السنوسي بسيكري
انتهت المدة التي حددها قرار مجلس الأمن لانصياع إيران. القرار تضمن فرض عقوبات جديدة علي طهران لاجبارها للتخلي عن برنامجها النووي. غير أن الموقف الإيراني لم يتبدل ولا تزال تصريحات كبار الساسة الإيرانيين حتي عشية انتهاء المدة ترفض التخلي عما اعتبروه حق امتلاك التقنية النووية. ويمكن تفسير صمود الموقف الإيراني بدواع عقائدية تؤمن بها القيادة الإيرانية الروحية والسياسية تعزز من ثباتها كلما حاول الغرب الضغط علي الجمهورية الإسلامية وتسهم في تعبئة الشارع خلفها. غير أن إدارة الأزمة من الجانب الإيراني تتأسس علي جملة من القواعد السياسية والحراك الدبلوماسي لتوظيف المعطيات الراهنة لصالح تقوية الموقف الإيراني من خلال استخدام الحالة الإقليمية كأوراق ضغط ضد الخصوم واختراق الجبهة المضادة وتشتيت مواقفها واستغلال المعطيات الدينية والجيوسياسية في الصراع لمنع أي تصعيد يهدد المصالح الأمنية الإيرانية العليا. ويذهب العديد من المحللين إلي القول بأن الموقف الإيراني المتصلب حيال البرنامج النووي يخدم تطلع القيادة السياسية لمجابهة مشاكل داخلية سياسية واقتصادية وحرمان الخصوم السياسيين في الداخل من استغلال فرصة تنبيه الشارع الإيراني إلي أسباب الأزمة الداخلية من خلال تركيز الأنظار علي الخطر الخارجي وتعبئة الجمهور حول قضية لا يختلف علي حيويتها اثنان.
تستفيد إيران من ارتباط اشتداد الأزمة بزيادة التوتر العالمي من خلال التأثير علي إمدادت النفط وأسعاره. إيران التي تنتج حوالي أربعة مليون برميل من النفط يوميا هي رابع منتج في العالم وتمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي بعد روسيا، ووسط ازدياد حساسية أسعار النفط للتوترات فإن طهران تدرك أن التصعيد السياسي أو العسكري تجاهها سيضر بمصالح الغرب بشكل كبير ويزيد من حالة التوتر التي تشهدها المنطقة بشكل خاص والعالم بشكل عام. وإن قلل البعض من احتمال إيقاف إيران الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يتدفق من خلاله 25% من أمدادات النفط العالمية، فإن العديد من الدراسات الغربية والعربية اعتبرت هذا العامل ورقة قابلة للاستخدام في حال تنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية.
تستفيد إيران بشكل مباشر من أزمة الولايات المتحدة في العراق، إذ أن تعقد الأوضاع واستمرار فشل كل مساعي واشنطن في السيطرة علي الحالة يجعل موقف الولايات المتحدة أكثر حرجاً وبالتالي يتراجع خيار لجوء الأخيرة إلي التصعيد العسكري أو حتي السياسي من خلال تشديد العقوبات. ويترتب علي فقدان البيت الأبيض زمام المبادرة تماماً في أحتواء الفلتان الأمني في العراق، وهو أمر مشاهد، القبول بتوصيات الأصدقاء قبل الخصوم في أمريكا وخارجها بإشراك إيران لإيجاد مخرج للمأزق العراقي ولن يتحقق من غير كلفة ولكن يكون أمام واشنطن خيار آخر. وتجري هذه الأيام لعبة شذ وجذب بين الطرفين. بوش أعطي الأوامر لوزيرة خارجيته للقاء النظراء الإيرانيين لمناقشة الأوضاع في العراق مع التصريح بأن ذلك لا يعني تغير موقف البيت الأبيض حيال الملف النووي الإيراني. بالمقابل إيران التي التقي مندوبها بالممثل الأعلي للسياسة الخارجية الأوربية في أنقرة اليومين الماضيين، أعلنت عن تعليق مشاركتها في مؤتمر شرم الشيخ الذي سيناقش المسألة العراقية بمشاركة عرب وأمريكيين. وأتصور أن طهران ومن خلال إمساكها بزمام المبادرة في الشأن العراقي تسعي لجر الولايات المتحدة لتوسيع دائرة الحوار البيني ليشمل تفاوضاً مباشراً حول مشروعها النووي ويمكن أن تفلح في هذا.
ويترافق مع غوص الولايات المتحدة في المستنقع العراقي رغبة أوروبية في النأي بالأزمة الإيرانية بعيداً عن التصعيد، ومن صالح بروكسل، وهو خيار تناور لأجله، أن تطول مدة التدافع السياسي ويمتد زمن التفاوض والدبلوماسية لأنها تفوت الفرصة علي الخيار العسكري الذي تضع إسرائيل كل ثقلها لتنفيذه ويؤيده البيت الأبيض والبنتاغون لولا المأزق العراقي. ويندرج ضمن ذلك عدم نفاد صبر بروكسل من إمكان التوصل إلي حل وبالمجمل ترجيح التعامل مع إيران وفق ما تمتلك من قدرات وليس النوايا. علي محور آخر تعظم طهران استفادتها من المواقف الروسية والصينية وتعمل علي توظيف استراتيجيتهما التي تهدف إلي كسر الطوق الأمريكي ومحاولة وقف استئثار وهيمنة واشنطن علي موارد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وفرض إرادتها علي المجتمع الدولي. وتدرك كل من بكين وموسكو خطورة بروز دولة نووية جديدة في الشرق الأوسط، إلا أن استراتيجية مواجهة واشنطن، وهي مسألة حيوية جداً لكلتيهما، قد تقود إلي رعاية إيران وجعلها رأس حربة في استراتيجيتها في مواجهة الرعاية الأمريكية لتل ابيب وكونها رأس حربة في استراتيجية واشنطن في المنطقة. أيضا يصب تململ الرأي العام العالمي من سياسة الحرب الأمريكية في كفة طهران وتُستقبل الدعاية الأمريكية ضد إيران والتخويف من نواياها بحماس أقل من قبل الأمريكيين وغيرهم وذلك بعد زيف الدعاوي التي قامت عليها الحرب علي العراق. من ناحية ثاني يذهب بعض المحللين الاستراتيجيين الغربيين إلي القول أن مساعي إيران لامتلاك قدرات عسكرية وتطوير إمكاناتها التسليحية والدفاعية مبرر مع زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
مسألة مهمة تتعلق بأسلوب إدارة إيران للأزمة وهي الربط بين التصعيد الدولي وتطوير القدرات التسليحية والإعلان عن إنجازات جديدة مع صدور قرار جديد من مجلس الأمن والتهديد بالخروج كلياً من معاهدة انتشار السلحة النووية في حال ضاعف الغرب من ضغوطه.
أمام كل المعطيات التي تحيط بالقضية يصدق ما ذهب إليه أحمدي نجاد من تقديره لعجز الغرب عن منع إيران من تحقيق أهدافها بأساليب الترغيب والترهيب، فإيران رفضت الجزرة والعالم ليس لديه عصا.