هناك من الشعوب التي تحررت وتطورت وحققت أهدافها في الحرية والإستقلال والرفاهية الإقتصادية ، وهناك من الشعوب غيرت حكامها ولم تغير حالها ، وهناك مازال يناضل ويكافح ويثور من أجل تحرير وطنه منذ عقود ولم يحرره، واليوم كثير من البشر يدافعون عن قضايا وطنية وتحررية ويبقى حالهم المدافع طوال فترة حياتهم ولم يغيروا شيئا، وإن تغير حالهم يكون لصالح أفراد وليس لصالح مجتمع أو تغير حالهم لحال لا يحمد عقباه. لماذا يحصل ذلك؟ لأنهم يعيشون في الوعي المزيف الذي يكرر دائماَ أخطاء الآخرين ولا يستفيد من أعمالهم الصحيحة لأن كل عمل فيه جزء صح وفيه جزء خطأ، وأيضاَ يلقون دائماَ اللوم على الآخرين أنهم سبب فشلهم.
الناظر لتاريخ هذه الشعوب والأفراد أنها لا تتعلم من تجاربها ولا تستفيد من خبرة شعوبها وتبني عليها. بل تبدأ من حيث بدأ الآخرون. والملاحظ أن التغيير عند الشعوب أو الأفراد يحصل عندما لا يتم تقبل الواقع السائد، ويأتي من يحمل فكرا جديدا أو معتقدات يتناسى أنها طبقت من قبل ففشلت ويحاول إعادة إنتاجها بطريقته كمن يصنع دولابا من جديد، فيأخذ يتمرد ويثور ولكن ليس على الواقع غير المرغوب بل على أصحاب القرار فيحشد مجموعة من الأفراد غير مستفيدة من الواقع لتناصره تتكون لديها ثقافة ومفاهيم ومعتقدات تسعى لتغير حال العباد من خلال تغيير القائمين على حال العباد بإظهار الجوانب السيئة لديهم حتى تجد نفسها هذه المجموعة أو الأفراد منظمة تمارس ثقافة الصراع وتدمير الواقع كله الذي صور انه فاسد وضار وأنه لا يمكن التعايش معه، وتنسف النموذج القائم وتطمس معالم تاريخه وسجلاته وإنجازاته في محاولة لبناء المدينة الفاضلة، وهكذا يبدأون السباق من نقطة البداية كما بدأها من قبلهم فتمارس الأخطاء والتجارب المكررة بدلاَ من تجنبها، وتكرر التجارب على الشعوب فيظل الحال كما هو أو أسوء ما كان مع ظهور بعض الايجابيات في كل تجربة لكن سرعان ما تنتهي عندما يبدأ التجربة آخرون غيرهم ، هؤلاء الآخرون هم أولادنا وأحفادنا الذين ورثناهم ثقافة التغيير المفروضة التي ينتج عنها الصراع وليس ثقافة المشاركة التي ينتج عنها البناء والتطوير، وأول ما يبداون يتمردون على أجدادهم ومن سبقوهم بالرغم ما يحملونه من أفكار جديدة لكنها غير كافية لتغيير الواقع لأنها سوف تصطدم بقوى أخرى مع أجيال المستقبل، وهكذا نؤسس بدون تخطيط لمعتقدات يصبح كل فرد في المجتمع له الحق في أن يكرر التجربة على شعبه. فالتطوير والنمو في حياة الشعوب والأفراد لا يكون إلا بالبناء على الخبرات المتراكمة والإنجازات الهامة وإزالة كافة أنواع الهدر في الأعمال والأنشطة والتركيز على الجوانب الأهم إستراتيجياَ في حياة الشعوب فتتجنب السيئ ونأخذ المفيد منها.
محمود أبو حامد