الدوحة-“القدس العربي”: تسحب الأزمة اليمنية المستفحلة، مع ما يرافقها من أوضاع إنسانية متردية، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نحو حافة الهاوية، مكبل اليدين، عاجزا عن استعادة توازنه للخروج من دائرة الخطر المحدق به ومغادرة الدوامة التي تسحبه نحو القاع.
المستنقع الذي تغوص فيه أقدامه وفقدانه للسيطرة على الوضع، تقلص فرص نجاته من وصمة التصقت به، حولته لمجرم حرب، تطارده المنظمات الحقوقية حيثما حل وارتحل، لكنها تظل عاجزة عن معالجة الأزمة من جذورها.
منذ آذار/مارس 2015 يتجرع حاكم السعودية الفعلي، علقم قرار شن حرب، وصفها حينها بـ”عاصفة الحزم” على جارته الشرقية، وهدفه المعلن تثبيت حكم حلفائه، بطرد الحوثيين.
لكن حتى الآن لم تحقق السعودية أي مكاسب فعلية، وظلت تراوح مكانها تنشد درب الخلاص من الورطة التي ساقت نفسها إلى متاهتها، من دون تخطيط أو رؤية واضحة.
وتعجز القيادة السعودية عن تحويل المسار الذي آلت إليه الأوضاع في البلد الممزق، نحو الوجهة المنشودة مع تفاقم الأوضاع المأساوية التي يعيشها اليمن، والذي يعاني من مأزق حرب مدمرة، فرضتها عليه جارته، والموصوفة بـ”العبثية” لكلفتها العالية والدمار الماحق الذي يتجرعه السكان المغلوبين على أمرهم.
وحده حليف بن سلمان، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الذي يقطف ثمار التصعيد في بلد يعاني 80 في المئة من مواطنيه المجاعة، منفذا بدقة أجنداته الخفية، وموسعا نفوذه حول باب المندب، عبر تنفيذ سياسات يبسط بها سيطرة حلفائه جنوبا.
القراءة التحليلية للمشهد اليمني، بنظرة عامة وشاملة، تكشف بوضوح الصورة القاتمة التي آل إليها الوضع، مع استنباط أدوار الإمارات التي تضبط خلف الستار، سير الأحداث بما يخدم مصالحها وحساباتها الخاصة.
وحتى الآن لا يبدو أن حكام السعودية يدركون فداحة مواقفهم، وحساباتهم الخاطئة، من دون معالجة لتبعات الوضع الذي وصلوا إليه، ويجعلهم وحدهم دون سواهم يستقبلون سهام الانتقادات والحملات المُدينة للخسائر المعتبرة في الأرواح والممتلكات التي يخلفونها من وراء ظهرهم.
منذ بدأ التحالف حربه في الدولة المنكوبة، صارت الأهداف الإماراتية طويلة الأجل واضحة بشكل متزايد، وتتكشف محصلتها باستغلال موارده الطبيعية، وفرض الهيمنة الإقليمية بتقسيم اليمن وإنشاء دولة جنوبية صديقة، لتأمين طرق التجارة عبر ميناء عدن لبقية العالم.
وتتجلى بوضوح أدوار الإمارات الخفية والمنفذة خلف مشهد دور إحساني تتباه دعايتها الإعلامية والديبلوماسية، عبر سياسات استيطان مفضوحة في عدد من المناطق، وصلت حد إنشاء مراكز تعذيب وسجون سرية لقمع أي صوت يفضح خططها مثلما تشير له تقارير حقوقية دولية.
وكالة “أسوشيتد برس” توصلت في تقييم نشرته مؤخرا، لمعلومات عن استخدام الاعتداء الجنسي “لتحطيم السجناء وتجريدهم من إنسانيتهم” ووثقت منظمة العفو الدولية أيضا ممارسة الاختفاء القسري.
محمد بن سلمان الذي يلتزم بأجندة الإمارات، يمضي من دون تمحيص لنوايا حليفه، وأضحى المسؤول المباشر عن مآلات الوضع الذي يزيد من الفجوة الداخلية في اليمن بشكل كبير.
خطط بن زايد
أضحت نوايا الإمارات لدعم استقلال الجنوب، مفضوحة علنا، مع الدعم الذي تقدمه لمجموعات مختلفة، مثل قوات النخبة الحضرمية، لتساهم في وأد أي محاولة نحو تعزيز الوحدة في اليمن.
وتسوق الإمارات للغرب رواية تدافع عنها لتعبر بها نحو تحقيق أهدافها، بادعاء مقاتلة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ومكافحة الإرهاب، في خطوة مدروسة للحصول على دعم الولايات المتحدة، واستقطاب بريطانيا لصفها.
التحالف الذي تقوده السعودية، وتخطط له الإمارات في حرب اليمن، لم يكن ليستمر أمده، لولا الغطاء الغربي، والدعم المباشر الذي يلقاه أساسا من الولايات المتحدة التي تغض الطرف عن تجاوزات، حلفائها التي وصلت حد وصفها بجرائم حرب مستوفية الأركان.
وجاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، تعليقا على قضية دعم بلاده لعمليات التحالف العربي بلسما منح جرعة أمل لبن سلمان وحليفه للمضي في سياساتهما.
وقال المسؤول الأمريكي علنا إنه وزميله في البيت الأبيض وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومعها رئيسهما دونالد ترامب، مصممون على معالجة مشكلة اليمن، للحيلولة دون وجود حزب الله على الحدود الجنوبية للمملكة.
بومبيو، كان واضحا حين سئل ما إذا كانت الولايات المتحدة تنوي مواصلة دعمها للسعوديين في اليمن، بتأكيده عزم واشنطن مواصلة العمل على البرنامج الذي تشارك فيه حاليا.
والولايات المتحدة ليست الوحيدة التي تواجه انتقادات حقوقية دولية، على دعمها السخي الممنوح للتحالف العربي، الذي يتسبب في أسوء أزمة إنسانية تشهدها المنطقة.
وتواجه ألمانيا بدورها، ضغوطا متزايدة من الساسة، مع تعاظم صفقات التسليح الموجهة نحو السعودية التي سجلت في السنوات الثلاث من 2015 إلى 2017 ارتفاع فاتورة صادراتها العسكرية نحو مليار يورو، يضاف لها نصف مليار سجلت سنة 2018.
وتأتي هذه الأرقام بالرغم من توافق أحزاب الائتلاف الحكومي في برلين بداية السنة على عدم الموافقة على صادرات لصالح بلدان مشاركة مباشرة في حرب اليمن.
وإلى جانب ألمانيا تواصل باريس دعمها السخي لحليفيها بن سلمان وبن زايد، وشحنت لهما فرنسا ترسانة معززة من الأسلحة الموجهة نحو حربهما في اليمن.
استنكار أممي
أنباء صفقات السلاح التي تغادر المصانع الغربية وتشحن نحو الرياض، وأبو ظبي، لتحول لاحقا نحو مطارات اليمن لدك بناه التحتية، غطت على تقارير أممية استنكرت بشدة الصمت الدولي حيال المجازر المرتكبة جنوب منطقة الخليج العربي.
الأمم المتحدة، أعلنت مؤخرا، أن اليمن سيتجاوز سوريا من حيث الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وذلك لأول مرة، خلال العام المقبل 2019.
التقييم المفزع تضمنه تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” موضحا أن المنظمة الدولية تحتاج إلى أكثر من 4 مليارات دولار لتوفير مساعدات أساسية لليمن في 2019 مقابل 3.5 مليار لسوريا.
وشدد الخبراء على أن الوضع يشهد تدهورا في مختلف المحافظات اليمنية، ويتفاقم على نحو متسارع، والتأكيد أن أغلب السكان يواجهون عجزًا في إمدادات الغذاء.
وتشير التقارير الأممية بلغة واضحة إلى أن ثلث سكان البلاد، البالغ عددهم 24 مليون نسمة، في اليمن، يعانون من فقر مدقع ونسب معتبرة منهم لا تتوفر على أي رعاية صحية، مع تدمير البنى التحتية ومنع وصول الإمدادات الغذائية بسبب ضراوة الحرب التي قضت على معالم الحياة.
المعلومات الموثقة عن الجرائم الممنهجة التي ينفذها أطراف الصراع في اليمن، لا يبدو أنها حتى الآن تحفز المجتمع الدولي للتدخل وبحزم لوقف هذه الحرب التي دمرت بلدا كان يوصف من قبل بالسعيد.