التحرك الامريكي الاخير في افريقيا: الاهداف والغايات
هشام منورالتحرك الامريكي الاخير في افريقيا: الاهداف والغاياتيعود اهتمام الولايات المتحدة بافريقيا الي امد ليس بالبعيد، فالاهتمام الامريكي بالساحة الافريقية الاكثر تعقيداً واشتمالاً علي المعضلات السياسية والاقتصادية والصحية علي مستوي العالم، يرجع الي الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب الباردة واوان قطف ثمار الانتصار علي العدو (الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية)، واستعار الرغبة الامريكية بمدّ هيمنتها ونفوذها علي العالم بأسره، وتعاظم النزعة الامبراطورية لدي اداراتها المتعاقبة، حتي لو ادي ذلك الي تصادم المصالح وتعارضها مع حلفائها القدامي وفي مقدمتهم فرنسا.ومع رغبة العديد من الانظمة الافريقية بالانسلاخ عن فلك الهيمنة الفرنسية التقليدية، وتوالي الاكتشافات النفطية والمعدنية في دول القارة الاكثر فقراً علي مستوي العالم، بدا ان المارد الامريكي المتغول قد وجد منفذاً الي منطقة لم يكن نفوذه قد وصل اليها سابقاً بفعل عوامل سياسية واستراتيجية وتاريخية لا مجال لسردها في هذا المقام. فأقام من التحالفات والمعاهدات مع بعض دول القارة ما جعل الفرنسيين انفسهم لا يخفون نبرة التحدي والمنافسة المفروضة عليهم وفي عقر معقل نفوذهم تاريخياً.التحرك الدبلوماسي الامريكي الاخير تمثل في زيارة نائب وزيرة الخارجية الامريكية (جون نيغروبنتي) الي اربع دول افريقية هي السودان وليبيا وتشاد وموريتانيا، ورافقه في رحلته الافريقية تلك كل من (جنداي فرازر) مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الافريقية، و(بوبي بيتمان) مستشار الرئيس للامن القومي في الشؤون الافريقية، وممثلين عن وزارة الدفاع وهيئة المعونة الامريكية.الغاية المعلنة لتلك الزيارة المفاجئة كانت معالجة مسألة دارفور ومحاولة التوصل الي اتفاقية سلام تنهي الوضع الانساني المتردي في اقليم دارفور بعد اربع سنوات من الصراع كانت حصيلتها ما يزيد عن 200 الف شخص وتشريد اكثر من مليوني شخص عن ديارهم. وبعد لقاء نيغروبنتي للمسؤولين السودانيين وفي مقدمتهم الرئيس البشير، وتفقده مخيمات اللاجئين في دارفور، وجه المسؤول الامريكي رسالة شديدة اللهجة للحكومة السودانية لحضها علي القبول بنشر قوات دولية في الاقليم المضطرب، مهدداً بتصعيد ملف دارفور في اروقة الامم المتحدة، وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والسياسية ضد السودان، وقد تزامن ذلك مع حملة افريقية ودولية ضد حكومة السودان في السياق نفسه.والحال انه لا توجد قضية علي الساحة الدولية تحظي من الاتفاق والاجماع الامريكي ما تحوزه قضية دارفور لاعتبارات عدة، فالاعلام الامريكي لا يركز سوي علي الجانب الانساني لهذه القضية، ويصورها علي انها قضية استعباد من قبل القبائل العربية المدعومة حكومياً لاهالي دارفور ذوي الاصول الافريقية، وهو الامر الذي يتعامل معه الامريكيون بحساسية كبيرة نظراً لتجربة السود الامريكيين في المخيال الجمعي الامريكي ذات العهد القريب، فضلاً عن اعتبار الحكومات الامريكية المتوالية حكومة السودان داعماً رئيسياً لما يسمي بالارهاب، وهي قضية اخري محل اجماع في الشارع الامريكي، والمخططات التاريخية التي كشف النقاب عنها لتفتيت السودان وتقويض وحدته في الاجندة الامبريالية الامريكية وحليفتها الصهيونية.ثم تنقل المسؤول الامريكي بين كل من عاصمة تشاد (نجامينا) والعاصمة الليبية لمتابعة مباحثاته مع دولتين لهما تماس مباشر بقضية دارفور وحدود مشتركة معها، الا ان مباحثاته في ليبيا تركزت علاوة علي ذلك علي ايصال رسالة شديدة اللهجة الي النظام الليبي تطالبه بالالتزام بتعهداته السابقة، بعد ان تخلي عن برنامجه التسلحي دون سابق انذار، بنبذ الارهاب وتسديد ما تبقي من تعويضات عائلات طائرة لوكربي، والتوصل الي اتفاق مشابه لعائلتي الجنديين الامريكيين اللذين قضيا نحبهما في تفجير الملهي الليلي في برلين عام 1986م قبل قيام واشنطن بالتطبيع مع ليبيا، والتهديد بتجميد ذلك بما في ذلك رفض الكونغرس لاعتماد اوراق السفير الليبي في واشنطن في حال عدم الالتزام بذلك، الامر الذي فسر علي انه السبب الرئيسي وراء رفض القذافي لمقابلة نيغروبنتي حينها.اما المحطة الاخيرة، فكانت مشاركة المسؤول الامريكي في عرس الديمقراطية الموريتاني، في لفتة رمزية مع زعماء دول ومنظمات دولية، في ظل غياب وتجاهل الزعماء العرب للحدث الذي يبدو انه احرجهم بقدر ما افرح شعوبهم، وحرص نيغروبنتي ان يؤكد علي دور مزعوم للولايات المتحدة الامريكية لتعزيز المسار الديمقراطي في موريتانيا، مكرساً سياسة ان لا تقدم للديمقراطية في افريقيا ما لم يكن مدعوماً امريكياً وبتأييد غربي.يبدو ان سياسة راعي البقر ذات البعد الاستعراضي للقوي والاكراهي للشعوب والانظمة المارقة علي الرغبة الامريكية هي المتبعة في واحدة من اكثر قارات العالم فقراً واضطراباً، وفي الوقت الذي يمكن فيه للولايات المتحدة ان تسهم في تنمية وتطوير الموارد البشرية والمادية للقارة السمراء، فان سلوكها وسياستها الحاليين لا يعكسان الا مزيداً من الرغبة في السيطرة والهيمنة علي العالم، وهو ما يستدعي بالضرورة المزيد من الاضطراب والقلاقل والعداء في الوقت نفسه لصاحب النفوذ الجديد. ہ كاتب وباحث فلسطيني8