المبادرة العربية: فوائد ليست في الحسبان
نقولا ناصرالمبادرة العربية: فوائد ليست في الحسبان امام الرفض الاسرائيلي وسلبية واشنطن الظاهرة للتغطية علي المعارضة الامريكية لمبادرة السلام العربية التي جددت قمة الرياض الالتزام بها اواخر آذار / مارس الماضي، وبالرغم من كون المبادرة لا تحظي بما يكفي من تايييد الراي العام العربي لكي توصف بانها شعبية ، يمكن ان تكون لها مع ذلك ثلاث فوائد غير مقصودة ولم تكن في حسبان اصحابها: اولاها تكشف بعضا من التنميط السلبي الاسرائيلي والغربي للعرب بعامة والفلسطينيين بخاصة، وثانيتها تكشف بعضا من التنميط الذاتي المضلل للدول العربية امام شعوبها، وثالثتها تكشف زيف وسيط السلام الامريكي من جهة وسقوط الادعاء الاسرائيلي بالسعي الي السلام من جهة اخري. وسينتهي المطاف بالمبادرة علي الارجح الي مجرد كونها اضافة الي ركام من المبادرات والقرارات الدولية التي طواها التاريخ لحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، لكن ربما تكون لها فائدة يمكن استثمارها في هذه الاثناء لفتح ثغرة في الصورة النمطية السائدة في الغرب عن العرب كرافضين تاريخيا للسلام ومدمني تضييع فرص سياسية يعودون الي المطالبة بها بعد رفضهم لها في حينها لان المبادرة تمثل افتراقا عربيا جماعيا عن ثوابت قومية التزم العرب بها قادة وشعوبا، في العلن علي الاقل، منذ اثارت الهجرة اليهودية الاستيطانية الاستئصالية لفلسطين الصراع العربي الصهيوني ـ الاسرائيلي في بدايات القرن العشرين الماضي.ان الندية التي دعا اليها خادم الحرمين الشريفين في الحوار مع الحلفاء الامريكان عشية قمة الرياض، ونفي الرئيس المصري في باريس الاسبوع الماضي لامكانية التطبيع بين الدول العربية وبين اسرائيل قبل التوصل الي سلام شامل وعادل وعودة الاراضي العربية المحتلة، وتصريحات امين عام جامعة الدول العربية عن رفض التطبيع المجاني مع الدولة العبرية لا يمكن تفسيرها هي وغيرها من بيانات القادة العرب وحركتهم الدبلوماسية بغير حسن في النية وجدية في المسعي وصدق في التوجه لم يُقابل وليس من المتوقع ان يُقابل بالمثل، لكنه ينبغي ان يضع حدا نهائيا لتصويرهم نمطيا كدعاة حرب واعداء سلام، هذه الصورة التي تذرع الاسرائيلي بها لشن ست حروب وصفها بالدفاعية والوقائية بحجة الدفاع عن وجود دولته المهددة دائما بحرب عربية علي حد زعمه… الخ، وهذه هي الفائدة الاولي للمبادرة.هكذا ربما ينتهي اقتباس القول المأثور الذي ما يزال يتردد علي نطاق واسع لوزير الخارجية الاسرائيلي الاسبق ابا ايبان بان الفلسطينييين لا يُفوتون فرصة لتضييع الفرص ، وهو القول الذي خص به الفلسطينيين لكن من خلفه من قادة اسرائيل ومن يؤيدها في الغرب قد عمموه علي العرب جميعا، ومع ان الكثيرين يصفون الرفض الاسرائيلي للمبادرة بانه تفويت اسرائيلي هذه المرة لفرصة تاريخية، فان التنميط السلبي الاسرائيلي للعرب، خصوصا الفلسطينيين منهم، ما يزال مستمرا ولن يتوقف.كما ان التفسير الاسرائيلي لما وصفه العاهل الاردني عبد الله الثاني بـ الفرصة التاريخية ، والتقدير الموضوعي لمدي قدرة الطرف العربي علي مقاومة ضغوط واشنطن المنحازة لاسرائيل في التحالف العربي الامريكي، هما عاملان حاسمان في تقرير ما اذا كانت نتيجة المبادرة العربية ستكون او لا تكون تطابقا بين النوايا وبين النتائج المتوخاة منها، فالحليف الامريكي المشترك لطرفي الصراع منشغل الآن بغير هذا الصراع ومنحاز تماما لاسرائيل لذلك فانه يقف من المبادرة موقفا لا يمكن تفسيره الا بالموافقة علي ما قالت فاينانشال تايمز البريطانية في افتتاحية لها في التاسع عشر من الشهر الجاري انه لاءات اسرائيل الثلاث وهي: لا مفاوضات مع سورية، لا قبول للمبادرة العربية، ثم قبل كل ذلك لا محادثات سلام مع الفلسطينيين ، وهذه هي الفائدة الثانية للمبادرة، اذ انها تكشف بما لا يدع مجالا لاي شك زيف وسيط السلام الامريكي من جهة وسقوط الادعاء الاسرائيلي بالسعي الي السلام من جهة اخري.فالمبادرة تمثل اجماعا رسميا عربيا علي الاستجابة لما اصبح يُعرف في قاموس الرسميين العرب بـ الاستحقاقات الدولية ، والمقصود هنا طبعا الاستحقاقات الاسرائيلية الامريكية تحديدا وليس مستحقات الشرعية الدولية المتمثلة بقرارات الامم المتحدة والقانون الدولي، كما انها تمثل اجماعا علي تبني الواقعية كمدرسة سياسية بالمعني الذي كانت تنصح به الادارات الامريكية الجمهورية والديموقراطية المتعاقبة الدول العربية لكي تتأقلم وتتكيف مع الواقع الاسرائيلي الذي فُرض علي المنطقة بقوة السلاح، وليس بمعني التصدي لهذا الواقع بمنطق المقاومة الذي ساد لفترة قبل ان يجهضه الانقسام العربي عليه وقبل ان تجهض القوي المعادية امكانيات الوحدة العربية علي تبنيه، لتتحول المقاومة الي بديل شعبي يثبت جدواه بين الحين والآخر وتحاول المبادرة الآن عبثا ان تنتزع سياسيا الحد الادني الممكن من الحقوق القومية علي امل ان تُحيد هذا البديل ولو الي حين كي لا يقود المنطقة الي اتون صراع عنيف ضار يهدد بزج النظام الرسمي صاحب المبادرة فيما حاول هذا النظام ان لا ينجر اليه في السابق، مما يسقط ايضا صورة نمطية اخري للدول العربية كدول راعية او داعمة للعنف والارهاب حسب المزاعم الاسرائيلية والامريكية. فعلي سبيل المثال كتب المدير العام الاسبق للخارجية الاسرائيلية، ديفيد كيمحي، في الجروزالم بوست في 12 الجاري: ينبغي ان نتذكر ان تلك المبادرة هي النقيض نفسه لكل ما قادونا الي الايمان به حول الموقف العربي من اسرائيل. ان اللاءات الثلاث لمؤتمر الخرطوم ـ لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا للسلام ـ قد استبدلت في الرياض باربع مرات نعم ـ نعم للاعتراف وللمفاوضات وللسلام اضافة الي نعم للتطبيع اذا صنعنا السلام . ومثال آخر: قالت اليومية اليهودية فورويرد، اي: الي الامام ، التي احتفلت بمرور مائة سنة علي صدورها مؤخرا، في افتتاحية لها الجمعة الماضي بمناسبة احتفال اسرائيل بالذكري التاسعة والخمسين لقيامها يوم الاثنين، 23 نيسان / ابريل، حسب التقويم العبري: منذ ولادتها، كانت اسرائيل تصر في مواجهة العداء العربي علي استعدادها للتحدث عن السلام في اي وقت، وفي اي مكان، ومع اي قوة مستعدة للتحدث معها. ولسنوات لم تحصل الا علي الرفض. والآن، وفي تحول تاريخي، تواجه اسرائيل عالما عربيا موحدا يعرض عليها الجلوس والتحدث عن السلام . وقد استمدت الي الامام من هذا التحول التاريخي العربي تفاؤلا لتخلص الي القول: لكل هذه الاسباب، فاننا نري في ميلاد اسرائيل التاسع والخمسين مناسبة للاحتفال المفعم بالامل. اننا نتطلع الي الامام بتوق وثقة الي ميلادها الستين، ثم بعد ذلك الي ميلادها المائة والعشرين ، طبعا دون اي اشارة الي حدود هذه الدولة او الي كونها دولة يهودية فحسب ام دولة لكل مواطنيها. ولو كانت جامعة الدول العربية تحمل الجنسية الامريكية ـ وهي لا تحملها بالرغم من ان الحركة السياسية للتيار الرئيسي المقرر فيها هي في مجملها وتفاصيلها تدور في نطاق الاستراتيجية الامريكية داخليا واقليميا ودوليا ـ لامكن ترشيحها لنيل منحة جاك شاهين للاتصالات الجماهيرية التي تمنحها اللجنة الامريكية العربية لمناهضة التمييز ايه. دي. سي. في الثامن من حزيران / يونيو المقبل، وهي منحة تُقدم تكريما لمن تحمل اسمه، فشاهين يعتبر مرجعا للتنميط السلبي للعرب في وسائل الاعلام العالمية وخصوصا الامريكية.ومن الطبيعي ان يسوغ مثل هذا التحول التاريخي للعرب المعارضين لمبادرة قادتهم السلمية اتهامهم لهذه المبادرة بالتفريط في ثوابت قومية عمرها مائة عام بتوافقها مع ثوابت صهيونية لم تتغير من العمر نفسه. لكن بمعزل عن ذلك وبعيدا عن الجدل الساخن الدائر حول ما اذا كانت او لم تكن المبادرة تطبيعا او تعجيلا بالتطبيع او مدخلا اليه، فان افتتاحية فورويرد تبدو ايضا مُسوغا لاصوات تحث القادة العرب علي تجاوز القيادة الاسرائيلية الرافضة حتي الآن لمبادرتهم ومخاطبة الجمهور اليهودي والاسرائيلي مباشرة، عسي ان تفيد المبادرة في الاقل في خرق ما للتنميط الاسرائيلي للعرب يوصل بعضا من حقيقة تاريخية غيبتها الدعاية المعادية، وهي ان الدول العربية التي ما فتئت منذ ستين عاما تصم آذان شعوبها بالحديث عن الحرب والتحرير لم تكن مستعدة يوما لا للحرب ولا للتحرير، بل انها لم تفوت مبادرة سلام مع اسرائيل الا وقبلت بها، لا بل انها بادرت الي اطلاق مبادرات علنية خاصة بها منذ مبادرة العاهل العربي السعودي الراحل فهد عام 1982 التي تبنتها القمة العربية و تحفظ عليها العراق فقط آنذاك وحتي اعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تبني حل الدولتين عام 1988 و اجمعت عليه الدول العربية وصولا الي مبادرة بيروت عام 2002، ناهيك عما بادر اليه قادة عرب وقبلوا به دون ان يُعلن، وناهيك كذلك عن المبادرات المعلنة او العلنية الخاصة بكل دولة منها علي حدة.وهكذا تتضح الفائدة الثالثة للمبادرة حيث تنهي التنميط الذاتي للدول العربية امام شعوبها كأنظمة ملتزمة بالثوابت القومية في الصراع مع اسرائيل، فهي تضع نهاية رسمية لسياسات معلنة لسنوات طويلة كانت الانظمة القطرية خلالها تعيش حالة انفصام بين سياساتها الحقيقية تجاه الصراع العربي ـ الاسرائيلي وبين السياسات الاعلامية التي تُمني شعوبها بها حيال هذا الصراع، فالتنميط الذاتي لها كان يسوغ، بهذا الصراع، الاحكام العرفية، وقوانين الطوارئ، ومصادرة الحريات، والتهام الميزانيات العسكرية لاموال وفيرة او شحيحة كانت التنمية بحاجة ماسة لها واولي بها. والمفارقة ان هذه الانظمة التي كان اجتماعها تحت مظلة الجامعة العربية يوصف بـ النظام الاقليمي العربي ـ في تجن صارخ علي الحقيقة حيث كان كل منها يغني علي ليلاه قطريا في قضايا الحرب والسلم والعلاقات الخارجية ـ لم تجمع مرة علي ما يبرر هذا الوصف الا هذه المرة.ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بالرغم من مرحلة البحث عن التسويات السلمية خلال العقود القليلة الماضية، سيظل ضاريا طالما ظل العدل مُغيبا عن الحلول التي تطرح له، ومنها المبادرة العربية، وطالما ظلت هذه الحلول تتجاهل الحقائق التي اشعلت اُواره في المقام الاول، لذلك ستظل الحرب الاعلامية شرسة وبالتالي سوف تتواصل دون شك الدعاية المعادية للاستمرار دون رحمة في التنميط السلبي للعرب قادة وشعوبا، لان هذا التنميط له قاعدة ايديولوجية اكاديمية وسياسية وشعبية واسعة في ثقافة التحريض الاسرائيلي علي العرب من اجل تسويغ المزيد من الحروب ضدهم. فعلي سبيل المثال اورد الاستاذان من جامعة تل ابيب، دانييل بارـ تال ويونا تايخمان، قائمة مراجع من خمسين صفحة للادبيات الاسرائيلية عن التنميط السلبي للعرب في المناهج الدراسية والاعلام والمصادر العامة وذلك في كتاب لهما بعنوان الانماط والتعصب في الصراع صدر عن كامبريدج يونيفيرسيتي برس عام 2005.وقال بار ـ تال انه درس 124 كتابا مقررا في المناهج الدراسية الاسرائيلية للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية للغة العبرية وقواعدها وآدابها وللتاريخ والجغرافيا والاجتماع وخلص الي انها جميعها تُسوغ الحرب علي العدو العربي وتجرد العرب من الشرعية لانهم عدوانيون ومنحرفون وقساة وغير اخلاقيين وغير عادلين وسُراق ومتعطشون للدماء وقتلة هدفهم ايذاء اليهود وابادة اسرائيل ، بينما قال البروفسور في الجامعة العبرية ايلي بُوده انه لم تجر الا تغييرات طفيفة علي هذه المناهج ودون ان تتطرق ابدا للهوية القومية والمدنية للعرب الفلسطينيين في اسرائيل. اما استاذ التاريخ الاسلامي في الجامعة نفسها موشي شارون فانه كان بشكل غير مباشر يرد علي القادة العرب الجانحين الي السلام عندما كتب مؤخرا، بعد قمة الرياض، يقول ان السلام في الاسلام… لا يمكن ان يكون الا بين المسلم والمسلم،… اما مع الخصوم غير المسلمين فان الحل الوحيد هو وقف لاطلاق النار حتي يكتسب المسلمون المزيد من القوة. انها حرب ابدية حتي نهاية العالم ثم يضيف: ان العرب لم يريدوا سلاما ابدا. لقد ارادوا كسب الوقت !ان المصيدة التي نصبتها مؤخرا المخابرات الاسرائيلية لملاحقة العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي، عزمي بشارة، امنيا بحجة ظاهرها الاتصال بدول وقوي عربية معادية واطلاق تصريحات لصالح هذه القوي ينبغي ان تعيد الي الوعي العربي حقيقة ان احد الاختبارات الفعلية لصدقية اسرائيل في السلام كان وما يزال يتمثل في تحديد علاقتها بـ مواطنيها من عرب فلسطين، فهي بعد تسعة وخمسين عاما علي قيامها لم تنجح بعد في هذا الاختبار، بدليل يأس مليون وخمس المليون عربي اسرائيلي من النضال لتحويلها الي دولة ديموقراطية لكل مواطنيها وتحولهم الي المطالبة بحقوق الاقلية القومية كما اجمعوا في الدراسة ـ الرؤية التي اصدرتها قبل اشهر لجنة المتابعة العليا التي تمثلهم والتي مولتها الامم المتحدة، وهذا هو السبب الحقيقي لملاحقة بشارة طبقا لتقارير اعلامية اسرائيلية. اما الاختبار الرئيسي الثاني للصدقية الاسرائيلية فقد كشفته ايضا المبادرة العربية، في فائدة اخري غير مقصودة لها، عندما قدمت اسرائيل اسبابها الرئيسية لرفضها، واهمها وفي مقدمتها اسقاط اي اشارة فيها الي حق العودة الفلسطيني، وهو البند الذي اُضيف اليها عام 2002 في بيروت ليس بناء علي طلب فلسطيني بل بناء علي الحاح الرئيس اللبناني اميل لحود ورئيس وزرائه الراحل رفيق الحريري، فالموقف الاسرائيلي من قضية اللاجئين الفلسطينيين سوف يظل هو ايضا مقياسا لصدقية اسرائيل السلمية والديموقراطية علي حد سواء. واذا كان الامل مفقودا في ان تنتظر الدول العربية نجاح اسرائيل في هذين الاختبارين تحديدا قبل ان تجنح الي السلم معها ولم يكن هناك امل ايضا في ان تقود المبادرة العربية الي وقف التحريض التنميطي الاسرائيلي، فان الامل يكمن في ان يقود انكشاف زيف الوساطة الامريكية وسقوط الاوهام التي راودت الحكام العرب حول جدية اسرائيل في السعي الي السلام الي وقف التنميط الذاتي للحكومات العربية لتصوير سياساتها لشعوبها علي غير حقيقتها والي فتح القنوات لخلق ثقة متبادلة تحتاجها هذه الحكومات من اجل بقائها، فالشعوب في النهاية هي الضمانة الابقي لبقاء الحكام مهما بلغت قوة الضمانات الخارجية المتغيرة بتغير المصالح.8