ستين شخصا، في عملية نفذّها ثلاثة عراقيين فيما ألقت السلطات الأردنية القبض علي امرأة عراقية كان مخططا لها أن تنسف نفسها لو لم يتعطل حزامها المفخخ. وكان جهاز المخابرات الأردنية قد فكّك عشر شبكات إرهابية مشتبه بها علي الأقل في إطار المواجهة مع أتباع زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الأردني الأصل أبو مصعب الزرقاوي ـ الذي أعلن مسؤوليته عن تفجيرات عمّان. جاءت تلك العمليات بعد سلسلة من التفجيرات في العام السابق في السعودية. وتواصلت اعمال العنف ضد اهداف في السعودية حتي مطلع هذا العام عندما قتل اربعة فرنسيين خلال المواجهات بين العناصر المسلحة وقوات الامن السعودية في الرياض. وليس معروفا بعد طبيعة استراتيجية تنظيم القاعدة ازاء السعودية. فبرغم فظاعة تلك العمليات، الا انها لا ترقي الي مستوي التحدي الخطير لأمن المملكة، فهل يعود ذلك الي كفاءة اجهزة الامن السعودية؟ ام لضعف تنظيم القاعدة فيها بعد سلسلة من المواجهات السابقة التي قضت علي رموز متقدمة في التنظيم؟ ام ان هناك تفاهما غير معلن بين القاعدة والحكومة السعودية يمنع استهداف المملكة؟ ام ان خطة التنظيم حاليا لا تستهدف السعودية لأسباب استراتيجية او تكتيكية؟ الامر المؤكد ان السعودية ستواجه صعوبات بالغة فيما لو أصبحت هدفا اساسيا لتنظيم القاعدة، ولن تكون أكثر حصانة من الجزائر او المغرب امام العمليات الانتحارية. الأمر الذي يمكن ملاحظته في سياق اعمال العنف التي يمارسها تنظيم القاعدة حالة الاضطراب لدي الاطراف الاخري، الدينية والسياسية تجاه تلك الاعمال. اول مصاديق هذا الاضطراب تتجلي في برنامج التنظيم، وهل انه يستهدف الوجود الاجنبي فقط؟ ام انه يستهدف الانظمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة؟ ام ان لديه اجندة طائفية تستهدف الشيعة كما هو الحال في العراق؟ ام ان اعمال الارهاب تقررها الاوضاع الامنية في البلدان العربية بحيث تستهدف المناطق الرخوة أمنيا وتستثني البلدان المتشددة في مجال الامن؟ ام ان التنظيم اصبح ضحية نهجه العسكري بحيث اصبح قادته مضطرين لممارسة العنف كوسيلة فاعلة لابقاء التنظيم متماسكا وفاعلا عن طريق استهداف جهات غير مستهدفة في الاساس وفق اجندته الاساسية؟ والا فما معني اعمال القتل التي ارتكبت في الاردن؟ وما الجدوي العسكرية للاعمال التي حدثت في المغرب والتي سقط فيها اكثر من ستين قتيلا من الابرياء؟ وفي سياق التفسير الطائفي والمذهبي، ماذا يعني الاستهداف اليومي للاحياء والمناطق الشيعية في العراق؟ وماذا يعني تدمير مسجد العسكريين في سامراء؟ ان من الصعب علي اي باحث او محلل ان يرسم من صور التدمير والقتل والهجمات الانتحارية نسقا واضحا وصورة متكاملة تعكس بشكل وثيق نمط التفكير الاستراتيجي لدي قادته ومخططيه. ثم ما جدوي اعمال الذبح التي تمارس علي نطاق واسع؟ ففي العراق هناك الآن حرب علي الوجود في المناطق السنية في العراق، بين التشكيلات المحلية التي تستهدف الاحتلال الامريكي، والتشكيلات التي تنطلق بأجندة طائفية تمارس القتل علي الهوية بدون تمييز. وقد اثارت اعمال العنف التي استهدفت في الأسابيع الاخيرة جهات سنية ايضا، تساؤلات حول ما يدور في أذهان قادة التنظيم، وما اذا كانت اجندة القتل خاضعة لتدخلات من جهات ذات مخططات تتجاوز قضية الاحتلال والمتعاملين معه، وتتصل بابقاء المنطقة عموما، والعراق علي وجه خاص، في اتون حرب داخلية بلا حدود زمانية او مكانية. اعمال القتل والذبح لم تتوقف عند حدود العراق، بل امتدت الي بلدان اخري. ففي تايلاند، اعلن عن ذبح تسعة من البوذيين في جنوب البلاد علي ايدي مسلحين وصفوا بـ الاسلاميين . فكيف يمكن رسم مسار لطريق الجهاد الذي تنتهجه القاعدة ؟ وهل انه نهج تضعه القيادات الميدانية ام ان التنظيم اصبح مخترقا من قبل اجهزة استخبارات مثل الموساد التي اصبحت تشارك في رسم خططه واستراتيجياته. ثمة ازمة اخلاقية يواجهها الوضع العربي والاسلامي في ما يتعلق بمشروع مقاومة الاحتلال والظلم. فكما يوجه الانتقاد للسياسات الامريكية بازدواجية المعايير والمواقف، فان هناك ازدواجية خطيرة في المعايير والقيم لدي قطاع واسع من العلماء والمثقفين. هذا الازدواج ناجم عن غياب معايير تقييم الاعمال والمواقف، واخضاع كل ذلك للأذواق الشخصية او الفئوية، بما لا يستقيم مع قيم الدين والانسانية. فالخطأ خطأ سواء ارتكب ضد الشخص ام لصالحه، والظلم كذلك، والغش والمعاملة غير اللائقة. فلا يحق اقرار الظلم والقتل العمد أيا كان فاعلهما او ضحيتهما. وقيم الاسلام لا تجيز استهداف الابرياء من غير المسلمين، فضلا عن المسلمين، ولا يجوز ان يسمح لحالة العداء بين الاشخاص او المجموعات ان تفرض نفسها علي اصدار الاحكام المتبادلة. فالظلم شر مطلق لا يجوز دعمه او اقراره، لانه لن يستثني احدا. والارهاب الاعمي واحد من أشكال الظلم، لانه يستهدف الابرياء الذين يرتادون السوق او المدرسة او المسجد، بدون تمييز بين المذنب والبريء. وثمة فرق شاسع بين استهداف الاحتلال في مواقعه، وهو أمر أقرته الشرائع الانسانية، وقتل الابرياء علي الهوية العرقية او الدينية او المذهبية. فلو سمح الاسلام بقتل غير المسلمين عبثا لانتشرت الفتنة، والفتنة أشد من القتل، وفق التعبير القرآني. ان تشجيع الممارسات الخاطئة ضد الابرياء في العراق، شيعة وسنة، من قتل وخطف واقصاء عن المنازل، أمر لا يستقيم مع الاخلاق والقيم الانسانية او الاسلامية. فاذا كان بعض العلماء قد اعتبر ضحايا تفجيرات المغرب شهداء فان العدل يقتضي اعتبار من يقتل من العراقيين غير المسلحين، أيا كان عرقهم او دينهم او مذهبهم، انهم مظلومون، وان قاتليهم ظالمون لهم. وان من الخطأ تمييع المواقف بحيث يبدو مرتكب الجرم بطلا، لان ذلك تشجيع علي ارتكاب الظلم. والملاحظ ان اسرائيل اصبحت بمنأي عن الاخطار الامنية في الاعوام الثلاثة الاخيرة، بعد ان نقلت المعركة الي داخل الصفين العربي والاسلامي، بدلا ان تكون مع الاحتلال الصهيوني والامريكي بشكل مباشر. ولذلك تتصرف الحكومة الاسرائيلية من موقع القوة وتملي شروطها علي الجانب الفلسطيني وتمعن في بناء المستوطنات وتسعي باستمرار لشق الصف الفلسطيني. لقد أوقع الاحتلال أمتنا في أزمات اخلاقية متلاحقة بالاضافة للازمات السياسية التي لا تنتهي، ويعتبر المسؤول الاول عما يحدث من ظلم وفساد وقتل واستبداد في عالمنا العربي والاسلامي. فلولاه لما تردت الاوضاع الي ما هي عليه الآن من جمود وتراجع واحتقانات عرقية ومذهبية. لقد كانت هناك آمال خلال عهد النضال الوطني بان يكون الاستقلال طريقا للاستقرار والامن والحرية والممارسة الديمقراطية، كما حدث في البلدان الافريقية وبلدان امريكا الجنوبية. ولكن الملاحظ انه في الوقت الذي خطت فيه تلك البلدان خطوات حثيثة نحو الامن السياسي، ما تزال بلداننا تعيش تحت وطأة الاستبداد، والتركة الثقيلة للاستعمار. وازداد الوضع سوءا بالاحتلال الذي اتخذ اشكالا شتي، ابرزها احتلال فلسطين والعراق، ومن مصاديقه القواعد العسكرية العملاقة في عدد من البلدان العربية وآخرها الجزائر التي يتوقع ان تبني فيها قاعدة عسكرية امريكية عملاقة في الصحراء تكون منطلقا للهيمنة علي شؤون القارة السوداء، والهيمنة السياسية علي القرار العربي، خصوصا في مجالي النفط والعلاقة مع اسرائيل . امتنا قادرة علي مواجهة كل ذلك، فيما لو تركت وشأنها. ولا يمكن فهم ما يجري من اراقة دماء علي نطاق واسع في ما بين مكوناتها الا انه من ابشع النقط السوداء في تاريخ هذه الامة، ولا يمكن ان يحدث بدون فعل خارجي يهدف لدفع الامور الي المزيد من الاحتقان والتوتر والاستقطاب. ولكن الفعل الخارجي لا يمكن ان يحقق اثرا لو لم تتوفر له ظروف محلية تساعده علي النمو والتوسع. وهنا تجدر الاشارة الي ثلاثة قطاعات اساسية مطالبة بالعمل الحثيث لوقف هذا الاحتقان. اولها علماء الدين والفقهاء الواعون الذين يقع علي عاتقهم قسط كبير من مسؤولية الافتاء والتوجيه وفق مقاصد الشريعة. هؤلاء مطالبون بممارسة العدل في المواقف وعدم الخضوع للاهواء والشبهات. وأقل ما هو مطلوب منهم تحريم سفك الدماء والقتل علي الهوية والاستهداف علي اسس مذهبية. وثانيهما المثقفون الذين يفترض ان يتعاطوا مع الشأن العام بروح المسؤولية والتأصيل الفكري للظواهر المجتمعية، والسعي لتقديم الرؤي والحلول بالاساليب الثقافية والفنية. هؤلاء مطالبون بالترفع عن حالة الاستقطاب، الا عندما يكون الصراع مع اعداء الامة، وليس صراع المكونات في ما بينها. وحتي الآن لا يبدو لطبقة المثقفين وجود حقيقي لاحتواء الاحتقان والاصطفاف الطائفي. وثالثها: النشطاء من عامة الناس، وهؤلاء مطالبون بالتعمق في الفكر والثقافة، والابتعاد عن تبسيط الامور او تجاهلها. فالنشاط الخير هو الذي يهدف لتحسين الاوضاع والارتفاع بالامة الي مستويات راقية من الوعي والتجرد والتوازن في المواقف والتوجهات. ان هذه الامة امام خيارين اساسيين: اما ان تتصالح مع نفسها وتستوعب خطط الآخرين ضدها، او تواجه نهاية محتومة غير سعيدة، اذا ما سمحت لنفسها بالتناحر والاحتراب الداخلي، فيما الاعداء يخططون ليس ضد حقوقها المغتصبة فحسب، بل ضد وجودها ايضا. 9