لم يكن له ملامح….
فاطمة المزروعيلم يكن له ملامح….يبدو دوما وكأنه غارق في الظلام، هكذا يخيل إلي، جسد متهجم وعينان مرهقتان، يتحرك في وجوم قاتل، منذ أول ليلة لدخولي المنزل، كنتُ أري في وجهه تقاطيع موت قادم، زواجي من والده أيقظ فوضي مشاعر عديدة لديه، لم أره يبتسم ولا يضحك ولم يكن حتي صالحا للبكاء، وكأن رحيل والدته في ذلك اليوم الأغبر، ودخولي حياته وحياة اخوته، قد قلب كيانه وجعله يعيد حساباته مرة أخري في كل شيء، في اليوم التالي لزواجي دفعني الفضول للدخول إلي غرفته، لا أخفي إعجابي الشديد به، حتي قبل زواجي من والده..كنتُ ألمحه من بعيد، ويتلمس قلبي المندهش بتفاصيل الحياة، كل شيء جميل فيه، عدا تهجمه وسخطه الواضح، وعدم وضوح ملامحه أو نبرة صوته الخشنة..دخلتُ غرفته، لا يوجد بها ما يثير، صغيرة، بها سرير ومكتبة قديمة، بعض رفوفها مكسورة، حتي الكتب التي فيها تبدو رثة، وقديمة، ولكن ما لفت انتباهي كومة من الجرائد الملقاة علي الأرض بإهمال، وهناك دوائر حمراء وأخري زرقاء، قد وضعتْ علي بعض الجمل والعبارات والمقالات بصورة مثيرة، التقطها بين يدي، أغلبية القصاصات تتحدث عن أشخاص ماتوا بطريقة غير طبيعية، مثلاً بصواعق من السماء، أو شحنات عن طريق الرعد؛ تراجعتُ إلي الخلف، وكدت أسقط علي ظهري، أثر التفاف ساقي بواحدة من الجرائد المتكومة، لولا يد قوية أمسكتني، وألتفت لأنظر في خوف، كان هو. عيناه الحادتان، وجهه الغارق دوماً في ظلام محير، تلاقت عيوننا في نظرة خاطفة، وأسرعتُ بالفرار..ظللتُ طيلة اليوم متوترة، ولم أخرج من غرفتي، حتي زوجي ـ والده ـ استغرب من تصرفي، ولكنني تعللتُ له بأنني مريضة، وأريد أن أظل في فراشي، ولم يبال بي، لقد رمقني بنظرة فارغة، ثم خرج لزيارة رفاقه..وبقيتُ لوحدي في المنزل، أقصد لوحدنا، تسللتُ من فراشي في خفة متوترة، لا يوجد أحد، الأطفال في الحديقة مع المربية، وأنا وحدي، اتجهت ساقي نحو غرفته، فتحت الباب فوجدته جالساً، وفي يديه جريدة يقرأ فيها دون أن يبالي لخطواتي، إنه يبهرني، اقترب منه، أضع يدي علي كتفيه، تتحرك في أعماقي رغبات مدفونة، متوهجة، يلتفت إلي في برود، ويزيح يدي بقسوة، يا إلهي، نظراته الجليدية، تقتحمني في عنوة، تثلج قلبي، فأتراجع، ولا أشعر سوي بصفعته القوية..وتدور في عيني أحداث ماضية..زواجي من والده..وفاة والدته ..قسوتي علي أخوته.. طفولتي المحرومة..فأبكي في ألم، وأنا أعدو إلي غرفتي، لا أعرف عدد الساعات التي نمت فيها؟ ولكنني استيقظت علي صداع عنيف، وجلبة قوية، لا بد إنه واقف أمامي، ها هي ملامحه تتكون جزءا، جزءا، في مزيج رائع، ولكن لا لا..إنه زوجي العجوز، يطلق صرخات أشبه بعواء كلب جريح، أنهض من فراشي في صعوبة، ماذا حدث؟إنه هو..ماذا به ؟يجرني زوجي من ذراعي بقسوة مجنونة، وأجد نفسي واقفة أمام غرفته، لا لا أريد الدخول، جسدي يرتعش، روحي تنتفض وكأنني طير مبلل ظل يوما كاملا تحت أمطار يناير، كان بابه مفتوحا، وهناك جمهرة كبيرة من النساء والرجال والشرطة متجمعين داخلها يتحدثون بأصوات مبهمة، والنسوة كن يبكين بصوت مبحوح، وهن ينظرن لي في احتقار…..اقتربت منهم بخطي مرتجفة، وجسدي يتأوه، ويلفظ حمما بركانية، لا لا لا أصدق، لقد كان ميتا، جثة ساكنة، لا تتحرك، وسط الجرائد الملقاة بإهمال في المكان، وفراشه، هناك بقعة حريق كبيرة علي فراشه، لا أصدق، اقتربت أكثر منه، وضعت يدي علي جسده، تلمستُ وجهه الذي طالما تمنيتُ أن أضع أناملي عليه، خفتُ من نظرات النسوة، تراجعتُ وأنا أبكي بنحيب مكتوم، كيف مات بهذه السرعة؟ كيف؟قبل ساعات كنتُ معه، دارتْ نظراتي في الغرفة، يا إلهي لم يرحل؟ وقفت أنظر إليهم وهم يحملون جثته، وتكومتُ في مكاني، ونظراته الباردة تعود إلي في أنغام سريالية..بعد يومين جاءتْ نتيجة البحث الجنائي، بأنه مات ميتة غريبة، فلا توجد أعواد ثقاب ولا سجائر، ولم تصل النتائج للسبب الحقيقي للحريق الموجود علي فراشه، سوي أنه ربما احترق جسده احتراقا ذاتيا..لقد أراد أن يكون هكذا، هذه غرفته مفتوحة الأبواب، وكومة الجرائد لا تزال موجودة كجثة متعفنة علي أرضية الغرفة.قاصة من الاماراتQSR0