سمير جبور
يشكـل مفهوم الردع الاستراتيجي (الموجه للدول) والردع التكتيكي (الموجه للمنظمات والحركات الشعبية) عنصرا مهما في ما تعتبره اسرائيل معادلة الامن القومي التي تستند الي مبدأ ردع اية جهة عن مهاجمتها وتحقيق النصر الحاسم علي اية قوة عسكرية تهاجمها سواء كانت نظامية او غير نظامية. ولكن التطبيق العملي لهذا المفهوم في الاستراتيجية التوسعية الاسرائيلية هو ان اسرائيل تستطيع ان تسمح لنفسها باحتلال، او اجتياح اية ارض عربية وتفعيل مبدأ الردع في حال قيام الدولة التي احتلت اراضيها بمحاولة استرداد هذه الارض او قيام السكان الذين يقعون تحت الاحتلال بانتهاج الاساليب المختلفة لانهاء هذا الاحتلال. في حين ان استراتيجية الردع بمفهومها العام والتاريخي هي ان اية دولة ـ (ا) تنتهج استراتيجية الردع لمنع اية دولة خارجية (ب) الاعتداء عليها طمعا في احتلال قسم من اراضيها، او السيطرة علي مصادرها الطبيعية مثلا. وترجمة ذلك عمليا انه في حال قيام الدولة (ب) بالاعتداء علي الدولة (ا)، فان (ب) ستدفع ثمنا باهظا لاعتدائها. الا ان مفهوم الردع في القاموس الاسرائيلي يختلف عن المفهوم التقليدي ليتجاوزه الي القيام بغارة قصيرة او من اجل بقاء اطول في الاراضي التي صدر منها الهجوم او حماية الاحتلال، وحتي التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة كما يتبين من ذرائع الحرب التي حددتها اسرائيل منذ قيامها وطورتها وفق الظروف المتغيرة وهي:1 ـ ازالة اسباب الحرب الصغيرة والارهاب والتخريب، التي تنفذ ضد اسرائيل من قواعد تقع وراء خط وقف اطلاق النار، ويستحيل كبحها بوسائل اكثر محدودية. واذا تسبب اي نشاط ارهابي في عرقلة روتين الحياة في اسرائيل، فانها ستعمل ضد مصادر الارهاب في قواعدها.2 ـ مد العون لحلفاء محتملين في بلاد مجاورة.3 ـ حدوث تغيير خطر يهدد الوضع الراهن في احدي الدول المجاورة.4 ـ ضرب مصادر المياه لدولة اسرائيل ولا سيما في الشمال.5 ـ في حال الهجوم، او حشد قوات معادية للهجوم. او دخول جيش عراقي الي صحراء شرق الاردن او دخول اية قوة عسكرية مكثفة الي شرق الاردن.6 ـ المساس بحرية الملاحة والطيران في مضائق تيران.7 ـ تدهور او مساس جاد في قدرة دولة اسرائيل علي الدفاع عن نفسها للتصدي لعدو عربي في حال امتلاكه اسلحة (متطورة). فقد لخص الخبير الاستراتيجي جيرالد شتاينبرغ مفهوم الردع بقوله منذ عقود واسرائيل ترد علي الارهاب والتسلل بضربات قوية وموجعة ضد الدول المضيفة. وعلي حد قوله انه تم خلال الخمسينات والستينات توفير امكانات ردع استراتيجية للحؤول دون هجومات واسعة النطاق تهدد بقاءها الوطني. ويقول في سياق آخر ان اسرائيل كانت ولا تزال تركز بصورة اساسية علي الاحتفاظ بقدرة ردع ذات صدقية وعنف. الا ان الكثيرين من الخبراء الاستراتيجيين الاسرائيليين يجمعون علي انه حدث انحطاط او قضم في استراتيجية الردع الاسر ائيلية علي مدي العقود الماضية، ولا سيما في اعقاب الحرب التي شنتها اسرائيل علي لبنان في الصيف الماضي، ردا علي قيام حزب الله باسر جنديين وقتل ثمانية من جنودها. وقيل ان احد اهداف العنف العسكري الذي قامت به اسرائيل ضد لبنان، وخصوصا ضد بناه التحتية هو رد الاعتبار الي قدرتها الرادعة. الا ان جميع المحللين الاسرائيليين اجمعوا علي ان اسرائيل فشلت خلال تلك الحرب في استعادة قدرتها الرادعة بل حدث المزيد من القضم فيها. وذلك لان حزب الله لم يتردد في اطلاق نحو 900 صاروخ ضد التجعات السكنية في اسرائيل مما اجبر نحو مليون من سكان اسرائيل علي البقاء في الملاجيء اكثر من شهر لاول مرة في تاريخ النزاع العربي ـ الاسرائيلي. كما ان حزب الله لم يستسلم رغم الاسلحة المتطورة التي استخدمتها اسرائيل. وربما ثبت ان سلاح الجو الاسرائيلي لم يكن عنصرا رادعا في حسم المعركة. كما ان سلاح المدرعات فشل في حمل مقاتلي حزب الله علي الهروب من مواقعهم. ولا يزال المعلقون يبحثون في تاثير نتائج الحرب علي لبنان علي قدرة اسرائيل علي الردع. ومن المفيد هنا عرض بعض اسباب الانحطاط في قدرة اسرائيل الرادعة. ما هي الاسباب التي ادت الي انحسار قدرة اسرائيل علي الردع؟
من الطبيعي ان يحدث قضم في قدرة اسرائيل علي الردع لاسباب تعود الي طبيعة النزاع بينها وبين العرب. فاسرائيل منذ قيامها اعتمدت خيار القوة العسكرية والحروب النظامية والعمليات العسكرية لتحقيق اهدافها الاستراتيجية التوسعية، واجبار العرب علي القبول بها. فهي لم تعتمد خيار السلام علي الاطلاق، ولم يكن عندها استراتيجية سلمية في يوم من الايام، لادراكها ان العرب لن يقبلوا طروحاتها وشروطها لعقد سلام معها اولا، وثانيا لادراكها ان الحالة السلمية لا تخدم اهدافها التي يرتبط تحقيقها بدورها العسكري في المنطقة كراس حربة للاستعمار الغربي، وهي بالتالي ترجح حصولها علي الدعم الاقتصادي والعسكري الغربي عن سلام مع العرب يفرض عليها التقوقع داخل حدود لا تلبي طموحاتها التوسعية. ولهذا رفضت المبادرة العربية المعروفة.
فطالما ان اسرائيل تعيش علي الحراب منذ اكثر من ستة عقود، وفي غياب اية استراتيجية سلمية، فان معادلة الردع تبقي خاضعة للظروف المتغيرة، مثل تغير طبيعة ميدان القتال وتطور الاسلحة والدينامية المستمرة للتطورات العلمية والتكنولوجية. اضف الي ذلك تطور اساليب المقاومة العربية واسلحتها. ناهيك ان اسرائيل لا تستطيع ان تحافظ علي قوة ردع مطلقة بسبب التفاوت في المعطيات الجيوبولتيكية بينها وبين الوطن العربي الذي يتمتع بمزايا استراتيجية هائلة، وبمصادر اقتصادية وفيرة، علي الرغم من عدم تسخير هذه المصاد ر في خدمة الصراع بينه وبين الحركة الصهيونية. والجدير بالذكران التفوق العسكري والمعطيات النوعية والكمية، التي هي بلا شك في مصلحة اسرائيل، ليست بالضرورة ضمانة للمحافظة علي قدرة ردعية ذات صدقية، كما انها لا تشكل دائما احد مكونات القوة العسكرية. فهناك اعتبارات اخري مثل المواقف تجاه الاعداء المحتملين والارادة والتصميم والالتزام والوحدة الوطنية والاستعداد للتضحية والاجماع العام وهذه كلها تعرضت للقضم كما سنري بشهادة بعض الخبراء الاستراتيجيين الاسرائيليين.
فالردع هو العنصر الاقل يقينا في المجال الامني. ومهمة الردع في المفهوم الاسرائيلي، كما حدده المحلل الاستراتيجي الاسرائيلي الدكتور باراون هي تمديد الفترات الزمنية بين حرب واخري. او الحؤول دون نشوب الحرب. وهذا امر غير قابل للقياس. ومن الصعب اثباته. ولكن هذا المفهوم لم يصمد امام واقع الحروب المتتالية التي شنتها اسرائيل ضد العرب.
لقد نقل المحلل الاستراتيجي الاسرائيلي ايال زيسر(الباحث في معهد موشيه ديان لدراسات الشرق الوسط وافريقيا ورئيس دراسات الشرق الاوسط في جامعة تل ابيب) عن شاي فيلدمان مدير مركز يافيه للدراسات الاستراتيجية في تل ابيب قوله، ان اسرائيل كانت تواجه دائما مشكلة ترجمة الردع الامني الاساسي الي القدرة علي التنبؤ بالتهديدات الجارية. وكان هذا الامر عسيرا بصورة خاصة في لبنان منذ اواسط السبعينات، حيث لم يكن هناك عنوان واضح لتهديدات اسرائيل الردعية. فمنذ ذلك الحين كانت اسرائيل قادرة تقريبا علي حرمان الدول العر بية من شن ضربات عسكر ية ضدها، ولكنها كانت غير قادرة علي صد القوات غير النظامية في لبنان وفي الضفة الغربية وغزة. واستنتج فيلدمان من ذلك ان قدرة اسرائيل الرادعة فعالة ضد التهديدات التقليدية الاستراتيجية من قبل الدول ذات السيادة… علي الرغم من ضعف اسرائيل في مكافحة المنظمات الارهابية والحركات الشعبية. ويعقب زيسلر علي ذلك بان اسرائيل قد تكون قد فقدت جزءا من قدرتها علي الردع التكتيكي في مواجهة الفلسطينيين وحزب الله، بينما بقيت قدرتها الرادعة في مواجهة الدول العربية سليمة، بل انها تعززت اكثر من الماضي. واشار الخبير الاستراتيجي جيرالد شتاينبرغ الي القضم الذي حل بقدرة اسرائيل علي الردع وبصورتها في نظر الفلسطينيين خلال السنوات 1993 ـ 1996، اذ ان الهجومات الارهابية لم تنتزع من اسرائيل الرد بهجومات غير متناسبة كانت ضرورية للمحافظة علي الصدقية. ويسوق ايال زيسر بعض العوامل التي ساهمت في قضم الردع الاستراتيجي الاسرائيلي وهي:
اسرائيل منهكة: العنف الفلسطيني الجديد دفع اصواتا مهمة من الراي العام الاسرائيلي الي دعوة الحكومة الاسرائيلية لقبول جميع المطالب الفلسطينية ولا سيما قيام دولة فلسطينية في حدود 1967، وحل مقبول لمشكلة اللاجئين. وفي راي زيسر ان هذا الاستعداد لقبول المطالب الفلسطينية تعود جذوره الي انهاك جسدي ونفساني ـ تعب من الصراع المستمر وانعدام الايمان بصواب الموقف الاسرائيلي.
وقد وصف الخبير الاستراتيجي الاسرائيلي اهارون ليفران (الباحث في معهد آرييل للسياسة والابحاث) هذا الوهن بقوله ان المجتمع الاسرائيلي يتميز اليوم بوهن ذهني بسبب الصراع الدائم، وتقوض الايمان بعدالة نهجنا ومقصدنا، والنزعة المادية ومتعة الحياة وما شابه ذلك. وعندما تصبح المنفعة الذاتية اهم من الامة والمجتمع، وعندما تفسد القيم، والمعتقدات وبوصلة المجتمع، فانها تصاب بوهن شديد. ولا غرابة في ان يظهر(المجتمع) عدم رغبة في القتال وعدم تصميم عليه. فهذه التصدعات في القوة القومية تنعكس علي الجيش الاسرائيلي وروحه القتالية. واذا كان العرب لا يستغلون هذا الوضع، فذلك لانهم يفضلون ازعاج اسرائيل بنزاعات منخفضة الحدة كما يفعلون في لبنان وفي اليهودية والسامرة وقطاع غزة، علي التورط في حرب شاملة. وقد توقف عامي ايالون الرئيس السابق لجهاز الامن العام عند العلاقة بين التعب الذي تبديه اسرائيل وانحسار قدرتها الرادعة في اعقاب قضية النفق في ايلول (سبتمبر) سنة 1996 عندما حاولت حكومة نتنياهو حفر النفق تحت المسجد الاقصي الامر الذي انتفضت ضده السلطة الفلسطينية بموجة من العنف التي اجبرت اسرائيل علي توقيع اتفاق الخليل الذي قضي بانسحاب اسرائيل من بعض اجزاء المدينة. والعبرة التي استخلصها ايالون في حينه ان العرب يستطيعون الحصول من اسرائيل علي ما يريدون باستخدام العنف ضدها ـ ضاربا مثالا علي ذلك ان الرئيس السوري بشار الاسد مستعد لأخذ المبادرات لتصعيد العنف. او علي الاقل تجاهل عنف الآخرين.
الانسحاب من لبنان سنة 2000ربما ان بعض القادة العسكريين للجيش الاسرائيلي اعتبر هذا الانسحاب انجازا وربما نجاحا منقطع النظير ـ علي حد قول زيسر، مستطردا ان الكثيرين في اسرائيل سادهم شعور بعدم الارتياح بل حتي بالهزيمة. اذ ان الانسحاب الاسرائيلي نفذ في ظل الضربات المؤلمة التي تلقتها اسرائيل علي ايدي حزب الله. فمن هذه الناحية، نجح حزب الله في تحقيق ما لم يحققه اي بلد عربي حتي ذلك الحين ـ طرد اسرائيل من ارض عربية من دون ان يقدم الجانب العربي اية تنازلات. فلا غرابة ان يعتبر الناطقون باسم حزب الله هذا الانجاز نصرا ونقطة تحول تاريخية في النزاع العربي ـ الاسرائيلي.
وقد كتب ابراهام تل (هآرتس، 3/8/2006) في هذا الصدد انه منذ الانسحاب المذعور من لبنان في ايار/ مايو 2000، الذي ارتسم في نظر الاعداء كهروب جيش هائل امام بضع مئات من مقاتلي حرب العصابات، حدث قضم في صورة اسرائيل كدولة قادرة علي الصمود امام الضغوط. فكل ما حدث علي الحدود الشمالية منذ الانسحاب وكانه يؤكد نظرية، العنكبوت، التي اطلقها حسن نصرالله. وفي تشرين الاول / اكتوبر، عندما تم اختطاف ثلاثة جنود من الجيش الاسرائيلي وقتلهم، تبخر تعهد ايهود باراك بانه سيضرب حزب الله في حال اقدامه علي استفزاز علي الحدود.
ميزان رعب آخذ في النموونعود الي تحليل ايال زيسر السابق الذكر الذي توقف عند تنامي ميزان الرعب التقليدي بين اسرائيل والعرب، الامر الذي اضعف من قدرتها علي الردع. فالكثيرون في العالم العربي يؤمنون بان الوقت لم يعد في صالح اسرائيل حاليا، كما كان خلال التسعينات. ويعتبر زيسر ان السبب الرئيسي لذلك الاعتقاد هو انه للمرة الاولي تعجز اسرائيل عن معالجة حرب منذ نشوء عصابات او نزاعات منخفضة الحدة كالنزاعات الدائرة بينها وبين الفلسطينيين وحزب الله. ومما عزز تنامي ميزان الرعب ايضا انه للمرة الاولي منذ بداية النزاع الاسرائيلي ـ العربي تمكنت الدول العربية من خلق ميزان رعب مع اسرائيل بفضل حصولها علي اسلحة غير تقليدية مثل صواريخ سكود ارض ـ ارض (…) واسلحة كيماوية وبيولوجية. ولذا فان ميزان الرعب يسهل علي الجانب العربي خوض كفاح شعبي ضد اسرائيل. واستشهد زيسر بخطاب الرئيس بشار الاسد الذي القاه في مؤتمر القمة سنة 2000 اذ اعلن ان الوضع الاستراتيجي الحالي يساعد العرب علي تحقيق السلام من موقف القوة، وان السلام يجب ان يكون سلام الاقوياء وليس سلام الشجعان هذه التصريحات تظهر التآكل في قدرة اسرائيل الرادعة.
وفي هذا السياق كتب اهارون ليفران المشار اليه آنفا ان الجانب العربي لم يعد يعير اهتماما كبيرا لقدرة اسرائيل الرادعة لانه مدرك لبعض نواحي الضعف في المجتمع الاسرائيلي مثل الانقسام الداخلي، حساسيتنا للاصابات، وانهيار قدرتنا الرادعة وخصوصا بسبب النزاعات ذات الحدة المنخفضة. ناهيك عن ان العرب لا يأبهون بعد الآن للتهديدات الجوفاء التي يطلقها قادة اسرائيل من حين الي آخر ضد سورية ولبنان والفلسطينيين. وهذا يعني علي حد قول ليفران انه لم يعد ينظر الي الجيش الاسرائيلي بانه الجيش الذي لا يقهر، وانه لم يعد يحتكر الانتصارات اذ ان قدرته علي الردع تضاءلت لاسباب موضوعية وذاتية تمت الاشارة اليها سابقا.
وتبقي نتائج الحرب علي لبنان في سنة 2006 تجسيدا ملموسا لتدهور قدرة اسرائيل الرادعة. فهذه قلبت المفاهيم واثبتت خطأ الطروحات الاسرائيلية التي تفترض ان العرب لا يحاربون اسرائيل خوفا من قدرتها الرادعة. فهذه الفرضية لا تصمد علي ارض الواقع. فالعرب لم يتصدوا لاسرائيل خوفا من قدرتها الرادعة، بل لانهم لا يملكون الارادة السياسية للتصدي لاسرائيل في ميدان القتال. واسرائيل تدرك انه لو اقام العرب جبهة عسكرية موحدة لثبت فشل نظرية الردع الاسرائيلية. وخلاصة القول ان الآلة العسكرية الهائلة التي تبنيها اسرائيل باموال وعتاد اميركي لم تعد قادرة علي الحسم العسكري لانها لم تعد تواجه جيوشا اضعف منها بالسلاح والعتاد، بل تواجه حركات شعبية مقاومة اقوي منها بالروح القتالية والتصميم دفاعا عن الارض وعن النفس.
ہ كاتب من فلسطين يقيم في كندا8