وداعاً مهدي علي الراضي
عبدالله حبيبوداعاً مهدي علي الراضي … وأعرف مهدي، مهدي علي الراضي، الطفل الذي بلغ الكهولة فجأة، يوم اكتشف المسكوت عنه في حياتنا السياسية، فأخذ يلعب مع الذئاب والأسود والحيَّات، من دون أن ينسي أن الذي يسير قرب دكّان القير يتَّسِخُ بدخان القير .ـ جمعة اللامي في رثاء مهدي الراضي ـإيهٍ يا مهدي، إيه…تري لماذا يحدث لنا كل هذا؟ ماذا فعلنا كي يحيق بنا كل هذا؟ وإذا كانت الحياة كلها وجع وألم وسحق وانسحاق، وسحقاً لها، ألا نستحقُّ علي الأقل نهايات أفضل من هذه حتي ولو بطريقة رمزيَّة فحسب؟: موتٌ هادئ وداعي وادع علي السرير في المستشفي أو في بيت العائلة؟ قُبلة أخيرة من شفتي الأم الراعشتين علي الجبين البارد للمضنون الشَّقيِّ الراحل الذي سمع لكنه لم يستمع إلي أية نصائح؟ دموع تذرفها الأخت الشقيقة الكبري، علي الرغم من كل المياه التي سالت تحت الجسر، لدي مشاهدتها مغادرة النعش من فناء البيت محمولاً علي الأكتاف والذكري والذكريات وحبل السُّرَّة؟ قبر عند عظام الأجداد يمكن الوصول إليه سيراً علي الأقدام من مكان الولادة؟ قرية أو حيُّ سكَنيٌّ لا همَّ له في ذلك اليوم، وطوال أيام لاحقة، سوي تلك المِيْتَة التي حدثت كما لو أن الموت يحدث للمرة الأولي؟ الخالات والعمَّات والأخوال والأعمام والإخوة والأخوات وأبناؤهم وبناتهم وقد جاؤوا إلي المأتم/ العزاء كي يتطهروا من تلك الضغائن والمشاكسات العائلية التافهة للقطيعة الطويلة التي اكتشف الجميع الآن، أي بعد الموت بالضبط، أنها لم تكن مُبَرَّرَة بما فيه الكفاية، وكي يقولوا الله يسامحه ، أو الله يسامحنا ، أو الله يسامح الجميع ، أو آه بَسْ لو كنَّا نعرف… ؟ ألأننا، يا مهدي، عشقنا الإنسان، والبلاد، والأرض، والسماء، والجَمال، والطيور، والنخيل، والمياه، والحقَّ، والإخاء والعدالة بين البشر، يتم التنكيل بنا بهذه الصورة الفظيعة؟ لقد صرخت إحدي شخصيات بازوليني يائسة قانطة في المواجهة غير المتكافئة مع الوبال الفاشيِّ الشنيع في فيلمه الإنتحاري الأخير سالو : أيتها العذراء، لماذا تخلَّيتِ عنا؟ . وفي معتقدات الثقافة المسيحية يُنْسَبُ للسيد المسيح ما يُنْسَبُ من قول عِتابيٍّ مخذول في خطابه إلي الرب حين كانت المسامير الغليظة تعيث وجعاً في رسغيه وركبتيه علي الصليب.إيهٍ يا مهدي، إيه…أتذكر الآن انك صدَّرت إحدي رواياتك بالإهداء التالي: إلي أخي جمعة اللامي الذي كان يقول لي: يا مهدي، إذا كنت قد خسرت الآخرين فلا تخسر نفسك . لقد قفز إلي ذاكرتي ذلك الإهداء النبيل حين حمل إليَّ يوم الأحد، الثامن عشر من شباط (فبراير) الجاري، خبر انتحارك شنقاً في شقة صغيرة في أحد أرياف دمشق (تري هل كان سيغير من الأمر شيئاً لو كانت تلك الشقة الصغيرة موجودة في بغداد، عاصمة وطنك الباكي المستباح الذي غادرتَه مكرها في 1978 وعدت إليه لفترة وجيزة بعد سقوط النظام، لكن أحوال دِجْلة الخير في العصر الجديد لم تعجبك، فشددت الرحال مجدداً إلي المنفي؟). هذه المرة يا مهدي لم تخسر الآخرين، ولم تخسر نفسك. لكننا نحن من خسرك. ونحن، يا مهدي، لا نستأهل كل هذا الخسران.إيهٍ يا مهدي، إيه…أبالشنق، هذه الكلمة التي أصبح لها وقعٌ عراقيٌّ خاص؟ ألم تفكر بطريقة أخري للانتحار ـ فَلْنَقُل إحدي الطرق الرومانسية و الشِّعرية أكثر في حديثنا المجنون عن أمر الموت الاختياري قبل ربع قرن؟ أكتشفُ الآن اننا لم نكن نمزح علي الإطلاق. ثمَّ، هل انتحرتَ أم نُحِرْتَ؟ هل مُتَّ أم أُمِتَّ؟ علي الرغم من وجود رسالة انتحار بخط يدك ممهورة بتوقيعك قريباً من جثمانك المعلَّق من السقف الذي تجاوزته كتاباتك تشير فيها إلي مدي خيبة أملك في حياتك وفي ما يحدث في بلادك، ثمة الآن رواية أخري تروج عن ثلاثة أشخاص غامضين حضروا بطريقةٍ ما في مشهد وملابسات موتك بسبب طبيعة مقالاتك الأخيرة وتوقيتها، وبسبب خلفياتك السياسية. لا أدري يا مهدي، لا أدري. لستُ محققاً بوليسيَّاً أو جنائيَّاً علي طريقة كولمبو العبقري، بطل المسلسل التلفزيوني الأمريكي الذي يحل ألغاز الميتات الغامضة ببراعة استثنائية في نهاية كل حلقة. لا أُبَرِّئُ واقعنا المرير هذا من شيء، وفي ما يخص أحوال الحِزْبولوجيا العربية فإن الله وحده من يعلم. لكني أعرف أن وفاتك شنقاً خيَّبت التوقعات التي تكاثرت في سنواتك الأخيرة حول قرب موتك بتليُّف الكبد أنت القادم من بلاد أبي نواس والمتشبِّع بتراثه. وأدري جيداً، يا مهدي، اننا حين نطلق النار علي رؤوسنا، أو نبتلع عدداً من الأقراص المنوِّمة يكفي لجعل ديناصور ينام أخيراً، أو نلفُّ الحبل الغليظ حول أعناقنا، أو نطوِّح بأرواحنا تحت عجلات أقرب شاحنة ثقيلة علي الطريق السريع، أو نقذف بأجسادنا من شاهق، فإننا بذلك إنما نُنَفِّذُ حكماً أصدره علينا آخرون، وليس نحن؛ فنحن من أشد عشاق الحياة التي لا يستطيعون فهم مسعانا في أن نجعلها أجمل من شكل الورد، وأزكي من رائحة التَّوق، وأكثر شفافيَّة من عينين هما غابتا نخيل ساعة السَّحر/ أو شرفتان راح ينأي عنهما القمر ، وأدفأ من أرغفة الصباح الباكر البارد المجلوبة من التَّنور مباشرة. هذه هي المأساة بالضبط يا مهدي: إننا نُنَفِّذُ حكم الجلادين المعلومين والمجهولين بحقِّنا بأيادينا، ونخرُّ موتي الآن فحسب لأننا ببساطة شديدة قد قُتِلْنَا منذ زمن بعيد. هكذا أنوِّع آسفاً وبمرارة علي ما قاله عبدالقادر الجنَّابي: ثمَّة موتي ينبغي قتلهم .إيهٍ يا مهدي، إيه…سأظل أتذكر إلي أن أموت لقاءنا الأخير في 1983، ففي اللقاءات الأخيرة بين البشر، والتي لأنه لم يكن أحد يعلم أنها الأخيرة، ثمة أشياء لا تُنسي، بل أشياء تخلق الذاكرة. جئنا- الشاعر والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني وأنا- إلي شقَّتك الصغيرة بسيطة التأثيث وكثيرة الكتب والصحف والمجلات والأوراق في مدينة الشارقة بُعَيْدَ الغروب كي ندردش معك لساعة أو بضع ساعة خاصة وانك كنت بصدد القيام بأحد أسفارك (لم أعد أتذكر إلي اين). غير ان اللقاء الذي كان من المقرر أن يستغرق ساعة أو بعض ساعة استمر حتي شروق الشمس.إيهٍ يا مهدي، إيه…أتذكر اني شكرتك لورود اسم ظفار وروداً سريعاً في روايتك حديثة الصدور عهدذاك بيان الحب والعذاب . وأتذكر اني سألتك عن علاقتك بظفار وسبب ورودها العابر في روايتك، فرددت عليَّ بإجابة وذكريات طويلة عن علاقتك بعمانيين كثيرين في الستينيَّات والسبعينيَّات البغداديَّة المتوهجة. وتمدد الحديث ليشمل توفر الليمون العُماني المجفَّف في الحوانيت البغداديَّة فحسب. قلت لك فخوراً ان بعضه لا بد وأن يكون مقطوفاً، وأنا صبي، بيديَّ المجروحتين المُغبَرَّتين الصغيرتين مباشرة من الأشجار إلي ما نُسَميه في عُمان المِسْطَاح ، أي المكان الذي يَتَسَطَّح عليه الليمون بحرص شديد حَبَّة حَبَّة كي يجف بالتساوي تحت أشعة الشمس. أتتذكر بوحي لك بأني كنت أبكي سِرَّاً وبحرقة كمن تَيَتَّم فجأة حين تأتي شاحنات البيدفورد السوداء والخضراء التي أرسلها تُجَّار الليمون الجشعون بهديرها المتغطرس الذي يخدش حياء، وسكينة، وصمت، وفقر القرية الصغيرة كي تأخذ كل ذلك الليمون الذي، إمعاناً في كل شيء، كان علينا أن ننقله أحياناً، في الليل المؤثَّث بالجنِّ والجِمال عديمة الرؤوس وكائنات عِفْريتيَّة أخري، علي ضوء المصابيح، إلي المؤخَّرات الشاسعة لتلك الشاحنات، ولم أكن أعلم حينها ان معظم ذلك الليمون ينتهي في العراق سفراً عبر الخليج في السفن الخشبية التقليدية؟ وكان حديثنا الأخير ذاك قد تطرَّق، ليس بعيداً جداً عن رائحة الليمون، إلي علاقة الخليل بن أحمد الفراهيدي العُماني بالأصوات السِّحريَّة والشِّعريَّة للأسواق العراقيَّة القديمة: فعولن، فاعلن، مفاعيلن، مستفعلن، مفاعلتن، متفاعلن، فاعلاتن، مفعولاتن. إيهٍ يا مهدي، إيه…في تلك الليلة، إذاً، عاتبتك مُصَحِّحَاً (العبارة مبالغ فيها قليلاً لوصف الطريقة التي طرحتُ بها عليك الأمر) لأنك وصفت ظفار في الرواية بأنها مدينة ، وحدثتك عن الطوبوغرافيا، وثلاثيَّة المدينة والنجد والجبل، والديموغرافيا، والتقسيمات الإدارية والإثنية للمنطقة الجنوبية من بلادي، وكنت تصغي إليَّ باهتمام حتي قلت، كمن شعر بذنب لم يُرِد محدِّثُك إلحاقه بك علي الإطلاق، انك ستحذف وصف ظفار بالمدينة وستستبدلها بـ ظفار في الطبعة الثانية من الرواية. وأتذكر قهقهتك حين قلت: هذا طبعاً إذا قُدِّرَ لهذه الرواية أن يكون لها طبعة ثانية! (ويؤسفني جزيلاً أن النبوءة الضمنية في قهقهتك قد تحققت، إذ لم تصدر طبعة ثانية من الرواية كما هو حال السواد الأعظم من الكتب العربيَّة في الثقافة التي استهلَّت خطابها الحضاري بكلمة إقرأ ).إيهٍ يا مهدي، إيه…لكني علي صدي قهقهتك تلك، في تلك الليلة البعيدة، انتحيت بنفسي جانباً في الشقة الصغيرة وأخذت أفكر في أمر ان بيان الحب والعذاب تتضمن واحدة من ثلاث إشارات إلي عُمان في الأدب العربي القصصي والروائي الحديث ضمن المقدار الضحل الذي كنتُ قد قرأتُ حتي ذلك الوقت. الحالة الثانية كانت في رواية الإماراتي محمد عبيد غباش دائماً يحدث في الليل لأسباب هي أوضح من أن تُذكَر. أما الحالة الثالثة التي كنت أعرفها فقد كانت أكبر من مجرد إشارة، حيث كان بَطَلُ الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني في قصته القصيرة موت السرير رقم 12 في مجموعته التي تحمل نفس العنوان شخصية عُمانيَّة من رؤوس الجبال في مسندم، والتي كنتُ قد شغفت بها شغفاً خاصَّاً. وكم أتمني أن تكون هناك كتابة مقنعة حول هذا التعالق الغريب (لكن ليس العجيب) بين غسان كنفاني وذلك المريض العُماني البسيط الكادح الذي التقاه في أحد مستشفيات الكويت في الستينيَّات فتخيَّل قصته الشاقَّة بكل تلك الرؤيا واستبصرها بذلك الشكل الإنساني والمبدع.إيهٍ يا مهدي، إيه…هكذا فكرت في تلك الليلة البعيدة، إذاً، ان مشروعي القادم سيكون إجراء نوع من الجرد لورود أسماء أماكن، أو شخصيات، أو رموز، أو أشياء عُمانيَّة في الأدب العربي القصصي والروائي الحديث ليكون ذلك الكَشَّافُ نوعاً من المرجع المفيد قدر الإمكان للكتَّاب، والنقاد، والباحثين، والعاشقين، والحالمين. لكن أتعرف يا مهدي؟ لم يتحقق ذلك المشروع الذي خامرني عدة مرات بعد ليلة اللقاء الأخير تلك أبداً، وها هو يحضرني الليلة بِتَبْكيتٍ مسرف في قسوته. ليس لي أي عذر مقنِع وجيه سوي ان اليوم لا يتكون من أكثر من أربع وعشرين ساعة فقط، وسوي ان ظروف الاغتراب ومجال الدراسة جعلت علاقتي بالأدب العربي أقل من قويَّة في السنوات الأخيرة. لكن لعل أي من زملاء الكتابة في عُمان، أو حقَّاً في أي مكان آخر من بلادنا العربيَّة من الشَّام لبغدانِ/ ومن نجدٍ إلي يَمَنٍ/ إلي مصر فتطوانِ ، الذي قد يكون يُشَرِّفُني الآن مشكوراً بقراءة هذه السطور العجلي اضطراراً يفكر في الأمر، ويقتنع بجدواه، ويتبني تلك الفكرة القديمة، ويعمل لأجل تحقيقها خاصة مع توفر الإمكانيات الحاسوبيَّة و الإنترنتيَّة حالياً. أتمني، إن تحقق هذا العمل، أن يكون مُهديً إلي ذكري مهدي علي الراضي الذي كان قريباً جداً من عُمان.إيهٍ يا مهدي، إيه…كم سنفتقدك. وسيظل الكثيرون يتذكرونك بأنك كنت شخصاً زائد الثقة بالنفس أحياناً، متعنِّتاً ومزاجيَّاً ومتطرِّفاً في مواقفك الشخصية والسياسية في غير قليل من الأحيان. آخرون سيتذكرونك باعتبارك واحداً من أفضل كُتَّاب الأعمدة الصحافية الثقافية العربيَّة. أما شغفك بالثقافة الشعبيَّة العراقيَّة، وخاصة في مجال الغناء والموسيقي، فسيحضر لدي كثيرين. سيتذكرك آخرون بأنه لم يكن لديك خيار سوي أن تترك للهاجس السياسي القوي الطغيان علي موهبة المبدع الأصيل فيك، فاكتفيت بستة أو سبعة كتب (وهذا رقم غير متواضع في أية حال) تتوزع بين القصة القصيرة والرواية والمسرحية بما في ذلك روايتك العراقي المهجور التي فازت بجائزة بود لوكر الأمريكية في 2001. سيتذكرك آخرون بأنك كنت رئيس تحرير صحيفة الرافدين ومؤسس صحيفة الأسبوع التي كانت تصدر بالعربية والإنكليزية في ولاية مِشِغَن خلال فترة إقامتك في الولايات المتحدة. آخرون سيتذكرون انه حين كانت بوصلة الثقافة السياسية السائدة في العراق لا تقود إلا إلي جهة حزب البعث أو جهة الحزب الشيوعي فإنك لم تنخرط تنظيميَّاً في أي من الحزبين المتنافسين علي كسب الأفئدة والعقول بقسمة ضيزي في تفاوت الإمكانيات، هذا علي الرغم من احتفاظك بعلاقات وثيقة بالطرفين (وهذا ما أخذه عليك الطرفان حيث استقلال المثقَّف، من أجل أن يقوم بدوره، عملة نادرة في الثقافة السياسية العربية). وآخرون سيتذكرون انه ذات ليلة في دمشق الثمانينيَّات تم زفافك في بيت صغير مُستأجر في إحدي الحارات الشعبية. وبعد أن انصرف المدعوون ليتركوك مستمتعاً بمباهج ليلة الدخلة وملَذَّاتها طرق أحدهم الباب. وحين فتحت الباب لم تجد زائر فجر لا سمح الله، بل وجدت صديقك الشاعر العراقي آدم حاتم الذي لم يكن يعلم ان تلك كانت ليلة زفافك ليطلب منك مأوي فهو لا ملجأ لديه في تلك الساعة المتأخرة من الليل والتشرد. هكذا، إذاً، قضيتَ ما تبقي من الليل وأنت تنادم ضيفك وتسامره وتحاول التخفيف من وطأته وشجونه. وهكذا، إذاً، تكون ليلة الزفاف أحياناً.إيهٍ يا مهدي، إيه… ـ أتعتقد يا صاحبي العُماني أنه يمكن أن نلتقي في مسقط في يوم من الأيام؟ .ـ نعم، أعتقدُ ذلك يا مهدي .إيهٍ يا مهدي، إيه…كاتب من عُمانQMK0