تقتنص دائما مكاسب جديدة في أوقات حرجة السياسة الإيرانية والتفوق في اللعب علي حافة الهاوية
زهير حمداني تقتنص دائما مكاسب جديدة في أوقات حرجة السياسة الإيرانية والتفوق في اللعب علي حافة الهاوية يبدو للكثير من المتابعين أن إيران تلعب بالنار في ما يتعلق بسياستها الخارجية، فهي لا تضع في الإعتبارالسياقات الدولية وتتعامل غالبا بثوب القوة العظمي وتريد أيضا أن تملي شروطها بما يتلاءم مع ضرورات أمنها ويحفظ مصالحها القومية، وتنتهج سياسة متشددة أكثر من اللازم في ملفات كثيرة مما يفاقم حنق الغرب وسخطهم ويثير لدينا نحن العرب إعجابا مشوبا بالخوف و الحسرة علي امة ضيعت بوصلتها تماما . فهي دائما تدفع بسياساتها إلي أقصي مدي ممكن من المخاطرة المحسوبة لتخرج منتصرة حاصدة كل الجوائز وقد أثبتت ذلك في التعاطي مع قضية البحارة البريطانيين وكيفية إدارتها للأزمة بشكل أرغم الغرب علي التسوية بما يتناسب مع الإنتظارات الإيرانية. وقضية البحارة ما هي إلا جزء من مشهد سياسي أكبر وأشمل يتعلق بصراع ارادات وتزاحم مشاريع في المنطقة العربية خاصة وتنافس محموم بين المشروع الايراني والمشروع الأمريكي في ضوء تسليم عربي كامل وإفلاس استراتيجي ثبت بلا جدال في قرارات القمة العربية الأخيرة التي لا يمكن الا أن تزيد من قوة اندفاع إيران و تعزز طموحاتها الإقليمية. إيران كانت دائما قوة إقليمية منذ عصر الشاه لكن طموحاتها ظلت ملجمة بقوة المد القومي العربي واصطدمت مشاريعها بتيقظ الأمة العربية ودفاعهاعن أمنها ومصالحها، وبقيت إيران معزولة وبلا نفوذ حقيقي خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وبعد قيام الثورة الإسلامية كانت هناك رغبة في التوسع وتصدير الثورة لكن الغرب وبقايا مشروع عربي كانا بالمرصاد، لكن رؤية استراتيجية إيرانية كانت تتشكل بما يتوافق والمتغيرات الدولية. إن الحرب العراقية ـ الإيرانية لم تكن إلا صداما بين ما بقي من مشروع عربي وبداية تصور لدور إيراني في المنطقة، ورغم أن إيران خرجت منهكة كما العراق وبدا أن الإستراتيجية الإيرانية فقدت مخالبها إلا أن مياها كثيرة جرت تحت الجسور… ووقفت إيران علي حافة الهاوية لكن المتغيرات الجيوسياسية منحتها هبات غير منتظرة. فالحروب الأمريكية علي العراق واحتلاله لاحقا أعطت إيران فرصة لتضميد جراحها وبناء قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية بهدوء وروية وكان أن خرجت المستفيد الأبرز من حروب السيد بوش ، فقد تخلصت من عدوها الاستراتيجي الأول وأصبحت تحتله بالوكالة دون أن تطلق رصاصة واحدة وهي تدعم رصيدها السياسي بالدماء الأمريكية المراقة في العراق رغـــم استكانة حلفائها هناك وهو ما يحصـــل في أفغانستان أيضا حيث يتعثر المشروع الأمريكي ويلقي الويلات. ورغم أن إيران استفادت من رعونة النظام العربي الرسمي أو استقالته مما سهل لها ملء الفراغ السياسي وكذلك من تخبط السياسة الأمريكية وفشلها الا أن أسلوبها في إدارة الأزمات وتعاطيها مع التحولات الدولية والإقليمية وطريقة تمددها في المنطقة مثيرة فعلا، فإيران تملك مشروعا قوميا ذا طابع براغماتي توسعي في المنطقة تعمل بجهد ومثابرة من أجل تحقيقه، وهي توظف كل طاقاتها وأوراقها في صراعها مع الغرب بكفاءة ودهاء مثل علاقتها مع سورية التي مكنتها من نصر سياسي بعد توسطها في أزمة البحارة إضافة إلي حزب الله و الجهاد وحركة حماس ، وهي تفعل كل ذلك بلا ضجيج دبلوماسي وبشكل حير الغرب وأربكه تماما. كما أنها تحافظ علي