بخور السراب للروائي الجزائري بشير مفتي: قراءة واصفة لأنماط الحكي

حجم الخط
0

قلولي بن ساعد

يشعر القارئ وهو يلج إلي مساءلة الأنماط الخطابية لرواية بخور السراب (1) للروائي بشير مفتي من خلال التماثلات الحكائية التي ينقاد إليها السارد ـ الخارج نصي كما تسميه جوليا كريستيفا أي الكاتب بوعي أو بدون وعي أي ما يتخلل زمن السرد في لولبيته من استرجاعات واستباقات وتكرار أحيانا كنمط خطابي إخباري ذي لغة سردية واصفة وأحيانا أخري علي شكل رسائل خطية متبادلة بين السارد وحداد مردها تلك الاستطرادات العالمة كالتأملات الفكرية والهواجس الروائية الذاتية التي تشكل الرأسمال الرمزي بتعبير بياربورديو للسارد الخارج ـ نصي علي اعتبار أن المثقف هو ذات عالمة وعارفة علي رأي المفكر المغربي محمد عابد الجابري وهي الاستطرادات التي نتوهم من خلالها بتعطل الحدث الرئيسي وانكماش السرد وابطاء التتابع الكرونولوجي للوقائع في حين نجدها بعد معاودة القراءة والتأمل والفحص النقدي الدقيق علي خلاف ذلك تماما إذ أنها تضيء بعض الجوانب المعتمة الداجية لدواخل الشخوص ـ السارد والمسرود عنهم وتحدد مواقفهم من الحياة ومن الأحداث السياسية والوقائع المعيشية والفترات التاريخية المفصلية علي مختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية وتحدث تقاطعا بين ما هو ذاتي وعام وقد أسهمت هذه المحكيات بمختلف أشكالها وتمظهراتها في تفرع المستويات الحكائية ـ niveaux naratifes وتنوع المفارقات الزمنية إذ نلاحظ أن المحكي المؤطر recit ـ encadrant أي تتابع حياة السارد والمسرود عنهم أي الحياة داخل الرواية كعمل تخييلي علي المستوي الخارجي يتضمن محكيات مؤطرة هي ما يندرج داخل المستوي الحكائي تضطلع من خلاله الفواعل السردية بالصدع بمواقفها إزاء ما يموج به الواقع من أحداث وملء ثغرات السرد وفرجاته بأخبار ومعطيات تم إعقالها أو نسيانها.. من هنا يتضح ومن خلال سيرورة السرد أساسا أن مفتي بشير كان واعيا كل الوعي أن هذه الاستطرادات وان كانت تخرجه أحيانا عن الغرض المتوخي من كتابة الرواية كعمل سردي بالدرجة الأولي ومع ذلك يتحكم في سيرورة الســــــرد وأنماط الحــــكي مانحا إياه منزلة خاصة داخل المؤطـــر المحكي ضمن منظومة سردية لا تتعامل مع الدال في حرفيته واحاديته وتعتبره بؤسا فكريا وحضاريا ولغويا وذلك علي ما يرويه في العبارات التالية: أشعرني حداد دون أن يبادر بالكلام فعهدي به غير قادر علي فعل أي شيء بالرغم من أن كتابته قد حررته ولاقت استحسانا هنا وهناك وكان صالح كبير يدافع عن أدبه الذي يعتبره جديدا أو ما يسميه أدب الشفافية الجارحة التي من شأنها أن تزلزل ما كتب من قبل في بلادنا ـ ص 68 ـ من خلال هذه العبارات يتضح أن السارد الخارج ـ نصي لا يعتبر هذه الاستطرادات حشوا لا قيمة له وإنما اقتضاه السياق الخطابي الذي يلائم جوهر المتن الحكائي ويسعف القارئ علي الإحاطة بالادوار العاملية بالمعني السيميائي للكلمة للفواعل السردية حداد ـ صالح كبير ـ ميعاد بالاضافة إلي السارد الخارج ـ نصي والذي درج النقاد الانطباعيون علي تسميته بالراوي ذلك أن الأدوار العاملية roles actantieles يستخلص منها في حدود النموذج العاملي الذي صاغه غريماس في إطار بحوثه المتعلقة بالسردية النصية أنها ذات فعالية مفوضة من الذات العليا ـ السارد بما تملكه كفاءتها من العناصر التالية: معرفة ـ ارادة ـ وجوب الفعل وفي ظل تناسل هذه الاستطرادات حافظ محكيان علي استقلالية بنيتهما السردية من الزاوية التلفظية والزاوية الموضوعاتية أي الإيهام بإثارة أسئلة خارجة عن الغرض العام للرواية وحين نتفحص منزلتهما داخل البنية الروائية نلاحظ أنهما ينسجان علاقات مع باقي العناصر بواسطة الضبط الذاتي بتعبير ميشال غوشيه التي تسعف البنية علي ضبط ذاتها والحفاظ علي تماسك مكوناتها وانتظامها.. من هنا لا يمكن فهم المحكي الأول إلا في علاقة ما يليه من مستويات حكائية كون العلاقات تكتسب بذلك معناها بعلاقات بعضها البعض والدراسة المختصة بتحديد هذه العلاقات هي ما يسمي بالنموذج العاملي (3) وهكذا لم يتوان أحد الفواعل السردية وهو صالح كبير عن وصف ما يكتبه حداد بأنه جديد وفيه شفافية جارحة من شأنها أن تزلزل ما كتب من قبل في بلادنا ويعتبر هذا المحكي تمهيدا كما أشرنا لما يليه من أنماط الحكي إذ أنه يسلط الضوء علي المزيد من الاستطرادات وهي الاستطرادات التي وردت هذه المرة علي شكل رسائل خطية متبادلة بين السارد وحداد تؤشر من خلال وحداتها النصية علي هواجس الخوف والموت واسئلة الكتابة الروائية كسندات سير ـ ذاتية su بخور السراب للروائي الجزائري بشير مفتي: قراءة واصفة لأنماط الحكيore autobiougrafiques تنقل ما حدث لحداد وما تعرض له من وقائع ومضايقات وتهديدات داخل الجامعة وخارجها: توقفت عن الكتابة اليك طوال هذه الشهور لأنني بدأت أفكر بجدية في فعل شيء ما. الحياة في قسنطينة لا طعم لها ولا أشعر بالراحة هنا… هناك تيار متحجر بدأ يوجه سهامه نحوي… إنهم يتهمونني بأشياء غريبة… إنهم يقولون إنني ملحد ص 100. إنه شكل جديد من أنماط الحكي والذي ورد كما أشرنا في صورة رسائل خطية متبادلة بين السارد وحداد كأرشفة جمالية بتعبير الناقد الجزائري المرحوم بختي بن عودة تكشف عن طبيعة الصيغ الاسلوبية واللغوية المتعددة بوصفها وحدات اسلوبية أسهمت في إثراء النص الروائي بمختلف أنماط الكتابة السردية وهكذا جاءت هذه الرسائل / الاستطرادات / في شكل تجميع لغوي متعدد ومنظم في بنية متراصة حافظت رغم تفاوتها وتباينها علي الطابع نفسه الذي وسم المدونة السردية الكبري للرواية من حيث مرونتها واستقلالها وفرادتها اللسانية والاسلوبية إلي الحد الذي جعلها ترتقي إلي مستوي الكشف عن (الخلفية الحوارية) بتعبير ميخائيل باختين بين مختلف (الذوات العالمة السارد الخارج ـ نصي وهو كاتب الرواية (المسؤول اجتماعيا والمنتج للخطاب في نفس الوقت الموجود بين النص وخارج النص والذي تتحدد مظاهر وجوده الواقعي من خلال التسمية والنسبة ذلك أنه هو الذي يقرر الكتابة ويسعي من حيث المقصدية إلي التواصل… مع القراء (4) وحداد الكاتب الضمني داخل المجتمع التخييلي للرواية وصالح كبير الذي حولته الأزمة الدموية من متعاطف مع جماعات الإسلام الراديكالي وإن كان يختلف معهم ايديولوجيا ومناضلاً في صفوف اليسار الجامعي يناصب العداء لمهزلة الحكم القائم علي تطبيق سياساته الاستبدادية بكل الوسائل القمعية إلي صحافي في مواجهة (أمراء الموت والقتل العشوائي) بهدف تبادل الإضاءة فيما بينهم وتشخيص هموم الكتابة وأسئلة الإبداع الكبري علي الأقل علي مستوي الملفوظ الروائي مما جعلها في خدمة تماسك المعمار الروائي وبالتالي الكشف عن لغة (الكتابة الإجناسية) من خلال تداخل الاجناس الادبية ممثلة في فن الرسالة الأدبية مع جنس أدبي آخر مستقل هو الرواية الأمر الذي أضفي طابعا نسبيا علي الحدث المروي ولون الأحداث والوقائع بتلوينات ذاتية تاركا بياضات وفرجات نتيجة النسيان المتعمد ما سماه فيردريك نيتشه النسيان الفعال كأحد المقومات القاعدية في استنطاق مكنون الذات وتشخيص الواقع ومساءلته.

إحــــالات 1) بخور السراب ـ رواية ـ بشير مفتي ـ منشورات الاختلاف ـ الجزائر ـ 2004 2) في الخطاب السردي ـ نظرية غريماس ـ محمد ناصر العجيمي ـ ص 128 ـ الدار العربية للكتاب ـ تونس ـ 1993 3) نفس المصدر ص 30 نقلا عن Semioutique . naratifes ـ et .textueleGrimas . seuil . paris ـ 1973 4) الكتابة والوجود ـ السيرة الذاتية في المغرب ـ عبد القادر الشاوي ـ ص 50 ـ دار افريقيا الشرق ـ الدار البيضاء. نقلا عن Le pacte ـ autobiografique . coll . poetique seuil ـ paris ـ 1975 ـ p.23. ناقد من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية