نحن العرب بقينا ضحايا السياسة الأمريكية حيث نخضع رسميا لها ونستنصر بها وشعبيا اختزلناها بالعدوالمقاومة العراقية واخفاقات الحرب صنعت انقلابا دستوريا في الكونغرس هو انقلاب الدولة علي السلطة
صالح مصباح ہ أزمة السلطة الأمريكية في العراق:
راكم المأزق الأمريكي في العراق الأسباب التي بها تـأكدت فكرة الدولة لدي عموم المجتمع أنها تعايش تدابير في العراق تورطت فيها السلطة، الإدارة، تورطا. فقد ظهر جليا أن خيارات السلطة ممثلة في الرئيس بوش وطاقمه، قد انقادت إلي مأزق في العراق شائك. وفضلا علي ذلك، ظهر أيضا أن السلطة تعالج مأزقها بالمزيد منه، بالهروب إلي الأمام.
ومن مظاهر ذلك:
ـ هدر للمال العمومي الأمريكي هدرا لا يفوق عبثيته إلا هدر المال العراقي.
ـ هدر لأرواح الجنود الأمريكان وابدانهم وعقولهم.
ـ تدمير للعراق تدميرا شاملا مأساويا.
ـ استفحال الموت في العراق استفحالا غريبا لا يستثني أحدا.
ـ تبخر الأموال الطائلة التي رصدتها أمريكا لاعمار العراق وتزيين دورها الاحتلاليّ فيه.. ـ انسداد الآفاق أمام عملية الاحتلال وأهدافها المعلنة سلفا.
ـ تغيير التوازنات في المنطقة لغير صالح أمريكا.
ـ التخبط في خيوط العراق المحلية تخبطا لا يبدي أي إلمام ببنية هذا البلد الثقافية.
ـ فقدان أمريكا لهيبتها العسكرية ولإشعاعها السياسي والحضاري.
ـ استفحال الغلو والتطرف وتنامي الكره لأمريكا في الصعيد الكوني تناميا يضائل من حظوظها في الانبساط في الكون الخ…. ولا يخفي أن هذه الخسائر التي صنعتها السلطة إنما ترتدّ تبعتها الخطيرة علي الدولة، علي أمريكا شعبا وأمة وكيانا قوميا، ذلك أن انتظام المظاهرات المحتجة علي بوش، حيثما ولي الوجه، هوعبارة عن رفض كوني يتعدي شخص الرئيس أوطاقمه أوسلطته أوحزبه، فيشــــــمل أمريكا. فرئيسها هورمز دال عليها. كما يعبر حرق العلم الأمريكي في أغلب زوايا الكون عن حرق لرمز الدولة ورمز أمريكا أمة وشعبا وكيانا قوميا، وليس لرمز السلطة، الإدارة.
تدابير الدولة ضد السلطة:
ثمة إذن أزمة أوقعت فيها السلطةُ أمريكا بعناد ومكابرة واستمرار. وتقتضي هذه الحال أن تُطل فكرة الدولة بوجهها، وان تفصح عن كيانها المنفصل عن السلطة، المتعالي عليها، إدارة ورئاسة وفريقا حزبيا أغلبيا في البرلمـــــان. وقد اتخذ هذا الإفصاح شكلين، شكلا شعبيا مدنيا وشكلا رسميا دستوريا.1ـ الشكل الشعبي المدني:
ذادت الدولة عن فكرتها شعبيا ومدنيا بالمظاهرات المحتجة علي مأزق أمريكا في العراق، وباحتجاج المنظمات المدنية التي انعقد بعضها في ظل الأزمة، كتلك التي نــَظَمت أمهات الجنود القتلي في العراق، وبالحملات الصحفية والإعلامية والفكرية الخ… علي أن أبلغ ما دافعت به الدولة عن فكرتها شعبيا ومدنيا إنما هو الانتخابات التشريعية النصفية التي انتزعت من السلطة أغلبيتها الحزبية الجمهورية في غرفتي التشريع، وأحلّت محلها فيهما أغلبية ديمقراطية. وإن هذا الإحلال الذي ارتآه الصوت المجتمعي في ظل سلطة تنفيذية جمهورية ليس بالضرورة مناصرة للحزب الديمقراطي الذي يحق له استثمار الأزمة، وإنما هو بالخصوص مناصرة لإجراء به تستطيع الدولة أن تنقلب علي تخبط السلطة انقلابا رسميا دستوريا. 2 ـ الشكل الرسمي الدستوري:
إن الأغلبية البرلمانية الديمقراطية التي لا تختلف حزبيا عن الجمهوريين اختلافا جوهريا في العموم، قد أدركت أن المجتمع الأمريكي قد توّجها أغلبية علي مقتضي تميزها المعلن إزاء الشأن العراقي بالذات من النهج الجمهوري والرئاسي. كما فهمت الكتلة الديمقراطية أنها قد أضحت أغلبية لتكون سبيلا دستورية تفصح بها الدولة عن حقوقها المجتمعية التي غبنتها سلطة بوش في الشأن العراقي الذي صار شأنا أمريكيا. وبقدر ما مثلت رئاسة سيدة للبرلمان الأمريكي حالا جديدة، مثلت زعامتها للصوت البرلماني الديمقراطي شكلا صداميا جديدا بدوره. ذلك أن المنافسات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ليست في الأصل جديدة سواء أكان مجالها السلطة التشريعية أم الرئاسة والإدارة. بيد أن الجديد هذه المرة هو اتخاذها طابعا انقساميا خالصا وإن استمرّ وفيا للقواعد الدستورية. فمن مظاهر ذلك صراع بين الرئيس الجمهوري والأغلبية التشريعية الديمقراطية مفتوح صريح، طوّح من إدارة بوش برؤوس فيها عتيدة، وانصرف كل طرف فيه إلي استخدام ما يُجيزُه له الدستور استخداما لا هوادة فيه ولا اعتدال، لا بل انخرط الإعلام الأمريكي في انفعال لهذا الصراع الدستوري، فأخذ يتفقه في بنود الدستور الأمريكي ومغازيه وأعماقه، حتي كأن البلد حديث العهد به سنة 1776 وليس يعيش استمراره إلي اليوم سنة 2007. لكن أفدح ما أدركه هذا الانقسام صورة له جديدة بدورها تتصل بالمأزق العراقي وتتصل بأبعاده. أما الاتصال بالعراق فبيانه التجاذب بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات البرلمان في إضافة الجنود إلي العراق وتمويلهم وجدولة الانسحاب الخ…. ولعل تورط البلاد في حرب صعبة معقدة لا يُجيز نظريا هذا التجاذب، لأنه ينعقد في الجبهة الداخلية انعقادا فادح التأثير علي الجبهة الخارجية، الجبهة العسكرية. فالأصل في الصراعات الحزبية ألا تهز تماسك الجبهة الداخلية. وإن المستنقع الفيتنامي النموذجي نفسه، لم تنسحب منه أمريكا بهذا التجاذب الحاد الذي يوحي ظاهره بأنه حزبي الطابع. وأما الاتصال بأبعاد المأزق العراقي فآيته المبادرات التي أنجزتها في السياسة الخارجية رئيسة البرلمان بيلوسي. وإذ لا يمنع عليها ذلك الدستور فإن الأصل في السياسة الخارجية دستوريا أنها من اختصاص السلطة التنفيذية العائدة للرئيس. ثم إن الأغرب من مبدأ المبادرة هو زيارة بيلوسي لسورية، البلد المغضوب عليه. وبهذا لم تعد سورية كذلك أمريكيا، وإنما هي كذلك بوشيا أو سلطويا. ذلك أن رئيسة البرلمان تناقض الرئيس بوش مناقضة من أجلها اختارها الشعب الأمريكي أغلبية. فلولا ذلك لما تصادم الحزبان في ثوابت كالسياسة الخارجية، إذ لم يعرف عنهما قديما شيء من هذا التصادم. وإن في اتفاقهما الدائم علي دعم إسرائيل ما يغني عن التعليل.
فصفوة القول إذن، أن انقلاب البرلمان علي الرئيس إزاء المأزق العراقي ليس صراعا حزبيا ترجمه بحكم المواقع صراع بين التنفيذ والتشريع، انسحب، فضلا علي الشأن العراقي، علي الشأن السوري، وربما لاحقا الشأن الإيراني. إنما هو صراع أظهر أمريكا عملاقا برأسين متصادمين لا يلتقيان إلا بعسر، وكيانا تتنازع فيه في العمق السلطة والدولة وتتصارعان. فلو تحرك الديمقراطيون حزبيا لما أقدموا علي ما فعلوا، ولما استقر بينهم وبين الجمهوريين هذا القدر من التناقض. فلا تناقض بين الحزبين جوهريا، لا بل لا تناقض جزئيا بينهما، يتعدي الطفيف من الاختلافات في الوسائط وليس في الأهداف، سواء في الشؤون الداخلية أو في السياسة الخارجية. لكن مأزق العراق أنهك أمريكا، وعجزت السلطة عن تخطيه، وأخذها الانغلاق العقائدي والتطرف المالي والكبرُ البائس عن الإذعان له وعن الانصراف عنه، فكان لا بد أن تُذكـر الدولةُ السلطةَ بأن أمريكا أكبر من الإدارة وأكبر من أن يستمر بين أياد لها غير أمينة إنهاكُها والحد من أسباب ريادتها في الكون وهيمنتها عليه آنيا واستراتيجيا. لقد صنعت المقاومة في العراق والتعقيدات فيه والإخفاقات الأمريكية انقلابا دستوريا شبه صريح، انقلاب الدولة علي السلطة! إن في ذلك لإفصاحا للنفعية الأمريكية عن معدنها الفلسفي والثقافي العميق.
النفعية الأمريكية ومتانة المؤسسات: يعبر ارتداد الدولة علي السلطة علي النحو الذي تابعه العالم ـ وسيتابعه ـ قدرا من النفعية الأمريكية من جهة معدنها الفلسفي والثقافي. وإنه معدن يثبت تاريخ أمريكا أن تفاعله مع الأخطار التي تحدق بالمصالح القومية يكون صريحا، مباشرا، عنيفا. وبقدر ما تعودت أمريكا، الليبرالية الطليقة، علي أن ترخي الحبل مديدا للفردية وللمصالح الطبقية الضيقة بدرجة لا تكون أحيانا إلاّ أمريكية الطابع، فقد تعودت أيضا علي أن تتحرك بسرعة متي ظهر تهديد للمصالح القومية التي تظل بها أمريكا أمريكا. ولتأكيد هذا المذهب نضرب مثالين قبل التـــدرج مجددا إلي سياقة الحال.
المثال الأول: إسرائيلبين أمريكا وإسرائيل وصلة أكيدة عجيبة إلي حد أن كل بلد من البلدين ـ علي ما بينهما من تفاوت في الحجم وتباعد في الجغرافيا ـ قد يلوح امتدادا للآخر، والي حد أن الناظر بسطحية يحيره فيهما أيهما يتحكم في الآخر، لا سيما في مضمار الصراع العربي الإسرائيلي وفي التعاملات الاقتصادية وفي التنافس انتخابيا داخل أمريكا، علي شد أزر إسرائيل. ولعل الذي لم نفهمه جيدا ـ نحن العرب ـ أن ما يسمي لوبيا صهيونيا في أمريكا لا يعود تأثيره عليها لفائدة إسرائيل إلي مجرد قوته. فليس لهذا اللوبي أن يفعل الفعل الذي له، لأن قوته مهما عظمت تتضاءل إزاء قوة أمريكا النفعية. إن قوة هذا اللوبي تكمن في فهمه لمدي ما ترخي أمريكا لإسرائيل من حبل المنافع، وفي فهمه للخط الأحمر الذي ينبغي ألا يتخطاه نشاطه، حتي لا يقع في محظورات النفعية الأمريكية التي توقظ عند الحاجة فصل الدولة عن السلطة. فما تبديه مختلف الإدارات الأمريكية من تدليل ظاهري لإسرائيل إنما هو في العمق منافع متبادلة. وبقدرما تحرص إسرائيل علي ألا تُغضب علاقاتُها بأمريكا علاقةَ الدولة بالسلطة فيها، تحرص الإدارات الأمريكية علي ألا تجنح مساندتها لإسرائيل إلي إيذاء أمريكا دولة ومجتمعا إيذاء علنيا مكينا. إن قوة إسرائيل ـ واللوبي ـ تظهر في إثباتها للشعب الأمريكي ولمؤسسات الدولة الأمريكية أن ما تفوز به منهما من دعم وعون هو نافع لأمريكا وليس مؤذيا لها. فمتي أفلح العرب حكّاما وشعوبا ونخبا ومواطنين أمريكيين في إثبات عكس ذلك؟!. فطالما أنهم لم يثبتوا هذا الإيذاء وطالما أن إسرائيل تحرص علي ألا يثبت عليها ذلك، وطالما أن العرب لم يبتدعوا ما به يخاطبون النفعية الأمريكية فيظهرون لها بذكاء وصرامة وحكمة أنهم انفع لأمريكا من إسرائيل ـ والغريب أنهم كذلك ـ، فلا سبيل إلي أن تتحرك الدولة في أمريكا لتعدّل خيارات السلطة بمعني، لم يدرك المجتمع الأمريكي أن إسرائيل عبء علي أمريكا، ولم يفلح العرب في إثبات ذلك لينفذوا إلي تعديل الإدارة، السلطة، لفائدتهم، باستفزاز نفعية الدولة. لا بل يظهرون أحيانا، وربما بمقتضي ما هو عندهم، جهلا لهذه الثنائية، فيتعاملون مع الرئيس الأمريكي من حيث هو أمريكا، ولا يتدبرون أمرهم معه من جهة نظام المؤسسات الأمريكي المتين، وما يوفره من فجوات يمكن النفاذ منها إلي ذهنية المجتمع ونفعية الدولة. وللوقوف علي متانة المؤسسات الأمريكية، وعلي مغزاها النفعي الذي به تطمس عند الاقتضاء الدولةُ السلطةَ، نسوق مثال ذلك الجاسوس الإسرائيلي القابع منذ سنوات في سجن أمريكا. ففي الظاهر، لا مانع من أن يتجسس علي أمريكا لإسرائيل. وفي الظاهر أيضا، لا أسرار بينهما. أما وقد تأكدت أمريكا أن هذا الجاسوس قد بلغ الدرجة الثالثة من الاختراق، فقد تيقظت فيها علي السلطة الدولةُ، وتحرك روحها الثقافي النفعي، فظهر أن إسرائيل ليست البتة أمريكا، وأن العلاقة بينهما لا تُجوّز لها أمريكا المساس بمصالح الدولة الأمريكية العليا. فلم يجرؤ أي رئيس سلطة، إدارة، علي العفو علي هذا الجاسوس، علي تعاقب الالتماسات الإسرائيلية مع كل رئيس وزراء جديد، وعلي تخويل الدستور الأمريكي للرئيس هذا الضرب من العفو.
كما يحسن أن نذكر بحادثة أخري تعود إلي بضع سنوات، أظهرت بدورها أن علاقة إسرائيل بالسلطة الأمريكية ـ رغم الحسابات الانتخابية التي يتقن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا استثمارها ـ يمكن أن تتهافت في لحظة إذا تأذت بها الدولةُ الأمريكية ومصالح شعبها القومية. وآية ذلك أن إسرائيل والصين اتفقتا علي صفقة تعاون في مجال الاستشعار الجوي العسكري مجزية ماليا لإسرائيل لأنها ستضع علي ذمة الصين أجهزة في هذا المجال حساسة دقيقة تملكها إسرائيل، كانت أمريكا قد زودتها بها. وإذ أدركت الإدارة الأمريكية وقتئذ أن هذه الصفقة ضارة ـ استراتيجيا ـ بمصالح الدولة الأمريكية العليا ضررا لا تسمح به الدولة للسلطة، فقد نهت عنها إسرائيل نهيا غريبا في الظاهر. فقد بلغ النهي ذاك مراتبَ التهديد الصريح الفج، الذي أنسي في لحظة السُذجَ من المتابعين التماسك الإسرائيلي الأمريكي، وأظهر، مرة أخري، أن للدولة في أمريكا مؤسسات وحسابات تنقضّ علي السلطة انقضاضا متي لم تلائم حدودُ تدبيرها التنفيذي حدودَ المصالح القومية الكبري. وعلي قدر فهم إدارة كلينتون وقتئذ لمغزي أمريكا النفعي، كان فهم إسرائيل التي ألغت الصفقة صاغرة، خاضعة لاقتضاء أن تذود أمريكيا السلطة عن الدولة من أجل ألا ترتد هذه علي تلك.
ـ المثال الثاني: كندا إن أشبه علاقة لأمريكا بإسرائيل هي علاقتها بالجار الكندي. فهذا الثالوث كان أول نواة في المنظمة العالمية للتجارة ولبنودها التحررية الناسخة، في الأنشطة التجارية بمختلف قطاعاتها، للحدود السيادية بين البلدان. ولعل الجوار الجغرافي قد ساعد علي أن يتعاظم بين أمريكا وكندا تداخل اقتصادي وثقافي وسياسي أكيد. وقد ترجم مقاديره المفكر سمير أمين بتسمية كندا: الولاية الأمريكية الثالثة والخمسين.. وغذي التداخُل ذاك حريةَ حركة بين البلدين تشمل المتنقلين والمنقولات. وإزاء شطط تكاليف الخدمات الطبية في أمريكا، استمر لفترة تحول أمريكيي الولايات الحدودية إلي كندا للفوز فيها بخدمات طبية أبخس من مثيلاتها في بلدهم. ولا يوحي تدبير هؤلاء المواطنين الأمريكيين بالمروق عن قواعد المنظمة العالمية للتجارة، أو عن القوانين الأمريكية، أو عن قيم العولمة، أو عن أعراف التعالق الأمريكي الكندي. فكان لا بد أن تحترم السلطة الأمريكية، الإدارة، كل ذلك، وأن تحترم لمواطنيها حرية اختيارهم.
لكن الغريب أن الإدارة الأمريكية قطعت هذا الوضع، وضيقت علي هؤلاء المواطنين حرية التداوي في كندا أو الولاية الثالثة والخمسين. وقد يردنا هذا إلي اتصال المال بالسياسة في أمريكا. وقد يجوز أن يكون إجراء اتخذته السلطة إرضاء لأرباب القطاع الصحي الخاص. بيد أن تدبيرا إداريا كهذا، إنما يعبر بالخصوص عن تحرك مؤسسات الدولة لدفع أجهزة السلطة إلي التصرف علي مقتضي المصلحة المالية والاجتماعية القومية، بصرف النظر عن الأعراف والمواثيق التي تصرفها تنفيذيا صلاحيات السلطة.
خاتمة لعلنا الآن نقرب من فهم ما بين الدولة والسلطة في أمريكا من حدود وضوابط أظهرها إزاء الشأن العراقي الصدامُ بين البرلمان والرئاسة. وإذ نذكر بأنه احتجاج للدولة علي السلطة مصيري، فهو يعلو علي مرتبة التجاذب بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ذلك أن هذا التجاذب إنما له في الأصل الأمريكي دستوريا وسياسيا مناهج ديمقراطية يتبعها. وتُوجّه التَجاذبَ الحزبي إلي مناهجه علاماتٌ دالة، تحيل مدلولاتها الصريحة والضمنية علي مغزي الديمقراطية الدستوري والسياسي، مغزي التنافس علي حفظ الدولة بالتنافس علي مسك السلطة. ويتكفل النظام الانتخابي الأمريكي المشهود له بالحيوية وبسرعة التعاقب، رئاسيا وتشريعيا، بإفساح المجال لذلك التجاذب وذلك التنافس، لتقول فيه الدولةُ الكامنة فكرتُها في الخاطر الجمعي الناخب كلمتَها.
وعلي مقتضي هذا، لو كان الذي يجري اليوم في أمريكا إزاء الأزمة العراقية مجرد تجاذب حزبي، لعمد الديمقراطيون إلي إعداد الأرضية الملائمة لاستثمار ورطة الإدارة الجمهورية في العراق استثمارا في الانتخابات الرئاسية القادمة ناجحا قريب الأجل، يُكمّلون به فوزهم في الانتخابات التشريعية النصفية الأخيرة. لكن ما يجري هو اكبر من التجاذب الحزبي، وأوكد من انتظار أوانه الانتخابي الرئاسي القادم. إنه انقلاب علي السلطة دستوري سياسي تضطلع به الدولة التي تختزل فكرتُها المؤسسات الدستوريةَ المخولة للاضطلاع بذلك.
فكأن خلاصة هذا الانقلاب هو أن أمريكا، دولة ومجتمعا ومصالح قومية عليا، تعترض دستوريا علي أن يواصل الرئيسُ أو السلطة، دفعَه إياها إلي استمرار التهلكة في المأزق العراقي، ولا تقبل لهذا الاعتراض أن يُؤجّل إلي الموعد الانتخابي القادم. فلعل حدة الوعي بحدة المأزق قضت أن ينضم في البرلمان بعض الجمهوريين إلي الموقف الديمقراطي، وقضت الإسراع بكبح الورطة قبل الانتخابات، لأن فداحة الأضرار أكبر من ارتقاب الموعد الانتخابي الذي يمكن له أن يوقفها بطريقة سلسة، تحفظ ماء الوجه الأمريكي بالاندماج ظاهريا في التعاقب الحزبي علي السلطة وفي ما بين الحزبين في الشأن العراقي من تباينات.
ولا جدال في أن العدول عن ذلك التريث قد فرضته في العمق جملة المؤسسات الإستراتيجية والاستخبارية التي تذود عن مصالح الدولة القارة ذودا نفعيا أكيدا لا يستثني الرئاسة الأمريكية نفسها، كلما حادت بالسلطة التنفيذية عن مصالح الدولة الأمريكية، ذات الروح النفعي الخاص. إن ما ينتزع الإعجاب الوصفي انتزاعا هو متانة المؤسسات الدستورية الأمريكية، الظاهر منها والخفي، ومتانة مغزاها المدني التعاقدي فقد ورطت السلطة ُ الدولةَ َوالمجتمع، وألحقت بهما بالغ الأذي، وبلغ الاعتراض علي توريطها أقصاه، وتوافق عليه المجتمعان السياسي والمدني والثقل الشعبي والإعلامي والفكري، فضلا علي المؤسسات الدستورية والإستراتيجية. وفوق ذلك، لم يبادر أي من هذه الأطراف المعنية بالأزمة، بطريقة أو بأخري، إلي أن يُنصّب نفسه خبيرا عليما، وإنما انصرف الجميع إلي نظام المؤسسات المتين ليقول القول الفصل، من ذلك تفويض الأمر اختصاصا إلي لجنة بيكر ـ هاملتون. فهذا الإجراء العملي التقني إنما يعبر عن ثقافة مؤسسات تخول أولا للجنة من الخبراء التأمل والبحث والنظر. وهذه اللجنة إنما هي مؤسسة بدورها صنعتها تدابير نظام المؤسسة إزاء أزمة، ثم إن هذه اللجنة المؤسسة ليست جزءا من السلطة الراهنة، وليست جزءا آنيا من التجاذبات الحزبية، إنها خبرة أمريكا وترجمان الدولة الأمريكية وفكرتها النفعية القارة.
ولو تأملنا مظاهر الانقلاب الدستوري التي ينجزها في ظاهر البرلمان لأدركنا أنها تتصرف في ضبط تدابير الخروج من المأزق العراقي علي مقتضي ما ارتأته لجنة بيكرـ هاملتون وعلي مقتضي التأكد أن الرئيس قد تلقي تقرير اللجنة الممثلة لصوت الدولة فتحصن بالسلطة وتجاهله. فالتمشي في كل المراحل قد اتبع نظام المؤسسات وثقافته.. وإن الشعب الأمريكي، علي بساطة تكوينه السياسي الجمعي، قد أظهر مواطنة راقية مسكونة بثقافة القانون والمؤسسات. فالمصاب جلل، وخطأ السلطة فادح. والجنود القتلي والمعوقون والمجانين من أبنائه. والمال المرصود هو من ضرائبه التي يضعها علي ذمة السلطة للخدمات الاجتماعية الراجعة إليه. ومع كل ذلك، لم يُجاوز احتجاجُه حدودَ القانون والمؤسسة، فمارس التظاهر السلمي، والتجمع الشعبي المدني، ونشّط منظمات المجتمع المدني، وصوّت تشريعيا لغير حزب السلطة، وترك للمؤسسات التي تمثله تعديل بَوصلة القرار. فلم يخاطب مثلا العسكر في العراق بما يفيد أنه يدافع عن جدار ليس له بل للشركات الكبري، ولم تفكر في الإجراء نفسه أوفي نظير له سائر الهياكل والمؤسسات. لقد قضي النضج المدني الأمريكي ومتانة المؤسسات والثقافة الذرائعية ردع هوس السلطة المالي والعقائدي والحفاظ مهما كانت الخسائر علي نظام المؤسسة الأمريكي وعلي انضباط كافة أطراف المجتمع من مؤسسات دستورية ومن نسيج مدني ومن ثقل شعبي ومن مؤسسة عسكرية، حتي وإن كان الاعتراض علي رأس السلطة نفسه، وعلي نمط تصريفه لصلاحياته ذاتها.
لعلنا، نحن العرب، بقينا ضحايا السياسة الأمريكية من دون تخفيف أو تعديل، لأننا رسميا، نختزل أمريكا في السلطة، ونضبط تعاملنا معها علي أساسين فحسب: الخضوع لها والاستنصار بها، متجاهلين أن هذا البلد التوسعي العملاق الرائع، تتوفر في حجمه المذهل فجوات وتلوينات يمكن استثمارها.. ونختزل، شعبيا، أمريكا في صفة العدو، وكأنّ القوي الكبري الأخري غمرتنا وغمرت غيرنا من ضعاف الأحوال بالورود، وكأن أمريكا ضئيلة يمكن أن تختزلها السلطة عابرة. إننا ـ نحــــــن، العرب ـ لم ننفذ إلي مكونات الولايات المتحدة الأمريكية، ولم نفهم تشكلها الدستوري والشعبي والمدني والثقافي والمالي والاستراتيجي من جهة قضايانا التي تضع عليها أيديها الثقيل، وإننا لم نتدبر خيارات لنا وإجراءات تقوم علي الفهم والدرس، ولم نستطع حتي فهم خيوط اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، ذاك الذي يرقص بمهارة ودقة علي حبل الفصل الرفيع بين السلطة والدولة. نأمل أن نستفيد من المقاومة العراقية التي رفعت أمام جملة العرب الستار الشفاف الذي يغطي المنطقة، للفصل في أمريكا بين السلطة والدولة، فحركت انقلاب هذه علي تلك دستوريا، وصنعت أزمة كشفت لغير العالمين أن أمريكا أكبر من بوش وسلطته. وأخيرا، هل لنا أن نطمئن إلي كون الصدام بين الرئيس والبرلمان يوافق مزاجُه الظاهر مزاجَه الخفي؟ ألا يجوز أن تكون إرادة الدولة قد قضت ذلك الانقلاب وأقرت له في الخفاء مزاجه المعلن علي سبيل تبادل الأدوار ليحفظ بعضُ أمريكا ماء وجه أمريكا؟7