السينما تفتح ملف العنف من جديد أنا مش معاهم : كوميديا تعالج الإرهاب بالضحك!
السينما تفتح ملف العنف من جديد أنا مش معاهم : كوميديا تعالج الإرهاب بالضحك!القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: كانت آخر التجارب السينمائية التي تناولت ظاهرة الإرهاب وعلاقتها بالتطرف الديني فيلم دم الغزال للمخرج محمد يس والسيناريست وحيد حامد، فالأخير تنبأ بعودة الإرهاب مرة أخري وحذر من دفن الرؤوس في الرمال وغض الطرف عن المسببات الرئيسية للعنف، ولم يلبث الفيلم بدور العرض غير أسابيع قليلة جدا برغم أن بطولته لنجمين كبيرين، نور الشريف ويسرا، فقد تعامل معه الجمهور بوصفه موضة قديمة لا تناسب التحديات الجديدة المفروضة علي المجتمع والتي تساوي في خطورتها قضية الإرهاب، لا سيما في ظل تفاقم الأزمات الدولية وخروج العنف من حيزه المحلي الي المحيط الدولي، ويبدو أن وجهة النظر هذه لم تكن في محلها تماما فبعد مضي ثلاث سنوات تقريبا من تجربة محمد يس دم الغزال يعاد طرح القضية من جديد لاعتبارات تتعلق بظهور الإرهاب مرة أخري بصور مختلفة، ربما يكون آخرها نشاط بعض العناصر داخل الجامعات في الأونة الأخيرة، الأمر الذي وضع السينما أمام مسؤوليتها في التوعية والتوجيه ودفع السيناريست فيصل عبدالصمد والمخرج أحمد البدري والفنان الشاب أحمد عيد لإنجاز فيلمهم الكوميدي – الاجتماعي أنا مش معاهم ، والعنوان تنويع علي قضية الإرهاب فالمقصود به هو الإرهابيين ونفي العلاقة باستخدام ضمير المتكلم يؤكد أن كلمة معاهم تعني أولئك الذين يقومون بأعمال إرهابية كما يشير الفيلم الذي يعود بنا الي مرحلة التنظيمات والتشكيلات العصابية التي يقودها عادة أحد الطلاب – ويتورط فيها آخرون ممن خدعوا بالمظهر الديني وساروا في كنف الأمراء والقادة دون أن يكونوا علي دراية صحيحة بما ينطوي عليه هذا المظهر من أهداف سياسية، يشير الفيلم الي فترة التسعينات وما قبلها، حيث نشطت الجماعات الدينية في نشر دعوتها وتصادمت مع قوات الأمن التي تحركت بوازع سياسي لمواجهة الظاهرة، وبين دم الغزال و أنا مش معاهم كان فيلم عمارة يعقوبيان الذي اقترب ايضا من هذه الفترة محملا المسـؤولية للطرفين والجماعات المتطرفة والحكومة في تفجر الأزمة والصعود بدرجة الاحتقان الي هذا المستوي، وربما اختلف التناول في فيلم فيصل عبدالصمد وأحمد البدري لكونه أخذ شكلا كوميديا يوحي بدلالات تدين الاجهزة الأمنية وتسخر من سذاجة الجماعات علي حد سواء، فالبطل أحمد عيد طالب بكلية الطب يعيش حياة مرفهة بعيدة عن الصراعات والمشـــاكل وينعم بصحبة أصدقاء ينتمون لنفس الثقافة ويجـــــدون في المخدرات ملاذا وحيدا للفرار من عبء الدراسة وسياسة الضغط الأسري وهو تواز قصد به السيناريست أن يلفت النظر إلي الوجه الآخر للتطرف الناتج عن خلل سلوكي ما لدي الشباب الجامعي المحبط، وهو الإشارة الذكية لإضطراب الشخصية ودخولها قسرا دائرة الشبهات الجنائية سواء بتهمة تعاطي المخدرات أو تعاطي الإرهاب فالطبيب الشاب لم يكن علي دراية بما يحدث حوله حينما وجد نفسه مدفوعا بعواطفه تجاه زميلته في الكلية بشري الفتاة المستقيمة ذات التوجه الإسلامي التي تعمل ضمن تنظيم يقودها الي غاية دينية ظاهرها البر والخير وباطنها الدمار، فهي تعمل علي جمع التبرعات لصالح جمعية خيرية يرأسها رجل علي صلة بتنظيمات إرهابية عالمية رؤوف مصطفي من هنا تأتي علاقة البطل أحمد عيد بالدوائر التنظيمية داخل الجامعة والتي تمثل بشري أحد عناصرها، ومن ثم تحيطه الشبهات وتبدأ الأجهزة الأمنية في مراقبته باعتباره واحدا من الضالعين في التنظيم داخل الجامعة، وعلي الرغم من علاقة ضابط أمن الدولة أحمد راتب بوالدة لطفي لبيب إلا أن ذلك لا يعفيه من المراقبة المشددة وتوجيه تهمة قيادة تنظيم مسلح بعد القبض عليه، وبغض النظر عن المبالغة الدرامية واللا منطقية في تسلسل الأحداث تحت تبرير الكوميديا فإن المعالجة نفسها افتقدت للكثير من أدوات الإقناع حتي علي المستوي الكوميدي وطغي عليها الجانب الإرشادي فبدت كأنها رسالة تحذيرية لشباب الجامعة لعدم الوقوع في براثن التطرف والإرهاب، غير أن السيناريست وقع في مأزق الخطابة، خاصة في ذلك المشهد الذي وقف فيه الممثل باسم سمرة يدافع عن أهداف الجماعة مؤكدا أن هناك سوء تفاهم بين الجماعة الدينية التي ينتمي اليها وبقية الزملاء في الكلية موضحا حسن النية في قيامه وإخوانه بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف دون أن يطرح أسباب الخلاف الحقيقية حول سُبل النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وهو ما أوحي بأن الفيلم يجنح الي تأييد هذه الأفكار ويتعاطف معها علما بأن ما سبق هذا المشــــــهد من أطروحات لم يكن معنيا بذلك علي الإطلاق، وإنما جاء في سياق الرفض والاستهجان ونبذ العنف كوسيلة لنشر الدعوة وتقويم المجتمع بالقوة، ولعل هذا التضارب في الخطاب العام للفيلم جعل التكهن بالأهداف الحقيقية له أمرا صعبا، خاصة في ظل الخلطة الكوميدية غير المستساغة والتي تنوعت بها الإفيهات وتداخلت فيها الأفكار والخطوط الدرامية مع التنبـــــيطات السياسية الحذرة أحيانا والمباشرة أحيانا أخري لإغراء المشاهد وإشعاره بأهمية ما يطرح من قضايا، فيما كشفت الحقيقة عن وجود وعي لا بأس به من الناحية الفنية وجهل لا يمكن السكوت عنه حين يصبح الأمر معلقا باستقرار مجتمع ومصير شباب، إذ أن ما عُرض علي أنه تناول اجتماعي – سياسي في قالب كوميدي لا يعدو كونه متاجرة بالقضــــــية وعبثا بملفها الملتهب، حتي وإن خلصت النوايا في محاولة الوصول بها إلي مســــــتوي استيعاب الشباب كونه متاجرة بالقضية وعبثا بملفها الملتهب، في سن المراهقة، لأننا لو سلمنا بصحة هذا المفهوم تمام التســــــليم فإن حياتنا كلها ستتحول الي إفيهات وأفلام كوميدية من هذه النوعية فكم من قضايا تحتاج مناقشتها الي التبسيط والنزول بها إلي الحد الأدني من الاستيعاب، وعلي سبيل المثال قضية البطالة وقضية الإدمان والاغتصاب والقتل، في أمس الحاجة الي المناقشة والتداول ولكن الإهتمام لا يعني صياغتها دراميا علي النحو الهزلي!المشكلة في فيلم أنا مش معاهم أن المخرج أحمد البدري أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، يقدم فيلما كوميديا مضمون الربح فيرضي جمهور الشباك وفي نفس الوقت يبدو كأنه مهموم بالقضايا القومية ومدرك لخطورتها فيلعب علي إيهام الجهات المعنية بالأمر بأن تجربته ليست كوميديا فحسب وإنما هي طرح سينمائي مسؤول يمكن التعويل عليه في معالجة المشكلات المستعصية والقضايا الحساسة.هكذا كان الرهان بين الثلاثي أحمد عيد وفيصل عبدالصمد وأحمد البدري ولكن الذائقة الفنية والحس الاجتماعي والسياسي للجمهور المستهدف كان بعيدا عن كل هذه الخواطر والأمنيات، فالشباب في واد والفيلم في واد آخر!2