الي رحمة الله يا مجيد
عدلي صادقالي رحمة الله يا مجيدكأنما كان، خلال أيامه الأخيرة في عمّان، يستأذننا طويلاً قبل إغماضته الأخيرة. هكذا هو مجيد الآغا، عاش مُرهقاً لا يُرهق أحداً. نقياً ناصع اليد، مناضلاً قائداً، وجندياً منضبطاً، من الرعيل الأول، وفياً للحُلم الفلسطيني. ها هو ينسحب في هدوء، كعادته، عندما لا يعجبه الكلام أو الحال.فبينما الموت حق، يعرفه ولا يخشاه، يغادر أبو عبد الله عازفاً عن أوقاتنا، بعدما فقدت فيها الصباحات معناها. يلوذ الي اطمئنان النفس، في برهة مجنونة، أصبحنا فيها خارج المألوف. ومجيد ممن يعشقون المألوف: تقاليد حياة، وعلاقات حميمة، واحترام للنفس وللآخرين، ذلك فضلاً عن مألوفه النضالي، اسماً حركيا عايشه طويلاً، متناسياً سفيان ، وفتحاوياً أصيلاً من أيام الشدّة، لم يتبدل في شيء. حمل علي كتفيه ذكريات المعسكر و الجبل والأسرار الأمنية التي تأبطها عبر المسيرة . لم يفارقه الختيار ولا أبو جهاد . يتملكه إحساس بأنهما قد يأتيان، أو يطلبانه، في أية لحظة!ہہہفي أيامنا هذه، تلتبس علينا الأمور. هي فقط تلتبس، في أحسن التفسيرات. أما في أقصاها تشاؤماً، فكأنما نحن في عربة أضاعت خيلها. لكن لحظة الرحيل يا مجيد، تجرح روحنا. ففيما أنت تغادر كل التفاصيل، ملتحقاً بالخالدين، عابراً من اليومي الي التاريخي، تاركاً إيانا في البحر اللُجيّ؛ يغالبنا إحساس ثقيل، بأننا علي حافة الحياة، بشيبنا وشبابنا. تنهشنا الأسئلة: هل أضعنا الطريق؟ إن أصعب الخُسران خسارة الطريق، وليس أشقي ممن يُضيّع طريقه، سيما في سباق المسافات، الذي هو أطول منا جميعاً! لقد داعبتك الآمال، بأن ترسم مع صحبك، لشعبك، زمناً آخر. لكن فيروسات الأزمان، وتداخلاتها، داهمتك، مثلما فتكت بأبي عمار، وبكثيرين من الأوفياء كباراً وصغاراً. أما الآن، فكيف نسترجع رحلة طويلة، ومساءات ننام بعدها علي الحلم، وأماكن وحكايات كثيرة. ها أنت تلوذ الي الأبدية، الي حضن الأرض وفضاء الروح. وعلي الرغم من أنك لم تفاجئنا؛ فقد وقفنا مشدوهين. إن الحياة، أية حياة، أقصر من التفاصيل! ہہہيرحل مجيد، في بُرهة معبّرة. يزف الغامض الي الواضح. يقتنص موته من اللحظة الفاجعة، ويغيب غياباً صحيحاً، وإن كان في غيابه لونٌ يُحزننا. لعل ما يكفيه، هو أن يتولي الفعل الماضي وصفه، إذ هو كما النهر الذي ظل لمجراه أميناً، فيما يصعب علي الأحياء، استجداء وصفهم من هذا الفعل. أما المضارع، فقد جافانا، وكأنه أصبح مُحرّماً علينا، الإشارة الي أيامنا الطويلة. الي أيام، كان فيها مجيد وأمثاله، ساهرين لكي يظفر أبناؤنا، بألوان العلم الوطني، وبدولة ينتمون اليها، وبمستقبل زاهٍ. نفتقد، حقيقة، ابتساماتك الذكية، وشفافية روحك، وطيبة نفسك. فحتي في قلب مطحنة الألم، يصعب علينا أن ننسي ذلك كله. نسأل الله أن يُجزيك عن طهارة يدك، وعن صدق نضالك، وعن شرف مسعاك. كنت، مراراً، تدخل الي مكتبي الصغير، في لحظة الكتابة، متعمداً أن تشاركني الفكرة وأن تُغنيها، أو أن تأخذ علماً بها قبل النشر، إن لم تكن توافقني عليها. لكنك، وأنا، لم نكن نكترث بالشكليات. فعندما أبدأ في تدوين سطوري. يصبح كل منا في شأنه. أنت تقرأ أي شيء، وأنا أكتب. ففي حضورك ما أسهل الكتابة، أما في غيابك، وعن غيابك، فما أصعبها. إلي رحمة الله يا مجيد!9