دورها الإقليمي دون أن تسلم في ثوابتها أو تهرول لإقامة الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني وتخوض في المحرمات السياسية دون تحفظ أو خوف، فرئيسها أحمدي نجاد يهدد دائما بإزالة إسرائيل من الوجود ويضرب في الصميم أسطورة الهولوكوست المؤسسة للسياسة الإسرائيلية في وقت يفرط فيه العرب في حقوقهم التاريخية ويقدمون المبادرات لإنقاذ إسرائيل التي هزمت في حربها مع حزب الله المدعم إيرانيا، وإذا تذكرنا أن حرب الخليج الثانية التي كان قادحها تصريح صدام حسين بأنه سيحرق نصف إسرائيل ندرك أن إيران تلعب دائما علي الحافة لكنها لا تنحدر إلي الهاوية التي يسقط فيها العرب. وقد تجلت براعة الديبلوماسية الإيرانية في تعاملها مع الملف النووي والتهديدات الغربية فهي لم تتنازل قيد أنملة وتشبثت بحقها في تخصيب اليورانيوم ولم تبد تساهلا في هذا المجال الذي تعتبره جزءا من هيبتها وقوتها الإقليمية ودورها المستقبلي، دون أن تزعجها كثيرا التهديدات الغربية بل كانت تسيطر علي الموقف تماما عبر إعلان إنجازات جديدة في ما هو أصلا موضــــع خـــلاف أي الدفـــــع بالأمور إلي أقصاها لتثبيت الحق في امتلاك التقنية النووية دون أي تنازل قد يفسح المجال لسلسلة أخري لا تنتهي كما حصل مع العراق (النموذج الذي استفادت منه إيران علي جميع الأصعدة). وفي أزمــة البــــحارة الأخــيرة لم تخرج إيران عن ثوابتها الدبلوماسية المتفوقة، فهي تصرفت وفق قواعد القانون الدولي ولم تثر الكثير من الضجة وتركت بريطانيا تستنفد كل طاقاتها وتهديداتها قبل أن تجنح للتفاوض وتوسط دولا هي في الأصل مغضوب عليها كسورية التي تمتعت أيضا بهذا الامتياز أثناء زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي. لم تترك إيران ملف الرهائن يطول ليصبح شائكا فتفقد القدرة علي المبادرة والمناورة واقتنصت الفرصة لزحزحة ملفات عالقة مع الغرب وبث مجموعة من الرسائل وتحقيق جملة من المكاسب أهمها: ـ إن إيران لا تتسامح أبدا في ما يتعلق بأمنها وسيادتها. ـ أنها متيقظة لما قد يحاك لها أو أن الغرب بصدده فعلا. ـ إن السبيل الوحيد للتعامل مع إيران هو الحوار وان أساليب التهديد لا جدوي منها. ـ تأكيد سيطرتهــا علي شط العرب وفقــا لتصورها للحـــدود خـــاصـــة وأن بريطانيا لم تنازع كثيرا في هذه المسألة. ـ مخاطبة الرأي العام الغربي بإظهار إيران كدولة متسامحة وقد أدارت إيران المعركة الإعلامية بكفاءة أيضا. ـ إحراج الرئيس بوش (وربما الإجهاز عليه سياسيا) بتقديم عملية الإفراج كهدية لغريمته السياسية نانسي بيلوسي التي زارت سورية في يوم الإفراج نفسه وفي ذلك تأييد لطرحها السياسي تجاه إيران وسورية. ـ التأكيد علي ضرورة اعتبار إيران شريكا كاملا في أي ترتيبات في المنطقة وأنها قوة إقليمية رئيسية لا يمكن التغاضي عن دورها. ويبدو أن معظم الرسائل الإيرانية موجهة إلي الولايات المتحدة التي بدت غير متحمسة في الأزمة الأخيرة ولم تثر كعادتها عاصفة دبلوماسية ضد إيران مما يرجح أنها راغبة في الحوار، فمشروعها في المنطقة محبط وارتباكها في العراق بين وهو ما تعيه إيران وتستثمره بحرفية.وبين الارتباك الأمريكي وصلابة المواقف الإيرانية فقد تنقشع نذر الحرب في اتجاه تسوية ثنائية بين إيران والولايات المتحدة ومحاصصة جديدة في المنطقة (دائما علي حساب العرب)، وحين يحصل ذلك ستكون إيران الرابح الأكبر من خلال اعتمادها مواقف صلبة تقتنص بها مكاسب سياسية واستراتيجية جديدة حتي من علي حافة الهاوية. 8