النازيون الجدد: قراءة في أسباب تعاظم انتشارهم في المانيا

حجم الخط
0

النازيون الجدد: قراءة في أسباب تعاظم انتشارهم في المانيا

المستشارة الالمانية كانت حازمة في شجبها موقف النازيين من المحرقة ولم تعلق علي جرائمهم ضد المسلمين والافارقةظاهرة العداء للاجانب والساميين موجودة في كل شرائح المجتمع الالماني وليست مقصورة علي الالمان الشرقيينالنازيون الجدد: قراءة في أسباب تعاظم انتشارهم في المانياناجي طاهر( النزعات الذاتية بإزاء: المهاجرين، الوحدة الأوروبية، العولمة وحدود الديمقراطية ) هل كان هتلر ممكناً في غير المانيا، أم أن ظهوره كان حتمياً كتعبير عن روح الألمان وآمالهم في فترة زمنية محددة ؟ سؤالان تمت صياغتهما بأشكال عديدة ولا يعدم المرء بالتالي أن يقع علي إجابات كثيرة عليهما، أحد أبرز هذه الآراء، هو رأي تيودور أدرنو، ( في كتابه في سؤال : من هوالألماني ؟ 1969)، حيث يقول، إن استيلاء هتلر علي السلطة لم يكن من باب الصدفة، وأنه لولا الإحساس بالجدية والميل الي تفخيم المطلق كشرط لبلوغ الأفضل لدي الألمان، لما تسني لهتلر أن يحقق أي نجاح يُذكر. وإنه لكان ( هتلر ) مثيراً للسخرية، في البلدان الأوروبية الأخري حيث لأصول اللعبة الاجتماعية جذور جماهيرية أعمق . في السياق نفسه يجمع مفكرون كثر أن المانيا ( الغربية سابقاً ) أصبحت للمرة الأولي ومنذ قرون معاصرة لأوروبا الغربية، وتعد كذلك الآن، من بين الدول الست أو السبع الأكثر ليبرالية، والتي تتميز بانحسار نزعات داخلية كانت مخصوصة بألمانيا سابقاً.. ويردون ذلك للانقلاب في البني الاجتماعية، الذي حصل في فترة سيطرة النازية نفسها..الجذور والبدايات يكاد يجمع كثير من المفكرين أن هتلر كان عديم الثقافة، غير أن حركته لم تعدم أن تستند الي مرجعيات فكرية وفلسفية سبقت ظهور الحركة النازية ( نيتشة وشبنغلر وآخرين ) أما في ايطاليا الفاشية فقد كان هيغل فيلسوف الفاشية الرسمي، كما يقول هربرت فرانتس (من هردر الي هيغل، فرانكفورت 1938 فرانكفورت، ص 149)، في حين أن هيغل كان يواجه في المانيا النازية بكثير من حالات العداء، لجدله الذي ربطه بالماركسية.. هذا فيما أعلن روزنبرغ التصور الاشتراكي القومي للعالم، ومرجعياته الكلاسيكية التي حصرها بفاغنر، نيتشة، لاغارد، وتشمبرلين، ( تكون الفكرة ميونخ 1936 ص 11 وما بعدها ). بالإضافة الي هؤلاء يُنظر الي كارل شميت بجانب ارنست يونغر وأرنولد جهلن كأحد الأسس الفكرية للنظام النازي كذلك لم يعدم هتلر أن جذب الي حركته تلك، مفكرين وفلاسفة كبارا من الألمان المعاصرين له، ساروا في ركب النازية وبل أدرجوا ظهورها في سياق فلسفتهم في مرحلة ما كهايدغر علي سبيل المثال، وكارل شميت الذي كان يدافع جهاراً عن مفهوم نقاء الأمة العرقي وقد انتمي الي صفوف الحزب النازي ونظر لنظرية السيادة والكفاح الدائم بين الصديق والعدو. يُذكر أن أفكار كارل شميت، هذا الفيلسوف الإشكالي المعادي لليبرالية، لا تزال تلقي أصداء معاصرة لدي ما يُعرفون بالمحافظين الجدد في اميركا.. أما ياسبرز الذي غازل النازية فقد مال بعد انهيارها الي اليسار.. هذا فيما يتعلق بالأموات أمّا الأحياء منهم، من المشاهير والكتاب فإن القنبلة التي فجرها الأديب غونتر غراس، إثر اعترافه مؤخراً، بانتمائه لوحدة نازية في تلك الفترة، لا تزال تداعياتها تتفاعل حتي الآن. وعليه، يغدو التساؤل مشروعاً، عن سر كل هذه التوقيتات المتقاربة، لمظاهر البوح والخروج الي العلن لكثير من النازيين، وقد يمكن إدراج كل ذلك في إطار انقلاب المزاج العام اتجاه العقدة النازية وعقد النقص والذنب، التي لطالما كان الألمان يشعرون حيالها بحساسية بالغة، ويكاد بعضهم يرد كل تلك الحقبة الي أفعال شيطانية، أي بمعني آخر، أن هذه العملية تشبه المصالحة مع الذات، أو التطهر من أخطاء الأجيال الماضية، ربما بهدف تجاوزها عند البعض، ولكن ممّا لا شك فيه أن البعض الآخر يهدف الي إعادة إنتاجها، بروح تلائم العصر، وهذا ما يلجأ اليه النازيون الجدد بأي حال، عبر اهتمامهم للتغيير في مظاهرهم وشعاراتهم وأغانيهم ولباسهم، في محاولة لكسر الصور النمطية التي التصقت بهم طوال عقود، وذلك لجذب اهتمام الشباب الصاعد ولفت انتباهه. الواقع اليوم بلغة الإحصاء والأرقامبالانتقال إلي الواقع العام ولغة أرقامه وإحصاءاته، تلك التي تستهوي الألمان فيدمنونها: ذكر تقرير نشرته صحيفة دي تسايت الألمانية الأسبوعية أن هيئات مكافحة الجريمة رصدت خلال العام 2006 الماضي 12238 جريمة ذات دوافع يمينية متطرفة، من بينها 726 جريمة عنف ونحو 8738 جريمة تتعلق بالدعاية للنشاطات اليمينية المتطرفة. وكان العام 2005 قد شهد ارتكاب 10271 جريمة ذات خلفية يمينية متطرفة من بينها 588 جريمة عنف. وقد سبق للمكتب الفيدرالي لحماية الدستور الألماني أن نشر إحصائية في نهاية العام 2005 أشارت الي وجود 168 منظمة يمينية متطرفة في ألمانيا تضم قرابة أربعين ألف عضو، وأن أكثر من نصفهم يمارسون نشاطات في أحزاب معروفة، كالحزب القومي الديموقراطي الألماني (الحزب النازي الجديد/ NPD )، واتحاد الشعب الألماني DVU والجمهوريين. كذلك بينّت الإحصائية زيادة في الانتساب إلي هذه المنظمات مقارنة بالسنة التي سبقتها. وفي إضافات جديدة علي موقع المكتب المذكور، في هذا السياق، إشارة إلي اتساع رقعة انتشار المد اليميني المتطرف وتنوع أساليبه وطرقه التي غزت جميع وسائل الاتصال الحديثة من فضائيات وانترنت. تجلّت هذه الأرقام والمعطيات في الصدمة الكبيرة التي أصيبت بها السياسة الألمانية إثر الفــــوز الكبير الذي أحرزه حــــــزب الـ ( NPD / النازي الجديد ) في الانتخابات النيابية الأخيرة (نهاية 2005)، إذ حصل علي نسبة تقترب من الـ 10 بالمئة من الأصوات في ولاية سكسونيا، أي 12 نائباً في برلمان هذه الولاية. وكانت هذه هي المرة الأولي التي يستلم فيها أحد النازيين مقعداً في البرلمان منذ العام 1968.أثارت هذه النتيجة سجالاً واسعاً في ألمانيا، وأرجع مراقبون سبب ذلك الي سياسة الإصلاح والتقشف التي تتبعها الحكومة في هذه الولاية التي كانت جزءاً من المانيا الشرقية سابقاً. لا تزال هذه الولاية تعاني كمثيلاتها من الولايات الشرقية من ضعف في البني التحتية وارتفاع معدل البطالة، علي الرغم من جهود الحكومة المبذولة في هذا المجال.هذا، ولا ينفك هؤلاء النازيون يوجهون الصدمة تلوالأخري إلي المجتمع السياسي الألماني وإلي صورة ألمانيا في العالم، فقد تمنّع نواب الحزب المذكور مؤخراً عن الوقوف دقيقة صمت حداداً علي ضحايا الحكم النازي، وانسحبوا من جلسة البرلمان. وقد عللّ هولجر ابفل (رئيس كتلة نواب هذا الحزب ) هذا الموقف، في كلمة له أعقبت عودته الي البرلمان بعد انتهاء دقيقة الصمت، بأن القصف المدمر الذي تعرضت له مدينة دريسدن (عاصمة ولاية سكسونيا ) من قبل الحلفاء، كان بمثابة محرقة قنابل علي غرار محارق اليهود، منتقداً إهمال ضحايا الألمان. كما أضاف أن محرقة اليهود ليست فريدة من نوعها في التاريخ، وذلك في إشارة واضحة إلي ضحايا الألمان في الحرب العالمية الثانية. يذكر أن دريسدن تعرضت لقصف مدمر من قبل الحلفاء أودي بحياة ما يقرب من 400 ألف شخص. قوبل كلام هذا النائب بعاصفة من الردود والانتقادات التي اعتبرت أن هذا التباكي علي ضحايا الألمان إنما يهدف الي التقليل من شأن الجرائم الرهيبة التي ارتكبها النازيون. تعالت الأصوات مجدداً تطالب بضرورة حظر هذا الحزب، وقد سبق لمحاولة من هذا النوع قامت بها أغلبية الأحزاب الألمانية في العام 2001 أن فشلت بسبب قرار من المحكمة الدستورية. هذا فيما يعارض حزب الخضر اللجوء إلي الحظر، علي اعتبار أن الحظر لن يحل القضية وإنما قد يفاقمها فيتزايد أعضاء هذا الحزب كما حصل من قبل، ويقترح في المقابل اللجوء إلي مواجهته سياسياً. تجدر الإشارة إلي أن الحزب القومي الديموقراطي الألماني ( النازي الجديد/ NPD ) هذا يعد أحد أقدم الأحزاب التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وقد نشأ كرد فعل علي الأحزاب التي كانت تُرخصها قوات الاحتلال. وقد بدا آنذاك بمثابة الموضة الجديدة، لكنه راح مع الوقت يصبح ملاذاً لليمينيين المتطرفين والنازيين. يُدرج هذا الحزب في خانة الأحزاب النازية نتيجة شعاراته اليمينية المتطرفة تجاه الأقليات والأجانب. وقد تكون أول تظاهرة علنية لهذا الحزب تلك التي قام بها أنصاره في مدينة ليبتزيغ (شرق ألمانيا ) في العام 1989.كما يستفيد هذا الحزب ( النازي الجديد/ NPD ) من القانون الخاص بدعم الأحزاب الذي يُلزم الحكومة بتقديم مساعدات للأحزاب لقاء كل صوت تناله في الانتخابات، الأمر الذي يظهر الدولة وكأنها تساهم في تمويل هذا الحزب المتطرف! علماً بأن هذا الحزب كان قد نال ما يقارب المئتي ألف صوت في الانتخابات الأخيرة في الولاية الشرقية السابقة الذكر. عليه، يخشي مراقبون أن يتمكن هذا الحزب من الدخول الي البرلمان الاتحادي، وإن كان كثيرون يستبعدون احتمالاً شبيهاً في المدي المنظور.يُشار الي أن كلمة نازي هي اختصار لاسم حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي، الذي تأسس في مدينة ميونيخ عام 1919 تحت اسم حزب العمال الألماني. أدولف هتلر انضم إلي الحزب في العام نفسه وتسلم رئاسته بعد وقت قصير وقام بتعديل اسمه بإضافة مفردتي القومي الاشتراكي. من أهم مبادئ هذا الحزب الذي حكم ألمانيا بين عامي 1933 و1945 كان التمييز العنصري برفض اللاجئين والأقليات والأعراق الأخري والعداء للسامية والإيمان المطلق بالعرق الآري وإقامة امبراطورية المانا( الرايخ الثالث ) ولهذا الهدف أشعل هتلر الحرب العالمية الثانية.أنياب الديمقراطيةكدليل علي خروج هذا البعبع من قمقمه، خرجت مؤخراً في مناسبة ذكري المحارق النازية تظاهرة في برلين ضمت حوالي ألفي متظاهر لمواجهة تظاهرة أخري، معارضة لهذه الذكري، كان قد دعا إليها الحزب النازي مع ما يعرفون هنا بـ حليقو الرؤوس . ضمت تظاهرتهم بضع مئات وقد جرت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين تدخلت الشرطة إثرها، واعتقلت عدداً من النازيين وعرض التلفزيون صوراً لهؤلاء يُساقون إلي السجن، فيما بدا بعضهم يضحك ساخراً غير آبه بالاعتقال. وقد علّقت المستشارة أنجيلا ميركل علي هذا الأمر بحدة وحزم، حيث قالت في جلسة الرايخستاغ التي عُقدت إحياء للذكري: نحن ديمقراطيون ونحترم القانون لكننا لن نتهاون في الدفاع عن هذه الديمقراطية، كما أننا سنبدي صفراً من التسامح تجاه أولئك الذين يهددون قيم وديمقراطية مجتمعنا وسمعتنا وعلاقتنا بجيراننا! . بمعني آخر، للديمقراطية أنياب تدافع بها عن نفسها. وقد علّق مراقبون علي حدة وحزم موقف المستشارة الألمانية في هذا الصدد، بينما لا يسمع المرء في المقابل حدة شبيهة حيال الاعتداءات المتكررة من قبل النازيين علي مهاجرين من أصول افريقية وإسلامية. ولعل أبرز هذه الاعتداءات هي تلك التي تعرض فيها حليقو الرؤوس لألماني من أصل أثيوبي، وهي حادثة، علي الرغم من الضجة التي أحدثتها، تلقّت آراءً تقلل من شأنها بالقول أن دوافع غير عنصرية قد تكون وراء الحادث!مناطق محظورة وهجرات داخليةفي التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 تمت إزالة الجدار الذي قسم المدينة والشعب إلي مدينتين وشعبين، فتدفقت أفواج الألمان الشرقيين إلي جنة عدن الغربية. وفي المقابل، شُنّ هجوم استثماري غربي علي أراضي ألمانيا الشرقية العذراء ومبانيها ذات الجودة الفنية المعمارية القديمة، والرخيصة الثمن. راح كثيرون من الغربيين ينتقلون إلي المناطق الشرقية، إمّا بداعي الاستثمار والمشاركة في عملية إعادة البناء أو بداعي الخروج من الأحياء التي كانوا يقطنون فيها في برلين الغربية، بعد أن غدت مليئة بالمهاجرين الأجانب وبالنساء المحجبات. إزاء هذا، راحت مناطق واسعة في برلين الغربية تكاد تخلو أمام المهاجرين من أصول إسلامية (أتراك وعرب ) وسواهم، وانتشرت المقاهي والمطاعم التركية والعربية.الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه التحولات بدأت تظهر جلية في نسب البطالة التي تكاد تصل الي 40% في هذه المناطق ذات الغالبية الإسلامية، وقد بدأت تظهر حالات تسرب مدرسي وعصابات المشردين والإجرام والمخدرات في بعض هذه الأحياء التي باتت تفتقر إلي الكثير من الخدمات والرعاية الاجتماعية التي كانت تقدمها الدولة. ولا تنفك الصحف تسلط الأضواء علي مشاغبات الطلاب في مدارس هذه الأحياء البرلينية، حيث تعطي هذه الخلافات صفة الاختلاف الثقافي والديني.في المقابل، أدّت موجات الهجرة باتجاه ألمانيا الشرقية إلي نشوء حالات تطرف بين الفئات المهمشة اجتماعياً وتلك التي لم يسمح لها تأهيلها العلمي بالنزوح غرباً، حيث فرص العمل لم تعد بتلك الوفرة وباتت تتطلب مواصفات محددة ومهارات متخصصة. وهناك تلك الفئات التي لا تريد النزوح الي الولايات الغربية لسبب أو لآخر قد باتت تعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة، فراح الكثير من الشباب هناك ينجرف وراء حملات التحريض والدعاية اليمينية المتطرفة التي تُلقي باللوم كله علي عاتق الأجانب.عليه، تعرض الصحف ومحطات التلفزة بين الفينة والأخري لحادثة ضرب أو اعتداء تعرض لها أحد الأجانب من الأفارقة أو الآسيويين أو الروس، فتطفو علي السطح من جديد مسألة تصاعد التطرف اليميني وخطر النازية الجديدة. وتُطرح العديد من خطط المكافحة الحكومية لهذه الظاهرة، وتنهال التحاليل لما بات بمثابة الأصولية الغربية المعاصرة. غير أن ذلك كله سرعان ما يخفت لتحل محله حمّي أخري تتعلق بالإرهاب الأصولي أو الإسلامي المتشدد. حتي أن البعض ذهب الي حد القول بوجود أوجه شبه كبيرة بين الخطرين، النازية والفاشية من جهة، والإسلام المتطرف من جهة أخري.بناءً علي ما تقدم، ساد اعتقاد شبه حاسم بأن ظاهرة العداء للأجانب والتطرف اليميني هما خاصية شرقية فقط، إلي أن هزّت هذه القناعة دراسة أصدرتها مؤخراً مؤسسة فريدريش إيبرت القريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي ((SPD كشفت فيها عن حقائق ونتائج مقلقة مفادها أن ظاهرة العداء للأجانب وللسامية وكذلك العداء للديمقراطية موجودة في جميع شرائح المجتمع الألماني . وقال الخبيران المشرفان علي الدراسة إلمر بريلر وأوليفر ديكر من جامعة لايبزيغ في مؤتمر صحافي عقداه في العاصمة الألمانية وقدما فيه نتائج الدارسة: إن الفكر اليميني المتطرف موجود في جميع الشرائح الاجتماعية وفي جميع الولايات الألمانية، سواء الشرقية منها أو الغربية .وكان قد سبق افتتاح مونديال كأس العالم لكرة القدم 2006، تخوفات عديدة وطُرحت تساؤلات كثيرة حول مدي استعداد المانيا لاستضافة هذا العدد الكبير من الضيوف الأجانب، خاصة بعد تكرر الاعتداء عليهم في أماكن ومدن عديدة خاصةً في العاصمة برلين وفي المناطق الشرقية منها تحديداً. وقد قوبل تصريح الناطق باسم الحكومة آنذاك أوفي كارستين هايه، بكثير من الاستغراب والاستياء، إذ قال: ثمة مناطق ينبغي علي الأفراد التي توحي ملامحهم أنهم من الأجانب أن يتجنبوا دخولها ، وعلّل رأيه هذا بالقول: لأنهم ربما لن يخرجوا منها أحياء .وقد شهدت ألمانيا غداة المباريات، احتفالات ضخمة. فخرج الناس إلي الشوارع في تظاهرات حاشدة وقد بدأ أمل الألمان يتعاظم بفوزهم بالكأس، خاصة بعد فوزهم علي الأرجنتين، وراح المحللون يعوّلون علي هذا الأمر، ويبنون الآمال علي أن يضخ هذا الفوز الحماسة في نفوس الألمان ويقوي من عزيمتهم. كما رأوا أنه من شأن الفوز المرتقب أن يُحدث نهضة وانتعاشاً في العجلة الاقتصادية التي كانت تشهد تباطؤاً ملموساً.. ومن المعروف أنّ الألمان كانوا قد شهدوا نهضات اقتصادية ونمواً كبيراً بعد كل فوز أحرزوه في كأس العالم (1954، 1974، 1990 ). غير أن الأمور سارت بما لا تشتهي آمال الألمان هذه المرة، وقد أثارت انتباه المراقبين بعض الشعارات التي انتشرت في أثناء احتفاليات الكأس الأخيرة لعل أبرزها: أنت ألمانيا . وسواها من الشعارات التي تحيي في الألمان حسهم الوطني المتفوق.ولقد نشر عالم الاجتماع المعروف البروفيسور فيلهيلم هايتمايَر دراسة تطرق فيها للمظاهر والشعارات التي صاحبت مونديال العام 2006، وقد هُيجت مشاعر الجماهير الألمانية لتشجيع فريقها، طمعاً في الفوز بالكأس علي أرضها. فأحييت مصطلحات طال كتمانها مثل الوطنية والقومية والذاتية، يتمثل أهمها في التركيز علي ما لي وما للغريب . وهو ما يعني أن تلك الذاتية لها وجه آخر، يصبح في كثير من المواطنين ذا طابع عدواني.أمّا وقد مرّ المونديال بسلام من دون أي أحداث عنصرية تُذكر، فإن تساؤلات عديدة باتت تطرح، أقلها حول أن هذه الحكومة قادرة – إذا أرادت – علي ضبط وتقييد أو الحد من نشاط الجماعات اليمينية المتطرفة.في معرض تفسيرهم لظاهرة التطرف عند الشباب، يذهب العديد من المتابعين إلي أن ثمة قواسم مشتركة بين المناطق التي تتصف بسيطرة اليمين المتطرف عليها في المناطق الشرقية وتلك التي يسيطر عليها المهاجرون من أصول إسلامية في برلين الغربية. فيجب أن تطلق التحذيرات لليهود مثلاً الذين يرتدون لباساً دينياً إذا ما أرادوا التجول في مناطق ذات أغلبية مسلمة، وكذلك للمثليين الجنسيين إذا ما أرادوا التجول في مناطق اليمين المتطرف. كذلك، ينتقد آخرون قصور النظر في تفسير أسباب نشوء وتفاقم الظاهرتين الإسلامية والنازية. ففي الحالة الأولي، يتم الاكتفاء بالتعويل علي الأسباب الإثنية والدينية، من دون الاكتراث بالجوانب الاجتماعية التي تكمن وراء خروجهم عن المعايير السائدة في المجتمع. وفي حالة ألمانيا الشرقية، يتم إلقاء وزر المشاكل كلها علي عاتق تركة النظام البائد الذي كان قائماً هناك مع العلم بأن الأجيال التي تقوم بأعمال الشغب هناك نمت وترعرت في ظل الحكم الموحد الحالي. كما يعزوالبعض هذا الأمر الي وجود ميل خاص لدي الألمان إلي رد أصل هذه الظواهر الي الخارج، واعتبارها مستوردة علي الصعيدين الجغرافي (في حالة المسلمين ) والتاريخي (في حالة الشرقيين).كما أن أغلب المتطرقين لظاهرة العنصرية والعنف ضد الأجانب يميلون إلي تفسير أسباب تصاعد هذه الظاهرة بارتفاع معدلات البطالة والأزمات الاقتصادية هنا، وتزايد أعداد المهاجرين، والعمالة الأجنبية.. وإن كانت هذه المسألة الأخيرة لا تلقي إجماعاً، إذ أن تحديد حجم النقص الموجود في سوق العمل تجريه غالباً المؤسسات الجامعية والاقتصادية المختصة. وهذا ما حصل مع الأتراك سابقاً ومع الإيطاليين والمغاربة، ومنذ وقت غير بعيد نسبياً، مع الأطباء أو مع آلاف الهنود الذين اُستقدموا لحاجة المصانع والشركات الكبري إليهم في المجالات الإلكترونية.التحديات أمام الديمقراطية الألمانية والوحدة الأوروبيةممّا لا شك فيه أن التطرف الإرهابي والأصولية يطرحان تحديات حقيقية علي مشروع الوحدة الأوروبية ولكن خطر هذين التطرفين يكاد يكون عالمياً، وقد يكون مصدره خارجياً أو داخلياً، وهو بهذا المعني يواجه كل المجتمعات والكتل الكبيرة أو الصغيرة، في ظل إنفتاحات العولمة. غير أن خطر تصاعد النازية، بما هي نزعات داخلية تعتري النسيج الداخلي لهذه المجتمعات الأوروبية، وتنشأ وتتمظهر من داخل كياناتها وكتلها المجتمعية، يتهدد ديمقراطية هذه البلدان وبالتالي مشروع الوحدة الأوروبية برمته، ذلك المشروع الكبير الذي يواجه صعوبات جمة، أقلها عدم القدرة علي إقرار دستور موحد لهذا الاتحاد، كما أن الانقسامات السياسية التي لا تنفك تظهر حيال استحقاقات عالمية، تكون الدول الأوروبية معنية في إبداء الرأي فيها، كالحرب علي العراق وافغانستان والشرق الأوسط عموماً..في هذا السياق يعلق كثير من المراقبين، أن العولمة وما تفترضه من انفتاح بين الدول والأسواق وما قد يترتب علي هذين الأمرين من منافسة وضغط كبيرين علي فئات وشرائح اجتماعية بعينها وربما دول بحد ذاتها، أن من شأن ذلك، أن يدفع أكثر بإتجاه انتعاش فكرة الأقوام النقية والأعراق الصافية القديمة، في ظل الشعور بتهديد أو خطر فقدان المكتسبات التي وفرتها دولة الرعايا والرفاه. وأن من شأن احتدام تلك الاختلالات، إضافةً الي عوامل سياسية واجتماعية أخري، أن تقوّض الوحدة الأوروبية وتؤدي بالتالي الي عدم استقرار مجتمعاتها، إذا ما لم تتم مواجهتها بطرق جادة وبناءة.ہ كاتب من لبنان، يقيم في المانيا7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية