صعلكة القرن والظلم والفساد

حجم الخط
0

صعلكة القرن والظلم والفساد

صعلكة القرن والظلم والفسادأصبحت الصعلكة ثقافة وفنا وعلما، لا تكاد إلا أن تتحول إلي مادة تدمج في البرامج التربوية ويكون لها مُعامل خاص، وتقام لها ندوات ومحاضرات في المدرجات الجامعية لتعلم المواطن كيف يصبح صعلوكا محترفًــا.. الصعاليك اسم أطلق علي جماعة من العرب في عصر ما قبل الإسلام، وهم يعودون إلي قبائل مختلفة، كانوا لا يعترفون بسلطة القبيلة وواجباتها، وانحرفوا عن الطريق وخرجوا عن القانون، وأصبحوا يعرفون باللصوص وقطاع الطرق، وامتهن الصعاليك غزو القبائل، ولم يعترفوا بالمعاهدات أو الاتفاقيات بين قبائلهم والقبائل الأخري، ما أدي إلي طردهم خارج القبيلة التي ينتمون إليها، وبالتالي عاشوا حياة ثورية متمردة تحارب الفقر والاضطهاد وتسعي للتحرر في شكل متمرد، لأن حالة الاغتراب التي كان يعاني منها هؤلاء المتمردين، لم تنسهم من أن يرسموا لأنفسهم طريقا خاصا، وسلوكا نموذجيا يعيد دمجهم في المجتمع الإنساني، الذي كانوا يطمحون إليه، وقد أطلق العرب علي كل متمرد اسم صعلوك متشرد، ولهذا اصطبغت صفة التمرد علي الصعاليك، فجاءت معظم قصائدهم تحكي عن قدرتهم في تحدّيهم للمجتمع، وقد تطور هذا المصطلح في عصرنا الحديث، إذ أصبحت الصعلكة تمارس بشكل فني، في إطار القانون وباسم الديمقراطية، لأن صعاليكنا محصنون برلمانيا ومحميين قانونيا.. يري ابن منظور أن البشر استعاروا من الإبل صفة الصعلكة، وهي بمعني الانعتاق والخروج بقولهم (تصعلكت الإبل أي خرجت اوبارها وانجردت..) ومن الكتاب الذين اهتموا بمسألة الصعلكة نجد الدكتور شوقي ضيف في كتابه العصر الجاهلي ، حيث حدد هذا الأخير معني الصعلوك من الجانب اللغوي، إذ عرّفه بأنه ذاك الفقير الذي لا يملك المال الذي يساعده علي العيش وتحمل أعباء الحياة، مؤكداً أن هذه اللفظة تجاوزت دلالاتها اللغوية، وأخذت لها معان أخري كقطاع الطرق الذين يقومون بعمليات السلب والنهب، وهي نوع من التمرد علي واقع مرفوض.. ويرجع تاريخ الصعلكة منذ العصور الجاهلية حيث احترفت فئة معينة مهنة الصعلكة وجعلتها المورد الوحيد لاكتساب الرزق، وحولتها إلي ما يفوق الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي كانوا يقومون بها، ومن بين هؤلاء نجد عروة بن الورد سيد الصعاليك وقبيلتي هذيل وفهم، وفئات كثيرة نبذها أهلها ولم يعترفوا بنسبها مثل الشنفري وتأبط شرّا وغيرهم، وحتي في العصر الإسلامي الأول، ومن بين الصعاليك في هذا العصر نجد الشاعر الفذ مالك بن الريب الذي تجرأ علي هجاء الحجاج في عز سطوته واستبداده ومذابحه.. وقد قال عثمان الخياط وهو من أحد مشاهير الصعاليك: (لم تزل الأمم يسبي بعضهم بعضاً، ويسمون ذلك غزواً، وما يأخذونه غنيمة، وذلك من أطيب الكسب، وأنتم في أخذ مال الغدر والفجرة أعذر، فسَمُّوا أنفسكم غزاة كما سمي الخوارج أنفسهم شراة، وقد أنشد الخياط قائلا: (سأبغي الفتي إما جليسَ خليفةٍ * يقومُ سواءً أو مخيفُ سبيلِ * وأسرقُ مالَ اللهِ من كلِّ فاجرٍ * وذي بطنةٍ للطيِّبات أَكولِ)… ومع تقدم العصور والأزمان تطور مفهوم الصعلكة وأصبح له مقام خاص، فظهر ما يسمي بالصعلكة السياسية أو الصعاليك السياسيين ، بحيث ظهرت هذه الأخيرة في ثوب جديد، إذ يرافق النهب والسلب التلاعب بعاطفة المواطن في إطار عملية غسل المخ من خلال الخطابات والشعارات، وهذا ما يحدث علي مستوي المجالس البرلمانية، وإن كان الصعاليك فيما مضي (رغم قوتهم وجبروتهم) معرضين لشتي الأخطار، فصعاليك هذا الزمن، يتمتعون بالحصانة البرلمانية، ومن هذا المنطلق ظهرت أشكال مختلفة من الصعلكة، وما أكثر عدد صعاليك الفساد، إذ خرجت أفواج عديدة متعددة من الصعاليك، كل فوج وله نظريته وفلسفته وقانونه وسياسته في مجال الصعلكة، تارة تأخذ طابعا أمازيغيا بربريا باسم الثقافة، وأخري طابعا إسلامويا باسم الدين، وتحول هذا الأخير إلي بضاعة تساوم في المزاد السياسي، وآخرون باسم الوطنية والديمقراطية.. وتجدهم يتقنون سياسة التربص بالآخر، وسحب البساط من تحت قدميه مبتسمين في وجهه وهو يتناول معهم فنجان القهوة في مقهي الصعاليك، وهي صعلكة من نوع خاص، لاسيما أمام الفساد المنتشر، وغياب ما يسمي بدولة القانون .. لقد أدي غياب القانون إلي ظهور صعلوك القرن الواحد والعشرين الخليفة ، أو كما أسموه بصعلوك الجزائر، أو عنتر زمانه، لأنه استطاع أن يضحك علي دولة بكاملها، وإن كان هذا صحيحا، فهذا لا ينفي أن صعاليك الجزائر كثيرون، وهم يتخفون بأقنعة كثيرة متلونة في أجهزة الدولة، وقد رأي الثائر جمال الدين الأفغاني في هذا الشأن أن الصعلوك هو من رغب الملوك من غير جريرة، وأن الأمة التي تطعن حاكمها سرا، وتعبدهم جهرا لا تستحق الحياة.. فهل أصبحت الصعلكة ثقافة وفنا وعلما، وبالتالي تحويلها إلي مادة تدمج في البرنامج التربوي ويكون لها مُعامل خاص وأساتذة متخصصون، وتقام لها ندوات ومحاضرات في المدرجات الجامعية لتعلم المواطن كيف يصبح صعلوكا محترفا يتقن قواعد الصعلكة..؟ علجية عيشصحافية من الجزائر6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية