بعد أن أصبح العصيان المدني هو الحل لأزمة مصر
محمد عبد الحكم دياببعد أن أصبح العصيان المدني هو الحل لأزمة مصريتخذ احتمال الفوضي، رغم استبعاد حدوثه، مدخلا للتنبؤ بإمكانية تدخل القوات المسلحة لتغيير الحكم في مصر. وهذا الطرح يتم في ظرف نري فيه مؤشرات تقول بأن الانقلاب البوليسي الذي حدث بـ المذبحة الدستورية التي وقعت مؤخرا، كان من أهدافه إبعاد وتحييد المؤسسة العسكرية وإزاحتها عن مركز الفعل، وهذا في ذاته مثل استفزاز لها.من جهة ثانية فإن لجوء العائلة الحاكمة إلي الانقلاب البوليسي ، يعطي مؤشرا بأن ثقتها بالقوات المسلحة مشكوك فيها، إن لم تكن معدومة. وقد تكون تلك المذبحة عقابا لها بسبب تحفظاتها الهامسة علي التوريث . والبعض يتصور بأن الأصل العسكري لحسني مبارك يحصنه ضد انقلاب هذه المؤسسة عليه، وهو قول ليس بالدقة الكافية، فالرجل يغرد خارج السرب العسكري، منذ ما قبل تولي الرئاسة، وتحديدا منذ أن كلف بالإشراف علي أجهزة الأمن، فور تعيينه نائبا في 1975. وهو أهم من بني قواعد الدولة البوليسية المصرية، بعد السادات، الذي مكنته ظروف ما بعد 1967 من تمهيد الأرض لها. فقد كان من نتائج النكسة فك ارتباط السياسة بالقوات المسلحة، بعد محاكمات العسكريين الشهيرة. وكان ذلك أساسا لتحول حدث في 13 ايار (مايو) 1971.. يوم صدور قرار تعيين شرطي وزيرا للداخلية، لأول مرة. وهذا الشرطي هو اللواء ممدوح سالم، وهو من تمت ترقيته رئيسا للوزراء في 1976، من وقتها والدولة البوليسية في نمو مضطرد. وجاء اغتيال السادات علي يد ضباط من القوات المسلحة في 1981، لغلق ملفها نهائيا، لتبقي مهمة حسني مبارك الأولي إضعافها وتقوية وترسيخ الدولة البوليسية.وقَصَر حسني مبارك علاقته بالقوات المسلحة علي المظاهر الاحتفالية والبروتوكولية، مع حرص علي الاحتفاظ بشعرة معاوية، التي بدونها لا يستطيع أن ينسب لنفسه انجاز 1973، وادعاء توجيه الضربة الجوية الأولي!!. واعتاد أن يعطي للقوات المسلحة الشكليات البروتوكولية، أما الفعل والحكم الحقيقي فهو بيد الأمن والشرطة والعسس.. ومن يبني دولة بوليسية، بهذه الوحشية، من الصعب أن يحسب علي المؤسسة العسكرية. ومع ذلك فمثل هذه الملابسات والظروف لا تعني إمكانية الانقلاب العسكري. حتي لو كان ردا علي الانقلاب البوليسي .. وعند التدقيق نجد أن المناخ العام لا يساعد، فالأنظار كلها متجهة نحو الشارع، وتدخل القوات المسلحة محفوف بالمخاطر. فما زال سقوط الاتحاد السوفييتي ماثلا أمام الأعين، فالانقلاب العسكري الفاشل، في محاول للإطاحة بغورباتشوف، لعب دورا أخطر من الاستنزاف الذي أصاب الجيش السوفييتي في أفغانستان، وكان من أهم عوامل الانهيار، وبتصدع الجيش تصدع بنيان الدولة السوفييتية، فالجيش المتماسك كان أحد أهم ركائز وجودها وضمان استمرارها. وعندما ضاع التماسك تمكن يلتسين من توجيه الدبابات والمدفعية لدك مبني الدوما (البرلمان).. كعبة الديمقراطية في المنظور الغربي. وطويت الصفحة السوفييتية من التاريخ الإنساني، بعد استمرار دام سبعين عاما. وإذا وجدنا من يتصور أن هناك إمكانية لتكرار تجربة الضباط الأحرار في1952.. هنا نقول انه من الصعب حدوث هذا، فالتجارب الوطنية والاجتماعية والإنسانية لا تتكرر ولا تستنسخ. فضلا عن أن حركة الجيوش الكبيرة ليست في خفة الجيوش الصغيرة، والجيش المصري، مع ما لحقه من تقليص في عدده وعدته، ما زال جيشا كبيرا، وهو بهذا الحجم لا يستطيع التحرك إلا بتعليمات قيادته العليا، ونموذج باكستان واضح في هذا المجال.. كشف أن الجيش الكبير يتحرك، في الغالب، عندما يتصارع الجنرالات، والجيش الصغير، مثل الجيش المصري إبان الاحتلال البريطاني.. استطاع التحرك لصغره وتأثير الرتب الوسطي وتحكمها فيه. وعليه إذا كان تحرك الجيش المصري غير ممكن، فانقلاب الجنرالات غير مطلوب. ومن غير المتوقع أن تسخر الأقدار لمصر عسكري علي غرار أعل ولد فال أو سوار الذهب. وأكثر من هذا فإذا كانت التجربة لا تتكرر فإن أدوار القادة التاريخيين لا تعيد نفسها. فالعصور والحقب والتحولات تصنع تجاربها الخاصة، وتفرز قادتها وزعمائها المعبرين عنها، وتسلك الطريق الذي شقه لها الزمن!!.والقاعدة العامة هي أن التدخلات العسكرية والبوليسية لا تفضي إلي حلول ديمقراطية، وإن كانت هناك استثناءات إلا أنها تؤكد هذه القاعدة ولا تنفيها. وعليه نرجح أن التغيير القادم مرهون بالحراك الوطني، وقدرة قواه علي تعبئة الشارع وحشده وتحريكه. والبوادر مبشرة، بعد نجاح مقاطعة الاستفتاء، وكان ذلك نوعا من عصيان سياسي يمكن أن يتطور إلي عصيان مدني. فينفتح الباب واسعا أمام رياح التغيير الديمقراطي. والعصيان الذي أضحي خيارا وحيدا، بعد أن أغلقت أبواب التغيير، وسدت منافذ الحلول الطوعية. بدأت ثقافته تؤتي غرسها، وصار من الممكن أن تزهر حلا ديمقراطيا حقيقيا لأزمة الحكم. ويعود هذا التطور إلي طبيعة هذا النوع من الفعل، كوسيلة من وسائل التغيير السلمي.. تتيح فرصة المشاركة أمام جموع الرافضين والمتطلعين إلي التغيير، وإلي صيغته كصيغة من صيغ المقاومة، تقع في منزلة بين منزلتين. أقل من الثورة، وأكبر من الاحتجاج. وجاء دخول فقهاء القانون، والمفكرين والكتاب، والشخصيات العامة، علي الخط، ليحدث تحولا كبيرا في مسار الحراك الوطني. فشخصيات بحجم محمد حسنين هيكل، ومكانة عزيز صدقي، وثقافة طارق البشري، وعلم عبد الوهاب المسيري، وبالقرب منهم قضاة ينحازون إلي الوطن والشعب. بنماذجهم المضيئة والمُشَرّفة، مثل أحمد مكي، وهشام البسطويسي، وزكريا عبد العزيز، ومحمود الخضيري، ونهي الزيني، وقوي سياسية وشعبية عريضة. لا تساوم. وتنتشر وتتوزع بين الأجيال والمهن والمناطق. احتشاد هؤلاء يؤدي إلي تصدع عرش العائلة الحاكمة وانهيار من يرتبط بها، ولهذا فهم يحاربون معركتهم الأخيرة. الأكثر شراسة.ونتوقف عند طارق البشري، كواحد من فقهاء القانون، والدور الذي لعبه في حسم الجدل القانوني والدستوري حول إشكالية العصيان المدني. ومع عدم التقليل من شأن الأدوار الأخري، تأتي معالجاته القانونية والدستورية داعمة لسلامة التصرف.. مشجعة ومحفزة علي الفعل. فأكسبته الشرعية اللازمة. ولقد أفتي البشري بأن العصيان ضرورة تمليها عملية نقل الحراك الوطني من القول إلي الفعل، وبأنها تستمد شرعيتها من الحالة التي وصلت إليها الدولة. فالدولة، كما شرح وفصّل، تحولت، في ظل حكم مبارك، من المؤسسية إلي الشخصنة، لتعبر عن ضيق نطاق المسيطرين عليها.. وأصبحت تدار بأفراد يتحكمون فيها، وفي ثرواتها الطبيعية.. يصدرون التشريعات والقوانين، ووصل بهم الأمر إلي التعديل الدستوري، وهذا الغطاء القانوني والدستوري، الذي وفره البشري، كان استفتاحا موفقا. استقبله الباحثون والكتاب والسياسيون الوطنيون بالترحيب والدعم الكافي. ولا يستبعد أحد أن يتحول العصيان المدني إلي ثورة.. قد لا تكون برتقالية ولا وردية، أو صفراء أو خضراء.. يكون المواطن مرجعيتها، بإرادته الحرة واختياره الواعي، ويعتمد الآليات الديمقراطية لفتح باب التداول السلمي للحكم والمسؤولية.. علي أمل أن تبدأ مصر عصرا جديدا.. أكثر تعبيرا عن المصالح المشتركة لعموم المواطنين، فيعود السلام الاجتماعي المفتقد، وتبدأ عجلة الانتاج والتقدم في الدوران من جديد.وإذا ما أصبح طريق العصيان المدني هو الطريق الوحيد الباقي، فإنه يصبح فرض عين ، كما ذكرنا الأسبوع الماضي.. أي مسؤولية الجميع، ولا يملك أحد ترف التراجع، فثمن التراجع باهظ للغاية، ولا يقاس بضريبة المشاركة والاحتشاد والتضافر من القوي المؤمنة بحق الشعب في المقاومة. فيجعله يتطلع إلي حياة أفضل. بلا استبداد ولا بطش ولا تعذيب ولا تبعية.تعليق:في العنق دين لعدد من القراء المصريين.. ممن يحسنون الظن بصحيفة القدس العربي .. طلبوا من كتابها ومحرريها تبني الدعوة لاصطفاف القوي الوطنية المعارضة وراء شخصية من نادي القضاة. ومنهم من طرح أسماء بعينها، لها سمعة طيبة، بالإضافة لنزاهتها وحيدتها، ورأيهم أن نادي القضاة يحوز إجماع الشعب، ولن يؤدي إلي دخول المصريين في صراعات مع الخارج. والرأي، كما طلبه هؤلاء، يبدأ بالشكر علي الثقة في الصحيفة وكتابها ومحرريها والعاملين فيها. والاصطفاف هو ما تلح عليه، ليس في مصر وحدها إنما في الوطن العربي كله، بشرط أن يكون اصطفافا علي جدول أعمال وطني وسياسي، يقوم علي القواسم المشتركة بين القوي والتيارات الرافضة لنظم الاستبداد والفساد والتبعية، والقادرة علي تحمل مسؤولية التغيير وأعبائه، وتحويل القول إلي فعل، وهذا بدأ بالفعل في مصر. أما عن نادي القضاة، فلا يجب أن يغيب عن الذهن أنه ليس حزبا سياسيا، فهو هيئة اجتماعية، شبه نقابية، تعبر عن مصالح القضاة، وتسعي لرعايتهم وحل مشاكلهم. أما أعضاؤه فهم يمثلون سلطة من سلطات الدولة، وهي وإن اتخذت الموقف الوطني والإنساني والقانوني الصحيح، من خلال النادي، فمهمتها كسلطة هي ضبط ميزان العدل المختل ورعايته. والحفاظ عليهم بعيدا عن صراعات السياسة يُبقي علي البقية الباقية من تماسك الدولة، ويخفف عنها عبء ازدواج السلطات وتداخلها، وهو ما لا تريده العائلة الحاكمة .. تريد للسلطة القضائية أن تصبح مسخا شبيها بالسلطة التشريعية (مجلسي الشعب والشوري)، التي انتهي بها الأمر إدارة قانونية خاصة. لا علاقة لها بسلطة التشريع الحقيقية، أو أن تتبع السلطة التنفيذية، في صورتها الراهنة، كمنظومة إفساد، لا تتجاوز في حجمها حجم السكرتارية الإدارية والفنية لـ العائلة الحاكمة ، وأن يلعب القضاة دورا سياسيا مباشرا فهذه ليست مهمتهم، إلا بعد ترك منصة القضاء، وهذا هو المتوقع عندما يترك عدد منهم مناصبهم، ويذوبون في الحراك الوطني، ساعتها سيحتلون مكانهم اللائق في المجتمع وفي قلوب المواطنين، وقد نري واحدا من هؤلاء العظام رئيسا قادما لمصر، يعيد إليها ألقها ومكانتها المفقودة، وتصبح قادرة علي محاسبة كل من اقترف جريمة في حقها وحق شعبها.9