هل هناك آفاق تغيير في قناة الجزيرة

حجم الخط
0

هل هناك آفاق تغيير في قناة الجزيرة

محمد الحجليهل هناك آفاق تغيير في قناة الجزيرة أهم البرامج التي كانت تقدمها قناة الجزيرة في بداية انطلاقها وهما برنامجا أكثر من رأي، والاتجاه المعاكس، كانا يكشفان حقيقة التصور والمبدأ الإعلامي الجديد الذي جاءت به هذه القناة، والذي يميزها عن كل القنوات العربية، إخبارية كانت أم غير إخبارية. وهو فسح المجال للرأي الآخر. ومع مرور الوقت ونضج الفكرة التي يتأسس عليها هذا المبدأ تحول إلي شعار: الرأي والرأي الآخر (الرأي الرسمي والمعارض. أو رأي الاحتلال ورأي المقاومة) كان هذا جديدا وغريبا عن الإعلام العربي الذي عاش طوال حياته موجها ومتحكما فيه من طرف الأنظمة التي أنشأته! سلطة رابعة، بدون أدوات السلطة وكانت الإذاعة الوحيدة التي تتيح للآخر الفرصة لطرح رأيه، هي الإذاعة العربية النطق. والبريطانية الانتماء. والتي تحول اسمها من القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، إلي البي بي سي. وبكل ما ينطوي عليه توجهها، من خدمة المصالح البريطانية علي حساب العرب.لقد انتبه مؤسسو الجزيرة، إلي أن مبدأ الرأي والرأي الآخر، هو الشيء الوحيد الذي ينقص الإعلام العربي، حتي يضع قطاره في السكة الصحيحة، وأن هذا الطرح سيبوئ القناة مكانة راقية. فقد كانت هيمنة الرأي الرسمي، وغياب الرأي المعارض في الإعلام السمعي، والسمعي البصري العربيين. تكاد أن يكون مطلقة. أما الإعلام المكتوب، فرغم محدودية إمكانيته فإنه معرض لمضايقة وتهميش كبيرين. ومن هنا كان لابد من فسح المجال للرأي الآخر (المعارض)، حتي تكون موضوعية ومحايدة، والموضوعية والحياد، إلي جانب الدقة، كانا شعار القناة. وهذا ما أهلها لتتبوأ هذه المكانة الراقية وأكسبها هذه المصداقية، وجعلها في مصاف القنوات الإخبارية الراقية في العالم. خاصة بعد الجرأة التي أظهرتها، عندما استمرت في فتح مكتبها في كابول إبان الحرب الأمريكية علي أفغانستان.لقد أثار مبدأ الجزيرة هذا، زوبعة من النقاشات الساخنة حولها، وحول أهدافها الحقيقية، وتحولت إلي الوسيلة الإعلامية العربية، المثيرة للجدل، بين مثيلاتها. وكان لإتاحتها الفرصة لظهور الرأي الآخر، بمثابة هزة حركت أرجاء الوطن العربي، خاصة أن القناة أظهرت إمكانيات إعلامية راقية جدا، وتسير بأدوات احترافية عالية المستوي، بحيث استطاعت استقطاب جمهور المشاهدين أكثر من قنوات الترفيه والمنوعات. وكان البعض يستغرب، كيف استطاعت الجزيرة أن تكسر القاعدة المعروفة عربيا. (أن الجمهور التلفزيوني العربي يفضل قنوات الكليبات، والمسلسلات المكسيكية،و أفلام الغرام)؟ وكيف أصبح جمهور الجزيرة، أكثر من جمهور هذه القنوات مجتمعة، وهي تعد بالمئات؟ هذا التوجه المنحاز للشعوب العربية، تسبب للحكومة القطرية، في تلقي الكثير من الاحتجاجات من طرف الأنظمة العربية القمعية، التي تربطها علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة دول الخليج. إلي درجة أن الدورة التي استضافت فيها قطر قمة دول مجلس التعاون الخليجي، لم يحضرها أي من القادة الخليجيين، ناهيك عن سحب السفراء العرب من الدوحة، بين الحين والآخر. وقد يكون هذا ما شجع الرئيس (الأمريكي) السابق بيل كلينتون، للتدخل لدي أمير قطر، من أجل كبح جماح قناة الجزيرة في تناولها للأخبار الأمريكية، بدعوي أن القناة تمول من طرف الحكومة القطرية (غير الديمقراطية). ومما شجع إدارة بوش أيضا لضرب مكاتبها، في العراق وأفغانستان، أما وزير الدفاع الأمريكي السابق والسيئ الصيت دونالد رامسفيلد، فلا يتورع عن توجيه الانتقادات للقناة، بل طلب من الصحافيين في إحدي لقاءاته الصحافية ـ وفي مشهد مثير للضحك ـ أن يحفزوه علي توجيه هذه الانتقادات. كما أن ألبرتو فيرنانديز الموظف في الإدارة الأمريكية، وصف أسامة بن لادن لمحاوره محمد العلمي، بأنه نجم قناة الجزيرة، فرد عليه العلمي: بأنك يا فيرنانديز ظهرت في قناة الجزيرة، أكثر مما ظهر بن لادن. وأن هناك إحصائية، تقول بأن جورج بوش ظهر في الجزيرة، أكثر من 500 مرة، ولم يجد فيرنانديز ما يرد به.إن غياب الرأي الآخر في وسائل إعلامنا، هو من الأسباب الرئيسية والمباشرة، في دخول الوطن العربي إلي هذا المستنقع من التدهور المريع. (العراق في قبضة الولايات المتحدة والغرب، والفلسطينيون اكتشفوا أن وثائق أوسلو، لم تفدهم مثقال ذرة في حق تقرير مصيرهم).والمستفيد في هذه الحالة، هي تلك المنظومة من العلاقات، التي تبدأ من إسرائيل، وتمر عبر الولايات المتحدة والغرب، وتنتهي بالدول العربية المسماة أمريكيا وإسرائيليا بالدول المعتدلة. وهذه المنظومة هي الأكثر انزعاجا من غيرها من قناة الجزيرة. وكما تساءل واحد من أكثر المنزعجين من الجزيرة، الرئيس المصري حسني مبارك عندما زارها: هل كل هذا العجب، يخرج من علبة الكبريت هذه؟! وبناء علي هذا الاستنتاج، يمكن أن نفسر انطلاقة القناة الإسرائيلية بالعربية، والتي فشلت لتوها. وقناة الحرة الأمريكية، والتي تسير نحو الفشل هي الأخري، كما تفيد الكثير من التقارير حولها. وقناة العربية التي لم تصل إلي مبتغاها، الذي يتمثل في التفوق علي الجزيرة. رغم أنه تعاون علي إنشائها، ثلاثة من أغني الدول العربية. وهي السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة. والتي امتدت تغطيتها الإخبارية علي مدي 24 ساعة مند انطلاقتها. ولا تتردد في معارضة بوضوح فج المقاومة العراقية في وصلات دعائية، أنجزت بإمكانات تقنية لا نراها عادة، سوي في هوليوود. كما أنها لم تستطع أن تكتم بهجتها العارمة، عند مشاركة المنتخب السعودي لكرة القدم في كأس العالم 2006. فتحولت إلي قناة تدغدغ الجمهور السعودي، بدل أن تفيد الجمهور العربي. والسعودية وهي أغني الدول العربية، تبلغ مساحتها لوحدها، أكثر من أربعين مرة مساحة قطر. والحكومة السعودية تسخّر أموالا طائلة في الإعلام. وتطلق إخطبوطا إعلاميا ضخما يلف ذهنية المواطن العربي (صحفا ومجلات وقنوات تلفزية)، في محاولة لملأ الساحة الإعلامية العربية وتكديسها، وإلهاء الجمهور العربي، بعيدا عن واقعه المزري.لقد استطاعت قناة الجزيرة، أن تحرك المياه العربية الراكدة. والتي لا يستفيد منها سوي الاحتلال والدكتاتوريات، عندما اختارت الانحياز إلي الشعوب العربية، بدل الأنظمة. فقد كان الوطن العربي قبل ظهور قناة الجزيرة بؤرة التخلف والفساد. وكان ينظر إليه علي أنه مجرد سوق استهلاك للبضاعة الأجنبية، ومصدرا للطاقة النفطية الرخيصة. ومن أجل المزيد من تخفيض ثمن هذه الطاقة المهمة والضرورية، كانت الولايات المتحدة، ترتع في ممارسة سياسة تهدف إلي التحكم في مصادرها (دعم الاحتلال الإسرائيلي، تقوية إسرائيل وجعلها أكبر قوة إقليمية في الشرق الأوسط، دعم الديكتاتوريات العربية، احتلال العراق، تقوية الأسطول العسكري في الخليج). وأذكر هنا بهزل، ما قاله الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي، عبد الله بشارة، في استضافة ذكية له، من برنامج زيارة خاصة، الذي تقدمه قناة الجزيرة: تعد القوات الأمريكية في الخليج مصدر أمن واستقرار في المنطقة، بدل الأسرة الدولية!!! مثل هذه العقليات التي تلهث نحو الاستقرار، إلي درجة لا تدرك فيها، أن هذا الذي جاء بقواته ليضمن استقرار المنطقة، ما هو الا دولة تبحث عن مصالحها الاقتصادية لتعود بها لشعبها. ومثل هذه العقليات التي تنظر إلي نفسها، علي أنها لن تعيش في مأمن، إلا إذا عاشت في محمية أمريكية، تشبه المحميات الغابوية التي تعيش فيها الحيوانات محمية من القناصة. هذه العقليات هي التي تريدها الإدارة الأمريكية، وتنقل الجيوش الجرارة وحاملات الطائرات، لتحميها.مرت عشر سنوات علي ظهور قناة الجزيرة في تلفزتنا العربية، ظهرت باسمها العربي، وبالخط العربي الكوفي الجميل. هذه العشر السنوات كانت تكفي أمام إعلام أكثر براغماتية كإعلام الجزيرة، أن تفتح آفاق التغييرات في الوطن العربي، انطلاقا من الخصوصية العربية المحلية وفي بعده الكوني والإنساني. وتشكل قناة الجزيرة الدولية بالإنكليزية امتدادا لهذا التوجه. فإعلام الجزيرة يعرف ما يفعل ويعرف أيضا ما يريد. ومن أجل ذلك، يوظف بدقة إمكاناته الهائلة.لا يمكن أن أقول أن هناك تغييرات قائمة، لكن الآفاق أراها مفتوحة، وتجعلني مؤمنا بأن هذه التغييرات قادمة لا محالة. فلا غرابة أن نسمع مثلا أن استطلاعا للرأي اجري في أوروبا، يعتبر فيه 60 في المئة من الشعوب الأوروبية، إسرائيل أكبر مهدد للأمن والسلام في العالم. ولم يحصل هذا قط مند إنشاء دولة إسرائيل. إلا بعد ظهور الجزيرة. أما داخل الوطن العربي، فالتيار الفلسطيني الذي قدم تنازلات، عندما وقع اتفاقات السلام مع الإحتلال الإسرائيلي، بدأ ينهار. والإحتلال الأمريكي للعراق، وفي عامه الرابع، لم يستطع أن يحكم قبضته بالعراق، ومع مرور الوقت، يتبين أن ذلك يزداد عليه استعصاء. فقد خسر الملايين من الدولارات، وضحي بالآلاف من جنوده، دون أن يحقق ما أراد. وإدارة بوش اليوم في مأزق متصاعد، داخليا وخارجيا. ولم تنجح لا في بناء شرق أوسط كبير، ولا في بناء شرق أوسط جديد، أما الحرب التي خاضتها إسرائيل مع حزب الله، فإنني يمكن أن أقول أن الشعوب العربية المتتبعة لها، كانت في ما يشبه النزهة الإخبارية، عندما كانت تحصي عدد دبابات الميركافا الجيل الرابع التي كانت تدمرها قوات حزب الله يوميا، رغم الآلام التي تسببها الانتقام الإسرائيلي العدواني الجبان من الشعب اللبناني. وأما جمال مبارك، ابن الرئيس المصري حسني مبارك، فيبدو أن يديه ترتعشان في القبض علي سدة الحكم. وقدماه لا تقويان علي السير قدما في هذه الطريق. وكل الأنظمة العربية التي ترفض التغيير وتتعامل مع شعوبها بدون شفافية، بدت عليها علامات التعب والانهيار. أما التي ارتأت السير في طريق التقدم فإنها تبتعد أكثر فأكثر عن الأنظمة الأخري. كما فعل المغرب الذي فتح بابه للجزيرة لإنشاء مقر تقدم فيه نشرة الأخبار يوميا. مقابل السعودية التي فتحت بلاد الحرمين الشريفين، لكل وسائل الإعلام، ما عدا الجزيرة، ومن يسير علي نفس نهجها. ناقد إعلامي من المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية