صورة عن محاصرة العقل الانساني!

حجم الخط
0

لكي ندرك طبيعة وأبعاد الحصار المحكم المضروب حول عقولنا، والذي يحقق للأسف الشديد الكثير من أهدافه الشريرة بينما أمتنا يتقرر مصيرها في فلسطين والعراق خاصة وفي غيرهما من الأقطار عموماً، يتوجب أن نتعرف جيداً علي الذين يقفون وراء هذا الحصار في الخارج وعلي الذين يرددون طروحاته ويسهلون مهماته بطرق مواربة في الداخل، وفي هذا الاتجاه نقدم هذه الصورة الناطقة عن محاصرة العقل الانساني عموماً.

في عام 1982، اثر اجتياح القوات الاسرائيلية للبنان، تداعي كل من المفكر الفرنسي روجيه غارودي والأب ميشيل لولونغ والراعي ماتيو لاعداد بيان يشجب العدوان علي لبنان ويفضحه، وقد اتفق غارودي مع مدير صحيفة لوموند الفرنسية جاك فوفيت علي نشر صفحة كاملة مدفوعة الأجر تتضمن البيان، فكان ذلك يوم 17/6/1982، أي بعد أيام من الاجتياح، وقد أبرز معدّو الصفحة الثلاثة معاني العدوان الصهيوني وفضحوا مقاصده التي لم تكن نشازاً عن منطق الصهيونية السياسي الذي نهض علي أساسه الكيان الاستيطاني في فلسطين، وما كاد العدد يصدر حتي انهالت التهديدات علي الرجال الثلاثة، فتلقي غارودي بوسائل مغفلة وبوساطة الهاتف تسعة تهديدات بالقتل، ثم أقامت المنظمة الصهيونية الفرنسية الدعوي علي الثلاثة، وقدمتهم الي القضاء بتهمة معاداة السامية والتمييز العنصري!

لقد شرح محامي جاك فوفيت (مدير لوموند) أمام المحكمة أنه لا يجوز الخلط بين المجتمع اليهودي وايمانه وبين الدولة الاسرائيلية التي فضحت شخصيات يهودية مرموقة ابتزازاتها غير المحقة في لبنان، مثل منديس فرانس وناحوم غولدمان، وقدم غارودي ورفيقاه دفاعهم المستمد من النص المنشور في لوموند. قالوا في دفاعهم: لقد استبدلت الصهيونية السياسية اله اسرائيل بدولة اسرائيل! قالوا أيضاً: ان مسلك الصهيونية في فلسطين ولبنان يشين اليهودية في أعين العالم! وأوضحوا بحزم: ان كفاحنا ضدّ الصهيونية السياسية غير منفصل عن كفاحنا ضدّ معاداة السامية! لقد حاول محامي الصهاينة أن يرسم أمام المحكمة الفرنسية صورة من العداء للسامية متمثلة في موقف غارودي ورفيقيه، وقد تذكر غارودي زيارته للقدس عام 1970 ثم زيارته لناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي في منزله، حيث سمع من غولدمان تحديداً دقيقاً لوضعه بصفته رجل سلام. قال غولدمان ان احد أخطاء الصهيونية التاريخية الكبري كان عدم أخذ الجانب العربي من المشكلة مأخذ الجدّ الكافي، ففلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب! في مابعد، في الأول من كانون الثاني (يناير) 1989 سمع غارودي وشاهد في التلفزيون حصيلة لانتفاضة أطفال الحجارة 327 شهيداً فلسطينياً معظمهم من الأولاد رماة الحجارة مقابل 8 من الجنود الاسرائيليين رماة البنادق! وفي اليوم نفسه صرح وزير صهيوني أن المفاوضات لن تكون ممكنة الا عندما يتخلي الفلسطينيون عن العنف! تساءل غارودي: هل أنا في حلم؟ أم أن تخدير العقل الانساني بات كابوساً جمعياً؟ هل هو انتصار اللامعني؟ ان هذا القلب الشامل للمعاني جعل المقاومة اليدوية للضعفاء ارهاباً، وجعل العنف القاتل بلا حدود من قبل الأقوياء كفاحاً ضدّ الارهاب!

نصر شمالي www.snurl.com/375h6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية