د. عماد عبد الرازق
الإرهابيون أنت امامهم.. لولا تعامي القوم والغوغاء استيقظت امريكا الأسبوع الماضي علي هول جديد قديم ولم تنم طوال اسبوع كامل ظلت فيه اشباح الضحايا الأبرياء وصورهم وحكاياتهم المضنية تطاردهم في عرض متواصل عبر وسائل الإعلام اسمحوا لي أن أمنحه مصطلحا جديدا هو التغطية السجادية: تيمنا بالقصف السجادي أو Carpet Bombing . حكاية الشاب الأمريكي من اصل كوري تشو تسونغ هوي ليست سوي حلقة في سلسلة طويلة من التراجيديا الأمريكية بجدارة، في بلاد يعتبر شراء الأسلحة الآلية فيه في مثل سهولة شراء علبة سجائر مارلبورو، مع فارق بسيط ان السجائر لن تقتل سوي صاحبها (بعد عمر طويل)، أما الأسلحة فقد قتلت في الحالة الأخيرة اثنين وثلاثين من طلاب وطالبات واستاذة جامعة فيرجينيا للتكنولوجيا. لم يكن ممكنا أن يتجاهل المرء ذلك التشابه المريب بين الطريقة التي اختار بها تشو أن يعلن صرخته اليائسة الأخيرة، وبين شرائط الانتحاريين التي كان الفلسطينيون أول من دشنها جزءا لن ينمحي من ذاكرة القرن العشرين البصرية. وهذه المقارنة أو وجه التشابه لم تغب عن بعض المعلقين الأمريكيين الذين تكاثروا كالناموس وانتشروا كالهاموش علي الشاشات الأمريكية. أحد هؤلاء الأدعياء عقد مقارنة اختزل خلالها كل أوجه الاختلاف ليخرج بنتيجة معدة سلفا بإدانة كليهما. لكن المذيع، الذي لفرط دهشتي تصادف أن كان ملما بأبعاد القضية ولفرط دهشتي أيضا أصر علي أن يرد المذيع عن غيه الأعمي، ذكره أن الانتحاريين الفلسطينيين او الإسلاميين عموما يموتون من أجل قضية يؤمنون بها (ايا ما كان رأينا ـ أي رأي الغربيين ـ فيها) إلا أنهم شئنا أم أبينا ـ قال المذيع ـ يؤمنون بصدقها وبأن مصيرا أفضل ينتظرهم في العالم الآخر. أما المسكين تشو فقد اطلق صرخته الأخيرة مع الرصاصات التي اخترقت رأسه، ولا أحد يعلم حتي الآن دوافعه الحقيقية. الانتحاري الأمريكي لم يكتف بنقل النموذج العربي أو بالتقليد الأعمي له، بل أدخل عليه تطويرا واضافة جديرة بالتنويه. فقد ولت تلك الأيام التي كان الشخص اليائس يكتفي فيها بكتابة رسالة قصيرة يلخص فيها مأساته وأسباب انتحاره. لقد ضمن تشو صرخته الأخيرة للعالم أعماله الكاملة: صور فوتوغرافية له في اوضاع مختلفة معتمرا الأسلحة التي ابتاعها ومصوبا اياها في كل الاتجاهات، علي رأسه وعلينا وعلي اعدائه الحقيقيين والمتوهمين (أعراض لا تخطئها العين لثقافة الكاوبوي وعبادة القوة وإعادة إنتاج العنف داخليا وخارجيا حول العالم في ما لا حصر له من الأشكال بدءا بشن الحروب الاستباقية وليس انتهاء بالبلطجة السياسية والديبلوماسية وحصارات التجويع والتشريد وفرض العقوبات الاقتصادية دون وجه حق)، ورسالة خطية أشبه باعترافات ممزوجة بصيحات الغضب واليأس والإحباط المريرة. وأخيرا شهادته للعالم بالصوت والصورة، وبالأحري صرخته الغاضبة ولعناته التي صبها علي العالم الفظ الذي لم يعره انتباها يوما ما فقرر أن يسمعه صوته ولو لمرة واحدة وأخيرة. بعض ما جاء في هذه الرسالة جدير بالتوقف عنده لأنه يحيلنا مباشرة علي الطريقة التي تعامل بها الاعلام الأمريكي مع حالة تشو تسونغ هوي. فقد استوقف ذلك د. عصام العريان، الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة في مصر المحروسة مهد الديمقراطية وجنتها الخضراء الوارفة الظلال) وقال في برنامج علي قناة المنار أنه لو كان مرتكب مجزرة فيرجينيا مسلما لسارع الإعلام الغربي وأطلق عليه وصف الإرهابي الإسلامي وغيرها مما لذ وطاب من أوصاف السب وألقاب الإدانة التي تلصق بالإسلام. أما وأن القاتل مسيحي فلم يجرؤ أحد حتي علي استخدام وصف الإرهابي في الإشارة إليه، في حين أنه جدير بكل تلك الأوصاف. ولنقرأ ما قاله في تبرير حفلة القتل العشوائي التي أقامها لزملائه وأساتذته في قلب الجامعة إذ يقول كانت امامكم مئة مليون فرصة وطريقة لتفادي هذا اليوم. لكنكم قررتم إراقة دمي. لقد دفعتموني إلي زاوية وتركتم لي خيارا وحيدا. كان القرار قراركم. الآن تلطخت أياديكم بدماء لن تنمحي أبدا. تتوقف الموسيقي. قد أكون لا شيء سوي مجرد صبي. لقد شوهتم قلبي واغتصبتم روحي وعذبتم ضميري. لقد ظننتم أنها مجرد حياة صبي بائس تزهقونها. لكن بفضلكم أموت مثل عيسي المسيح لألهم اجيالا من الضعفاء ومن لا حول لهم ولا قوة. هذا الخطاب الذي يستعير نتفا من لغة شكسبير (كما في ماكبث حين يقول إن أياديه ملطخة بدماء كل عطور الشرق لا يمكن أن تمحوها)، يبدو مزيجا من مشاعر البارانويا أو جنون العظمة والاضطهاد، ولمحات من الهوس الديني الذي يصل ذروته في توحده بشخصية المسيح، فيتصور نفسه معذبا ومخلصا في الوقت ذاته. أو لسنا هنا أمام متطرف مسيحي مهووس دينيا استحوذت فكرة الانتقام العدمي عليه تماما، واشتد عليه خطب الأحساس بالضياع والظلم والاضطهاد والوحدة القاتلة فقرر ان يرحل عن العالم لكنه آثر الا يكون وحيدا ولو لمرة أخيرة؟ أركان الإرهاب متوفرة هنا في جريمة السيد تشو، كما أن معالم الهوس الديني المسيحي بينة أيضا، ومع ذلك فإن أحدا لم يجرؤ علي وصفه بالإرهابي المسيحي، تماما كما أن الإعلام البريطاني لم يحدث ابدا أن وصف عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي (أي أر إيه) بالإرهاب المسيحي (ولم تكن توصف في امريكا بالإرهاب اصلا)، ولا سمعنا أحداً يصف عمليات جماعات مثل بادر ماينهوف، ولا العمل المباشر الفرنسية، ولا ثوار الباسك الإنفصاليين بالإرهاب المسيحي، ولا نمور التاميل الانفصاليين بالإرهاب البوذي أو الهندوسي. وعلي هامش هذه التغطية السجادية الكاسحة الماسحة للأحداث التراجيدية، لم يفت الإعلام الأمريكي أن ينوه مرارا وتكرارا، ليلا ونهارا جهارا، ببطولة وشهامة وعظمة الأستاذ اليهودي الذي فدي طلابه وضحي بحياته من أجلهم حين وقف يصد باب الفصل الدراسي بجسده ليمنح الطلاب وقتا ليهربون عبر النافذة من زخات الرصاص المنهمر. حتي الرئيس جورج بوش نفسه أشاد بالأستاذ (الذي تصادف بأنه من الناجين من الهولوكوست)، وخصه بعبارات الثناء والدعوات والصلوات المباركات في قداس أقيم علي روح الضحايا. ولا اعتراض علي ذلك طالما أن طالبا آخر تصادف انه مصري وصل لتوه ليدرس للدكتوراه في الجامعة، فعل العمل البطولي ذاته ووقف يفتدي الطلاب وراء الباب بجسده وكان مصيره الموت مغدورا. إلا أن احدا لم تسعفه ذاكرته أن يشير إليه ولو عابرا. أسامة الباز متلعثما تليفزيونيا.. أول وآخر مرة! لو كنت من رئاسة الجمهورية المصرية لاستصدرت حكما قضائيا بالحجر علي د. اسامة الباز ومنعه منعا باتا من الظهور علي شاشة التليفزيون، أي تليفزيون، محلي أو عربي أو حتي يبث في كوكب عطارد. من أجل هذا الرجل المخضرم في عالم السياسة يجب استحداث منصب جديد خصيصا اقترح تسميته المتلعثم الرسمي، وهو تنويع علي وظيفة المتحدث الرسمي. لقد شاهدت الدكتور الباز ضيفا علي برنامج اليوم السابع وكادت الدموع ان تفر من عيني حزنا وكمدا عليه. فما رأيت رجلا قط في مثل هذا الحيص بيص وهو يرد علي أسئلة محمود سعد، واحد من أكثر المذيعين المصريين لزوجة ومطاطية، فهو المترفق دوما، الحنون للغاية علي ضيوفه، تأخذه الشفقة بهم حتي تخاله سيركع أمامهم ويقبل أياديهم طلبا للصفح والمغفرة إذا ما تسببت أحد اسئلته في إحراجهم أو إزعاجهم أو أي شبهة من هذا القبيل، ولهذا ايضا تجده يسبغ عليهم من كرم الضيافة أطنانا من عبارات المديح والإطراء، يتحسس طريقه نحو الأسئلة بعد ان يخففها ويهندمها ويهذبها ويقلمها ويشذبها، ويطعمها بجمل وعبارات اعتراضية واستطرادية من قبيل علي سبيل المثال، أو لنفترض جدلا أو لنتخيل و أنا لا أقول أنك قلت كذا أو فعلت كيت، وهكذا إلي أن يبعد جميع الشبهات والشكوك والايحاءات عن فحوي السؤال حتي يصير مائعا ساقعا لا طعم له ولا لون ولا رائحة. مع كل هذا كان د. أسامة الباز كارثة تليفزيونية بكل المقاييس. نعم كان الرجل أشبه ببطل تراجيدي في إحدي المآسي اليونانية العظيمة الخالدة، البطل الذي كان نبيلا حتي سقط سقطته التراجيدية نتيجة علة أو خلل في شخصيته، فحلت عليه لعنة الآلهة وسقط من عليائه مضرجا في أهواله التي صنعها مزيج من قدره الغشوم وحمقه أو النقيصة الأخلاقية المتأصلة فيه. علي الرغم من ان د. الباز لم يكن في يوم من الأيام بطلا ولا يحزنون، لكن هكذا علي الأقل كان الناس يحسنون الظن به (وانا واحد منهم، مع كل هذه المناصب التي شغلها في قمة الهرم السلطوي لأكثر من ثلاثين عاما، إلي أن شاهدته متحدثا تليفزيونيا). نعم احسست بالشفقة كما نحس بالشفقة علي أوديب الذي فقأ عينيه أو هاملت غارقا في جحيم شكوكه وهلوساته وانجرافه نحو هاوية الجنون، يطارده شبح ابيه المغدور بالتآمر بين امه وعمه الخؤون، أو الملك لير وقد استبد به الجنون والخرف. اشفقت علي الدكتور الباز ولعنت من نصحه بالموافقة علي الظهور في البرنامج ليدلي بهذه الإجابات المهترئة، والتبريرات المهلهلة لسياسات لا يجرؤ حتي علي تبنيها او إدعاء أنه كان من صانعيها، وحين ينبري للدفاع عنها (كلمة ينبري كبيرة الي حد ما)، حين تساوره نفسه الأمارة بالسوء أن يدافع عنها، تكون الطامة الكبري وينكشف المستور. كان الرجل يتلعثم تلعثم من ضبط متلبسا كما ولدته أمه في وضع مخل بالآداب، يهرف بكلمات وعبارات لا تعني شيئا البتة، ومضيفه المسكين يجاهد ويكابد في أن يستخرج المعاني من وسط ركام الهراء الذي ينسكب من فم الرجل الباز (وياللمفارقة في اسم ليس علي مسمي بالمرة، فهو أبعد ما يكون عن الأسامة وعن الباز) وكلما شط الدكتور واشتط يعيده محمود سعد بأدبه المتصنع لدرجة التزلف الي لب الموضوع، ويعيد علي مسامعه السؤال عينه بشحمه ولحمه ودمه، ولكن دون جدوي، تذهب جهوده المضنية أدراج الرياح. إنه حتي لا يجيد التهرب من الأسئلة، ولم يدل بتعليق واحد تشتم منه رائحة الذكاء أو الألمعية. تتعقد منه الخطوط، ويتوه في الزحام وتخونه الكلمات وتضيع منه الأفكار ونضيع معه ونحن نعتصر جباهنا لنتأكد أن البلاهة لم تحط علينا فجأة، ونفرك اذاننا لنتأكد أن الصمم لم يعترها بعد، ونحملق في الشاشة ونفرك عيوننا لنتأكد أن هذا هو د. اسامة الباز مستشار رئيس أكبر دولة عربية للشؤون السياسية بشحمه ولحمه ودمه وقده وقديده، حامل الدكتوراه من بلاد العم سام. وياميت ندامة ع الفرع العدل لو مال. كانت المناسبة مرور عشرميت سنة علي مبادرة الرئيس السادات وزيارته للقدس. وفي نفس اليوم تقريبا وعلي قناة أخري بثت الشاشة المصرية برنامجا عن المناسبة ذاتها، كان أسوأ ما فيه مقدمه: عمرو الليثي، عضو جديد من قبائل التوريث فرضوه علينا فجأة من حيث لا نعلم التي احتلت وسائل الاعلام وسدت المنافذ أمام خلق الله وعباده من غير المشمولين بالعناية الوراثية (هو ابن ممدوح الليثي، ولمن لا يتذكرونه، فهو الرجل الذي أدين بقضية مخلة بالاداب ضمت بين آخرين مذيعة ومؤلفا، وكان حكم القاضي ضده مرصعا بإدانات أخلاقية دامغة، لكنه مع ذلك خرج منها كالشعرة من العجين وعاد لينتخب نقيبا للسينمائيين). كارثة مشابهة شاهدتها في حلقة أخري من حالة خوار (نعم بالخاء لا بالحاء) كان ضيفها وزير الخارجية أحمد أبو الغيط. بدا الرجل غارقا في (شبر ميه)، كما يقول المثل، وقد حسب أن جلوسه مضطجعا في مقعده الوثير كفيل بأن يبدد غيوم الشكوك والتساؤلات والاتهامات التي تحيط بالسياسة الخارجية المصرية في عهده غير الرشيد، والتي انهمرت من بعض الحضور ففضحت أداءه المثير للأسي والحزن والغم والنكد. (قريبا جدا أتحفنا بتصريح من نوع مصر لن تقطع علاقاتها بإسرائيل بسبب شريط وثائقي، ربما كان يقصد لابد وان يكون علي اسطوانة سي دي). ماذا وراء هذه الظاهرة؟ نعم إنها ظاهرة، أعني ظهور الوزراء والمسؤولين المصريين في برامج تليفزيونية للرد علي اسئلة الجمهور او الصحافيين او المختصين فتكون النتيجة كارثية؟ ببساطة هناك سببان، الأول أنهم وزراء تنابلة، أي معينون وليسوا سياسيين محترفين، بل تربوا وترعرعوا في ثقافة اللامساءلة واللاحساب، وفجأة بسبب تفجر موجة الفضائيات واكتساح برامج الحوارات الساحة الاعلامية، وجدوا أنفسهم في وجه المدفع. لماذا؟ لأن التليفزيون المصري أفاق أخيرا من سباته وقرر ان يقارع الفضائيات العربية ويظهر بمظهر من يناقش قضايا الجماهير ويحاسب المسؤولين. لكن لأن الهدف غير نبيل وغير شريف، وتم بأوامر عليا من السلطان، فإن هؤلاء المذيعين يبدون كمن رقصوا علي السلالم، لا هم يجرؤون علي مواجهة المسؤولين وعصرهم أو تقليبهم علي نيران الأسئلة، ولا هم بقادرين علي تنكب المهمة كلية إذ يتعين عليهم إضفاء طابع المساءلة علي الحوارات التي تبدو في كثير من الأحيان معدة سلفا ومفبركة. وتكون النتيجة هذا الخليط من البرامج المضطربة التي يتصبب فيها الوزراء والمسؤولون عرقا او يتلعثمون ويرتجفون أمام مذيعين في دور عيالهم، رغم إن المسألة في بيتها أو زيتنا في دقيقنا، ثم إن البيت بيتك، كما يقول اسم أحد هذه البرامج.
ناقد من مصر يقيم في امريكا4