السوق المغربية ضحية الكوكاكولا الفضائية والولايات الجزائرية ضحية ميدي 1 سات

حجم الخط
0

توفيق رباحي

شهدت قناة دوزيم المغربية الاربعاء الماضي نقاشا حول التغطية الاعلامية للاحداث الارهابية التي شهدتها الدار البيضاء، ولجو الرعب الذي عاشته منذ 10 اذار (مارس) الماضي.

تشعب النقاش وتعرض بالنقد للصحف المطبوعة والقنوات التلفزية المحلية التي اخفقت في اشباع فضول القارئ والمشاهد المغربي حول الاحداث. لكن النقاش انحرف الي انتقاد قنوات سماها احدهم فضائحية (بدل فضائية) لانها اغرقت في الاثارة والتغليط وعدم الدقة، بحسب ما قيل في جلسة النقاش.

كان مفتاح النقاش قناة الجزيرة ومراسلها الشاب، محمد البقالي، الذي غطي احداث الدار البيضاء فاستعمل عبارة ما يوصف بالارهاب في احدي تغطياته. و خبر عاجل نقلته الجزيرة عن وكالة رويترز، في ذروة الذعر والتوتر، عن انفجارة سيارة مفخخة، اتضح لاحقا انه غير صحيح.

ما لم يقله الحاضرون في برنامج دوزيم، هو ان المغرب فتح عاصمته وفضاءه للقنوات الاجنبية، وكلها اقوي من المحلية، دون ان يطوّر هذه الاخيرة او يوفر لها وسائل وظروف الحد الادني من المنافسة. تماما مثلما تفتح سوقك لمشروب كوكاكولا او اي منتوج عالمي آخر قبل ان تطوّر منتوجك المحلي الرديء، فسرعان ما ينهار وتغلق انت المصانع وتسرّح العمال.

ما حدث بالمغرب هو ثمن طبيعي للانفتاح علي الاخرين. لا يمكن ان تتباهي علي اخوتك وجيرانك بانك الاكثر انفتاحا دون ان تدفع ضريبة انفتاحك المزعوم. لو ان المغرب بقي مغلقا والقنوات الفضائية مغيّبة او تحت اعين المخابرات ووزارة الاعلام، لشاهد العالم صورا واحدة مغربلة ومكررة لاحداث الدار البيضاء، الصور التي تريد الحكومة تسويقها للعالم، مثل صور قناة الاخبارية السعودية في الاحداث المشابهة. بل كان يمكن حرمان العالم كله من اية صورة، مثلما فعلت تونس عند رواج اخبار عن مواجهات بين امنها وجماعات مسلحة اواخر السنة الماضية وبداية الحالية.

اذا اخذنا بفرضية ان الفضائيات العربية ذات التمويل الخليجي موالية تقليديا للمغرب وقريبة منه بحكم قرب الممولين من العائلة الملكية المغربية واستثماراتهم بالمغرب وقصورهم هناك، لن يبقي الا الجزيرة التي تشذ نوعا ما عن الجميع وكمصدر ازعاج، ليس كرها في المغرب، لكن حفاظا علي خطها وسمعتها.

من هنا يحق التساؤل لماذا اصاب المغرب الرسمي وشبه الرسمي كل هذا الذعر من تغطية احداث الدار البيضاء، وهي ليست سوي فكرة صغيرة عن ما يمكن ان تبلغه الامور؟ وما هي ردود الفعل التي كنا سنشاهد لو ان ميدي1 سات (فرنسية ـ مغربية) عملت بنفس طريقة الجزيرة، وكذلك فعلت القنوات الفرنسية التي يمكن القول انها تشبه القنوات الخليجية في قربها من المغرب؟

اكاد اقول ان القصد من برنامج دوزيم كان اساسا انتقاد الجزيرة، وان النقاش الاخر كان لمجرد التمويه. ذلك ان الاحتقان ازاء الجزيرة كان، علي ما يبدو موجودا، احد اسبابه تعاطيها مع موضوع الصحراء الغربية، وعبرت عنه تعليقات بعض الصحف المغربية (ليبرالية ومحافظة ومن كل الاطياف)، وان تغطية احداث الدار البيضاء كانت مجرد مسببات لتصعيد حملة النقد، واشراك قناة تلفزيونية فيها. لهذا صبّت المناقشة بين الحاضرين (خمسة صحافيين بينهم سيدة) في انتقاد القنوات المحلية منطلقة من الاعتراض علي تغطية الجزيرة، واخفت رغبة من بعضهم في ان تنزل الجزيرة الي مستوي القنوات المغربية بدل العكس. فمن قلة العقل ان يقارن احدهم بين القناة القطرية بقوتها وعالميتها مع قنوات محلية كسيحة (بينما كانت الاولي تلاحق الخبر بالصوت والصورة، كانت القنوات المحلية تبث برامج عن الطبخ او اشرطة تجاوزها الزمن عن الطبيعة في اعماق البحار). لا شيء يسمح بالمقارنة. بل من السخف الخوض فيها. واذا كان هذا الحال اغضب الزملاء المغاربة، ما عليهم الا ان يتذكروا ان آخر من تحدث عن تفجيرات طابا وشرم الشيخ ونويبع هي القنوات المصرية، وان القنوات السورية هي آخر من علم بتفجير سيارة مفخخة في منطقة المزّة العام 2004، وان القناة الجزائرية لم تسبق ولم تنافس الجزيرة في تغطية الهجوم علي قصر الحكومة قبل ثلاثة اسابيع. هذا واقع موجود وسيستمر لو حدثت تفجيرات اخري او احداث مشابهة في المستقبل، بأي دولة من الدول العربية، والمغرب ليس استثناء.

احد الحاضرين في النقاش احتج متأففا: يا اخي ما تقارنليش المغرب بالجزائر وسورية ومصر. مع الاسف، هذا غرور في غير محله. المقارنة ضرورية ومفيدة لان لا فرق بين تلفزيونات المغرب وتلفزيونات الدول المذكورة آنفا واخري (ليبيا، تونس، الاردن، الكويت.. جميعا). الفرق الوحيد هو ان دوزيم (وهي رسمية يقال عنها شبه رسمية ) امتلكت شجاعة مناقشة اخفاقها مباشرة، ولو ان هذه المناقشة كانت اشبه بغيبة ونميمة. وازيد ان المشكلة ليست في قنوات تلفزية وتغطيات، بل في عقلية ثقافية وسياسية نخبوية، ليست حكرا علي المغرب. فالنقاش الذي شاهدناه في دوزيم هو نفسه الذي سمعناه وسنسمعه، باشكال مختلفة، في وسائل الاعلام الرسمية بالدول العربية (آخرها الاردن بسبب مقابلة الامير الحسن بن طلال)، تقوده نخب وفئات ترفض تقبّل الامر الواقع الجديد المتمثل في انك لا يمكن ان تمضي حياتك منتقدا الجزيرة (رغم عيوبها الكثيرة) بينما تجري المياه من تحت جسورك منذ زمن.

عليّ ان اقول في الاخير، لا دفاعا عن الجزيرة ولا انتقادا لـ دوزيم، ان برنامج الاربعاء كان عبارة عن حلقة نميمة بحق زملاء (مغاربة) ذنبهم انهم يعملون في قناة غير مغربية تتناول الاشياء بطريقة حولها جدل.

فلو جيء بمندوب عن الجزيرة للدفاع عن وجهة نظرها، لارتقي البرنامج واصحابه و دوزيم جميعا الي صف ما نشاهد في القنوات العالمية من تحضر. لكن ان تقيم عرسا لانتقاد قناة وزملاء موجودين علي بُعد اميال منك وتصر علي تغييبهم، فانت تنزل الي نفس مستوي التلفزيونات الرسمية في الدول العربية التي تدّعي انك تفوقت عليها في موضوع الحريات.

هذا ما يدفعني الي القول مرة اخري ان لا فرق بين القنوات المغربية والاخريات، ولا فرق بين النخب السياسية، من الرباط الي مسقط، كلها سليلة منظومات سياسية وثقافية واجتماعية متشابهة.

طنجة ولاية! ابقي في المنطقة المغاربية. قرأت مذيعة الاخبار في ميدي1 سات، ليلي بوزيدي، في احدي نشرات الاسبوع الماضي خبرا عن اكتشاف نفطي جديد بـ ولاية عين صالح في الصحراء الجزائرية.

عدد ولايات الجزائر 48 ليست بينها عين صالح، يا الحنّونة، لان اذا كانت عين صالح ولاية، فـ(حي) باش جراح دولة. هذا اولاً. ثانيا، سأوسع خيالي قليلا نحو نظرية المؤامرة واقول ان الخبر يشبه بحثا عن فتنة في الجزائر.

ربما لا تدري ليلي بوزيدي (وهي تبدو جزائرية من لكنتها) ان في الجزائر، عندما تغرق بلدة او مدينة في مشاكل التسيير والتنمية وييأس سكانها من وجود حلول، يغيّرون مطالبهم بان تصبح مدينتهم ولاية، وان اعمال شغب قامت في الماضي بمدن وبلدات شعر سكانها بالغبن لانها لم ترقّ الي ولاية. والتقسيم الاداري القادم هو حديث قديم يتجدد منذ عقود في تصريحات الوزراء والنواب عندما يزورون منطقة يعرفون ان حلم ـ نقطة ضعف ـ سكانها ان ترتقي الي ولاية. اطرف ما سمعت ان بمدينة سطيف حيّا ضخما من الصفيح اُطلق عليه اسم طنجة في الثمانينات، كلما انهزم وفاق سطيف في مباراة كرة، عبّر سكانه عن غضبهم بمظاهرة محلية يصرخون خلالها بقوة: طنجة ولاية. واذا قادك المسير في السنوات الماضية الي بلدة بوسعادة بالهضاب العليا الوسطي، سيلفت انتباهك، وانت تدخلها، رقم 49 المسجل بالدهن علي الحيطان. عندما سألت قيل لي انه الرقم الذي من المفروض ان تأخذه بوسعادة عندما تصبح (او كانت ستصبح) ولاية. لكن سكانها يقولون انها غُبنت مرتين، مرة في السبعينات عندما اختيرت بدلها مدينة المسيلة المجاورة بضغط من العقيد عبد المجيد علاهم (مدير مكتب الرئيس الراحل هواري بومدين) لانه ينحدر منها، ومرة اخري في التقسيم الجديد العام 1985. انقضت سنوات وما زالت بوسعادة تعيش حلما تتوارثه اجيال من سكانها بان تصبح ولاية، ومثلها الكثير من المدن.

ويختلف الامر في الجنوب لانه غني بالنفط والغاز، مصدر قوت البلاد والعباد. فعندما تقول ليلي بوزيدي ولاية عين صالح، فهي تعبث بمشاعر سكان حاسي (وربما جانت وعين امناس) الذين يعتقدون انهم لا ينالون نصيبهم من الثروة الوطنية التي تنام تحت اقدامهم (خرج شبانها في تظاهرة يوم زيارة الرئيس بوتفليقة قبل سنتين، يصرخون باعلي اصواتهم: اعطونا حقنا). وبقليل من الجد، اقول ان ليس بهذه اللادِقّة (لا ادري هل التعبير سليم ومقبول) ستقدر ميدي1 سات علي منافسة القنوات الاخري في السوق المغاربية المكوّنة من 80 مليون زبون.

كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية