حرب استنزاف من نوع جديد

■ لم ندخل الآن فصل الحرب الكلامية، فالأخيرة موجودة منذ فترة طويلة، غير أننا لم نصل إلى هذه الدرجة من التعبئة وشحذ الهمم في هذا المجال إلا حديثا. وبـ»حديثا» نعني فترتنا المعاصرة التي تحمل زادها من المشاهد المنتجة لمجتمع إثارة أخذ يحتلّ مركز الصدارة بالتساوي مع مجتمع الاستهلاك.
فمن «نهنّئ» على بلوغ القمة في ترشيح كفة الشكل على حساب كفة المضمون في النقاش العام؟ ربما يستدعي الرد على مثل هذا السؤال عودة مقتضبة إلى تطور خطير جعلنا، نحن الإعلاميين، عرضة سهلة لتيار متصاعد يتمثل في تصويب مستمر لنظراتنا باتجاه أطباق من ذهب تقدّم إلينا بتتال وتواتر خانقين، تشبه كثيرا هذه الأطباق التي تــــراها في المطـــاعم اليابانية، تدور بلا توقف حول محور يعرض أمام ناظريك فتختار منها ما يناسبك، أو بالأحرى، ما تتوقع أن يناسبك.
نحن أيضا نختار ما يناسبنا.. ونختاره حسب معايير لا بد من الاعتراف بأننا نغتر بها أحيانا، إن لم نقل كثيرا. أولها حشد الجماهير، فالإعلام الفضائي العابر للحدود ـ وبالتالي المخترق للبيوت- عمم انماط مشاهدة ـ إن لم نقل أنماط حياة- كيفت التصرفات البشرية وفق معايير ترتكز في ما ترتكز على الغريزة والاندفاع. وتكمن المشكلة في رضوخنا نحن أيضا لغريزة الاندفاع تلك التي تجعلنا نصوغ برامجنا أو مداخلتنا وفق مقاييس سمّاه المفكر الفرنسي جي ديبورد مجتمع العرض الفني.
عروض فنية ما أنزل الله بها من سلطان تحيط بنا الآن، وفي أغلب المناسبات نطوّق بها جماهيرنا من مستمعين ومشاهدين بصورة ترسخ شيئا فشيئا أنّ فكرة التحليل الموضوعي بعين مجردة بات من نصيب خبر كان، وربما سارع البعض إلى القول ـ لو طبقنا المقولة على المشهد العربي ـ من نصيب زمن ما قبل الثورة. وما ادراك ما زمن ما قبل الثورة… زمن كان ينادي الكل فيه بحرية التعبير، فدخلنا زمن ما بعد الثورة فصار أكثر من واحد يطالب الآن الكثيرين بحرية السكوت!
وهنا يقع التغرير بالنفس مرة جديدة، بحيث تصبح حرية التعبير التي فتحت ابواب الرأي والرأي الآخر على مصراعيها، أداة من قبيل وقوع الفعل على الفاعل أو رجع صدى مدو يصم الآذان.
من الامثلة البليغة على هذا النوع الجديد من استخدام التراشق بالألفاظ وإلصاق الملصقات على أكثر من جبين، أن يستعيض المرء عن دقة التحليل والتقدم في محاور النقاش بمعركة مدروسة من الشتم والشتم المضاد تنزّل مستوى برامج ذات نوايا محترمة إلى حضيض لا يأتيه حتى صغار المدارس الابتدائية لشدة العقاب إن شارفوه.
فما الذي يعنيه ان تجرد حسامك من غمده، كما يقول الشاعر، فتنزل إلى محطة التلفزيون قاطعا على نفسك وعد الدخول في معترك تنابز وتغامز ينتهي مطافه بكسر حركية البرنامج ومنطقيا، بعده التحليلي، بامتصاص دقائق الوقت المتاح هدرا وابتزاز كمية ذات شأن من دقائق ضيف آخر.
كأننا دخلنا حرب استنزاف تضاف إلى باقي النزاعات والحروب الني نشهدها، حرب استنزاف كلامية تركز على الضربات اللفظية على حساب المعلومة، فيتحول المشاهد إلى طرف يطلب منه رغم أنفه اتخاذ موقف، مما استحال إلى مباراة ملاكمة.
صحيح أن الإعلامي يمكن تحميله طرفا من المسؤولية في الأمر، بحجة أن عليه اختيار الضيوف بالدقة التي تتطلبها نوعية البرنامج ـ خبراء يأتون بمعلومات في حالة برنامج تحليلي – لكن لا معد البرنامج ولا مقدمه ولا المخرج في مأمن من الوقوع في «فخ» المنحى التصاعدي الذي صارت تتبعه أكثر من مناظرة تلفزيونية اليوم.
اما السؤال فيظل قائما: ماذا نستفيد من هذا المشهد؟ عسى محور الأطباق اليابانية الذي بدا وكأنه مصدر كل الإغراءات أو عدد كبير منها على الأقل لا يتحول إلى ثابت يسير على نمط «يا جبل ما يهزك ريح».

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية