دموع التمساح

حجم الخط
0

الياس خوري

في افتتاحيتها (27/4/2007)، وضعت صحيفة هآرتس اولي النقاط علي الحروف في قضية عزمي بشارة. وسط ضجيج اعلامي ابتزازي وقرار بحجب الاتهامات، تمت عملية ابلسة صورة بشارة في الرأي العام. وتحولت الشائعة الي مضبطة اتهام، وجري تداول اخبار ملفقة اوحت بأن المفكر الفلسطيني وزعيم حزب التجمع صار خبيراً عسكرياً وأحد قادة المقاومة المسلحة في الجنوب اللبناني. وتم مزج تهمة الخيانة بتهمة تبييض الاموال والاتصال بالعدو والي آخره… النقاط التي وضعتها الصحيفة الاسرائيلية تتعلق بقضية مشابهة هي قضية تالي فحيمة، المواطنة الاسرائيلية اليهودية التي قضت ثلاثة اعوام في السجون الاسرائيلية بتهمة التعاون مع العدو.

كشفت هآرتس ما يعرفه الجميع، تالي قضت ثلاثة اعوام في السجن بتهمة لفقها الشاباك بهدف ارهاب الناس. تقول التهمة ان الفتاة الاسرائيلية ترجمت لزكريا الزبيدي، قائد كتائب شهداء الأقصي في جنين، وثيقة سرية للجيش. والحقيقة ان الفتاة لم تترجم، كما لم يكن هناك اي وثيقة سرية. زكريا الزبيدي يعرف العبرية، وليس في حاجة الي مترجم. كما ان الوثيقة نفسها لا تحتاج الي من يتقن العبرية كي يترجمها. والحقيقة ان مراجعة الوثيقة التي اتهمت تالي بترجمتها، او العودة الي محاكمة الشيخ رائد صلاح (الذي حوكم بتهم مشابهة لتهم بشارة) لا تثيران سوي السخرية. هل وصل الأمر بالشاباك الي هذا المستوي من الانحطاط؟

تعالوا نقرأ تهمة تالي فحيمة، فالوثيقة التي اتهمت الفتاة بترجمتها كناية عن اربع صفحات وجدت متروكة في مخيم جنين وتحمل عنوان عملية اجتياح مخيم جنين: دموع التمساح، والي جانب العنوان وجدت عبارة سري جدا. نفتح الصفحة الأولي لنجد صور اربعة مطلوبين فلسطينيين من قادة المقاومة في جنين، بينها صورة زكريا الزبيدي، تحت الصور كتبت اسماء المطلوبين وارقام هوياتهم وصفاتهم: الطول ولون البشرة… والسلاح الذي يحملونه. في الصفحتين الثالثة والرابعة صور جوية لمخيم جنين. هذا كل شيء.

المسألة ليست في حاجة الي ترجمة، عدا عن ان الشباب يعرفون العبرية. اما الصور الجوية فلا تشير الي مواقع عسكرية اسرائيلية، انها صور للمخيم، ولا اعتقد ان ابناء المخيم في حاجة الي من يشرح لهم خريطة ازقتهم وبيوتهم البائسة.

يخال المرء ان جهاز الشاباك الذي يجري تخويف الجميع بقدراته الاسطورية، لم يعد قادرا علي تلفيق تهمة محترمة، او هو في الحقيقة لم يعد معنيا بذلك، لأن هدفه ليس حماية اسرائيل والاسرائيليين، كما يدّعي، بل سحق اي صوت يكسر الجدران الصماء التي تحيط بمآسي الفلسطينيين المستمرة منذ 1948. لفقوا ملف تالي فحيمة لأن الفتاة الاسرائيلية، كغيرها من المناضلين الاسرائيليين من اجل السلام والانسحاب من الاراضي المحتلة، اقامت علاقة تواصل مع الضحايا. لا يستطيع اي انسان ان ينجو من الشعور بالعار اذا زار المخيمات الفلسطينية وتكلم مع الضحايا. وهذا ما فعلته تالي، لكنهم لفقوا لها التهمة، وزجوها في السجن كي تصير عبرة.

نحن اذا امام لعبة تلفيق لا اكثر ولا اقل. والطريف ان المحكمة الاسرائيلية قبضت رواية الشاباك، كأن القضاة مجرد اسري لجهاز الأمن، او من اجل تذكيرنا ان القضاء الاسرائيلي كان ولا يزال الوجه الآخر لعملية القمع المستمرة ضد الفلسطينيين في اسرائيل.

غير ان قصة تالي لا تقارن بالغباء الذي تميزت به حكاية الشيخ رائد صلاح، مع المحكمة الاسرائيلية. فكي يثبت الشاباك ان صلاح تعاون مع عميل اجنبي ابرز تسجيلا صوتيا له وهو يقول عيد الاضحاحا، فاعتقد المخبر الاسرائيلي النبيه ان عيد هو اسم العميل واضحاحا هو اسم عائلته. ولم يخطر في باله ان الشيخ كان يتكلم عن عيد الأضحي، وان تشوشا في هاتفه الخليوي جعل كلمة الاضحي تسمع اضحاحا. حين سمعت هذه الحكاية من صديقتي يائيل ليرير مديرة دار الاندلس، كدت ان لا اصدق، لكن يائيل ضحكت وهي تشرح لي طبيعة التهم التي لفقوها ضد عزمي بشارة. ومع ذلك حوكم الشيخ رائد، وكان الهدف من محاكمته ارهاب الناس.

هذه هي معادلة دموع التمساح. لا ادري لماذا اختار الاسرائيليون هذا الاسم لعمليتهم الهمجية في مخيم جنين. فالتمساح يذرف الدموع وهو يلتهم ضحاياه. ودموعه لا علاقة لها بالبكاء، بل هي افرازات غددية تصاحب القتل والافتراس. لو اردنا تلخيص الكلام الاسرائيلي عن فلسطين والفلسطينيين فلن نجد افضل من هذه العبارة، التي تحول الدموع عن وظيفتها لتجعل منها اداة قتل.

المهم اننا في قضية عزمي بشارة امام دموع تمساح جديدة. فالقادة السياسيون والعسكريون الأغبياء وغير المجربين، الذين ارسلو الجنود الاسرائيليين الي مطحنة الموت في لبنان، يحولون دموعهم عن وظيفة الندم والشعور بالذنب، الي وظيفة التهام ضحية فلسطينية جديدة.

افتتاحية هآرتس التي اقامت تماثلا بين قضيتي تالي فحيمة وعزمي بشارة، لم تذهب في تحليلها الي جوهر المسألة، الذي يتلخص في ان قضية بشارة هي قضية سياسية فقط، وان الرجل يلاحق بسبب آرائه ومواقفه، وان المتهم الحقيقي هم عرب فلسطين الذين بقوا في ارضهم، واحتملوا التطهير العرقي والمجازر والقمع اليومي. في رسالته الي بشارة كتب الفنان ومدير مسرح الحرية في جنين، جوليانو مير خميس كلمة واحدة تلخص المسألة: انهم خائفون. الفلسطيني يتكلم اليوم. اسرائيل تخاف من قدرة ضحيتها علي الكلام. الفلسطينيون وراء الخط الأخضر لا يملكون اسلحة ولا يستطيعون شيئا حيال الآلة القمعية الاسرائيلية، لكنهم يملكون ذاكرة النكبة وحلم العيش في دولة لكل مواطنيها. وعندما تنجح الضحية في بلورة ذاكرتها وحلمها في كلمات واضحة وبسيطة، يصاب الاسرائيليون بالخوف، لأنهم يعرفون ان الكلمة هي باب الانعتاق من العبودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية