كي نفتح صفحة موريتانية جديدة

حجم الخط
0

كي نفتح صفحة موريتانية جديدة

بدي ولد ابنوكي نفتح صفحة موريتانية جديدة 1 ـ هكذا بدأتْ أيام المرحلة الموريتانية المابعد انتقالية. أو لنسمها، كما فضل كثيرون بوجاهة، المرحلةَ الانتقالية الثانية أو الفعلية. التحية إلي كل الفاعلين الذين بذلوا ما بوسعهم، رغم مآخذهم وتحفظاتهم العديدة علي المسلسل الانتقالي، في سبيل إنجاحه. للرئيس الجديد كذلك التهنئة ـ وقد كان خطابُه التتْويجي مؤشرا إيجابيا فلتسرْ الممارسة في نفس الاتجاه ـ وله نتمني التوفيق، بكامل المعاني النبيلة للتوفيق، فالملفات العاجلة التي تنتظره تئن تحت أطنانها المكاتبُ والرفوف.وطوابيرُ لا حصر لها من المُرائين والمداهنين من ذوي الوجوه الحربائية بمختلف الدرجات تتأهب للعب دورها التقليدي في محاولة حجْب الملفات الشائكة عن صاحب المسؤولية الأولي عنها. وكلُّهم ينتظر أن يَعرف ـ بتعبير القدماء ـ أي الأسواق نافقة . ومن هنا مركزيةُ أن يظل للفاعلين المدنيين والسياسيين، لفاعلي السلطة المضادة وسلطة الضد، حضورُهم اليقظ، حضورُهم المتصل لاستثمار مكاسب لا وجود لها خارج الفعل المواطني المتواصل حثيثا، مكاسب تَفقد تلقائيا وجودَها حال توقف رأسمَلَتها. من هنا كذلك مركزية اللحظة الراهنة في تأسيس اتصال الفعل المواطني كيقظة متحفزة. ففضلا عن أنْ لاوجودَ، في مجال الحرية، لمكاسب نهائية فإن لحظاتِ تَشَكل التعبئة المواطنية هي اللحظاتُ الأكثر حسما. فبما ستعرفُه الأيام القليلة القادمة كأمد قريب ستتحدد الدرجة التي بها سيتم استثمار الماضي التعبوي القريب في تجربة الأمد المتوسط والبعيد. 2 ـ أخفقتْ المرحلة الانتقالية علي جبهات عديدة ولكنها نجحتْ بشكل فاعل علي ثلاث جبهات لا تَخفي أهميتُها في السياق الموريتاني الخاص وفي سياق المنطقة بشكل أعم.نجحتْ أولا علي صعيد التنظيم الفني اللوجستي بشكل يَلزم الاعترافُ بأنه لافت. وبشكل ما تم الاستثمار الإيجابي فنيا للتجربة الاقتراعية للعقدين الأخيرين رغم محتواها السلبي الذي جسدتْه سلسلة الانقلابات الانتخابية. فكأن المرحلة الانتقالية قد مكنتْ علي الصعيد الفني من نوع من التجاوز الجدلي لتلك التجربة السلبية عبر نفس الفنيات الميدانية التي أوهم العقدان أن ما ترسخ منها في ممارسة الأغلبية قد التصق بمحتواه السلبي تزويرا وغشا إلخ. أثبتتْ المرحلة الانتقالية إذن أن ذريعة التخلف الاجتماعي ونقص الإمكانات والوسائل هي ذريعة غير مْقنِعَة. وهي بذلك ساهمتْ، علي أيدي مختلف الفاعلين المدنيين والسياسيين، بمستوي لا بأس به، في تعرية الخطاب التبريري الموروث عبر استخدامٍ جديد ونزيه نسبيا لآليات فنية كانت في معظمها متبعة أو متوفرة. غير أن ما تحقق في هذه الجبهة كما في غيرها لا يمكن أن يكون مكسبا نهائيا إليه نتكئ دون مساءلة في المستقبل. بل إن الحفاظ عليه لا يمكن أن يتم دون رأسمَلَته واستثماره المستمر.3 ـ كما أن المرحلة الانتقالية المنصرمة حققتْ ثانيا تقدّما معتبرا في الممارسة السياسية في مستواها المباشر. وتعاملُ المجلس العسكري مع الهزات السياسية التي عرفها المسلسل الانتقالي ـ وأولها بطبيعة الحال هزة أو أزمة المستقلين ـ توخي الاحتفاظ بحد أدني من المسؤولية، لم يخلُ مما به يُمكن أن يمُنح الفعل صفةَ السياسي. وهي سابقة تُذكر. فحلحلة الانسدادات السياسية الموروثة تمر حتما بالمستوي الشكلي وبضمونه الاعتباري، أي مثلا بالقدرة علي قراءة الرسائل السياسية والتعبوية وعلي تفهمها ولو جزئيا، بالقدرة علي التراجع ولو نسبيا ومرحليا، بالقدرة علي التفاوض السياسي كبديل عن التفاوض البوليسي بكافة أشكاله. فون كــلاوزفيتز ، الجنرال البروسي الشهير، الذي استُخدمتْ كتاباته لتأسيس العلوم الاستراتيجية، والذي يَستعير منه اليوم الجميع عبارة أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخري يشرح في كتابه عن الحرب أن العنف لا يمكن أن يكون له معني سياسي حتي بين الدول، ومن باب أولي داخل نفس الفضاء السياسي أي نفس الدولة، إلا إذا حملَ في طياته نهايته الذاتية واستطاع الفرقاءُ التوصل إلي لغة بديلة عنه، أي إلا إذا استطاع الفعلُ السياسي بما هو فعل سياسي أن يستعيد جدواه. والفعل التكتيكي السياسي الموريتاني أخذ ولو نسبيا يُعوّض العملَ التكتيكي الأمني والأمنوي الذي ظلّ يؤول بشكل أو بآخر إلي الأنماط المعروفة من العنف السياسي المباشر وغير المباشر، أو الناطق و الصامت ، أي العمل الأمنوي الذي ظل يؤول ميدانيا إلي العنف السياسي أو مؤهلا لأن يؤول إلي العنف السياسي كمستوي أقصي من التواصل ـ اللاتواصل ـ السياسي في الفضاء العام وكمستوي يعبر تحديدا عن فشل التواصل وتكريس الانقطاع، عن فشل الفعل السياسي بما هو كذلك أي عن ما يمكن أن نسميه، بنوع من الإرداف أو الأكسيمورون، التواصل الانقطاعي الذي لا تمثل الانقلابات العسكرية إلا تمظهره الأشهر. 4 ـ في الجبهة الثالثة نجح مختلفُ الفاعلين في إعطاء المرحلة بعدا رمزيا وطنيا. فرغم التحفظات الكثيرة كان ارتباط التجربة الانتقالية بنوع من فك العزلة المعنوية لا سيما الإعلامية، ولو نسبيا، عن البلد يشكل حافزا ـ لا يخفي موقعُه ـ علي ما أظهرتْه الأغلبية من حرصٍ علي إنجاح المرحلة الانتقالية. بل إن بعض المبالغات التي ظهرتْ وتظهر في خطاب هذا الفاعل أو ذاك، بل لدي هذا المواطن أو ذاك، عن نجاح الفترة الانتقالية لا يمكن إدخالها دوما ضمن الخانة التقليدية للتساهل البلاغي الموروث. فالنفسية الجماعية المسكونة بجرح العزلة لا يمكنها إلا إن تُعَبّر بشكل أو بآخر ولو ضمنيا ولا شعوريا عن غبطة حقيقية بتحول تجاهل أو جهل الآخرين إلي اهتمام، أو اعتراف متزايدٍ بالبلد ـ أيا تَكُن أسبابه وأيا تكن المداهنة التي تطبع بعضَه ـ.5 ـ اليوم نفتح صفحة جديدة فلنقرأ بجدية الصفحة التي نطوي قبل أن نطويها ولنكتب الصفحة الجديدة بخط مختلف وبمحتوي مختلف.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية