عادل الحامدي
جفاء الحبيب للحبيب مدعاة للسهر والحمي، اما جفوة الاعداء فلياليها طوال لان عواقبها مفتوحة علي كل الاحتمالات. وقد لبدت الجفوة السياسية لزمن طويل سماء العلاقات السودانية ـ الغربية بوجه عام، والعلاقات السودانية ـ الامريكية بوجه اخص، وهي جفوة امطرت وابلا من القذائف الصاروخية الامريكية الذي غيب مصنع الشفاء في العاصمة السودانية الخرطوم الي الابد، قبل ان تتقاطر القرارات الدولية ذات الطبيعة العقابية الواحد تلو الآخر من دون ان تلين شوكة الانقاذيين او تخور عزائمهم، وان فاحت رائحة الدم في اكثر من موقع من بلاد المليون ميل مربع.
وتدخل الآن العلاقات السودانية ـ الامريكية طورا جديدا اكثر جفاء بعد التهديد السياسي شديد اللهجة الذي وجهه الرئيس الامريكي جورج بوش الي الرئيس السوداني عمر البشير بان الوقت لم يعد يخدمه، وان امامه فرصة اخيرة لاحلال السلام في دارفور والتاكيد علي جديته لحل ازمة الاقليم المنكوب وايقاف نزيف الدم السائل من دون توقف منذ اربع سنوات. وهي تهديدات ايدتها تصريحات لحكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بحثها السودان علي الانصياع لقرارات الامم المتحدة، والقبول بالقوات الاممية بديلا للقوات الافريقية التي لم تفلح حتي اللحظة في كبح جماح سلاح الجنجويد، ولا في السيطرة علي الجماعات المتمردة الذين اختلفت اهدافهم السياسية وتباينت ولكن توحدت اسلحتهم في احداث المزيد من الشروخ القبلية وترسيخ مبدأ التشظي الذي غدا سمة من سمات القرن الحادي والعشرين… في السياسة كما في الاقتصاد، تمثل المقايضة او المبادلة بين الاطراف ذات الصلة اسلوبا شائعا لتصفية الخلافات والوصول الي ارضية مشتركة… واداة التبادل او المقايضة ظاهرها سياسي تفاوضي من خلال الاطروحات والاطروحات المضادة، وباطنها يحكمه منطق موازين القوي الميداني ومعايير التصادم التي تنشأ من علي تخومها الحاجة الي البحث عن الارضية المشتركة التي يتحول فيها منطق المخاشنة الميدانية الي اسلوب الحوار السياسي الذي يفضي في اغلب الاحيان الي التصالح، فالحاجة ام الاختراع كما تقول قواعد المنطق الصوري.
كان هذا هو الاسلوب الذي اسس لاتفاقية نيفاشا بين الجنوبيين ممثلين في الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل العقيد جون قرنق وحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان برئاسة الفريق عمر حسن البشير… صراع عسكري طويل الامد بين جيشين مجهزين باحدث الاسلحة سقط جراؤه ما يربو علي المليوني قتيل، فتنادت لهول المعارك الدول الاقليمية والدولية وانجزت صلحا وضع بمقتضاه المتحاربون السلاح جانبا وانبروا جميعا في خوض معارك سياسية ضارية انتجت تقاسما عادلا للثروة وحكومة وحدة وطنية رقص لها السودانيون في الشمال والجنوب طربا واملا في فتح سياسي واقتصادي يحقق حلم السواعد السمراء في العودة مجددا الي لعب دورهم الوطني والاقليمي والدولي في اشاعة الامن والاستقرار.. مضي زمن علي اتفاقية نيفاشا ولم تهدأ اوضاع السودان، ولم تتقدم رغم كل المبشرات، فمن للسودان ببنية اساسية من المعبد وسكك الحديد تفخر بها الاجيال القادمة وتربط اقاليم هذا البلد العربي الافريقي الكبير جميع اقاليمه بعضها ببعض واولها دارفور، وهي جزء من السودان الموحد رضي الخصمان ام تفاحشا باسلحة اغلبها تصنع خارج هذا البلد العريق؟
فبعد المصالحة بين الجنوب والشمال عقب ان منّ الله علي السودانيين بزاد الصناعة ـ الزاد السائر في النضوب ـ البترول جنوبا ومخزون من المياه الجوفية الواعدة شمالا ونجاح حكومة كل السودانيين في احداث استقرار سياسي نسبي رغم الاصدقاء والطامعين والمتربصين خاصة، من حق المواطن السوداني ان يحلم بخدمات صحية يلجأ اليها المريض واخري تعليمية قادرة علي تأجيج جوعة الاجيال الشبابية الجامعية الي الغرف من العلوم الصحيحة لتطويع التكنولوجيا والسيطرة علي اسرارها، ومن ثم تسخيرها لخدمة السودان وجيرانه، وهي السبيل اليتيمة لرفض السودان الديمقراطي الموحد الاطمئنان الوجداني العاطفي لهذا الشريك العملاق الجديد حتي لا تتحول الشراكة الي شرك استعماري اصفر كما في قوله تعالي: وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض، حتي ان العالم العربي والاسلامي والغربي لم ينبر منه معتصم واحد ولا معتصمة تصيح في وجه الرئيس بوش لتذكيره يومها بان اعدام رئيس عربي مسلم في بغداد تحديدا وفي يوم عيد المسلمين ـ ايا كانت الجريمة ـ هو كبيرة دينية تاريخية وحضارية غير مسبوقة، وهي استهتار بحقوق المسلمين واليهود والمسيحيين خاصة في الشرق الاوسط اين يتعايش هؤلاء جميعا وتحت نفس السماء التي غشيتها سحب الحروب العبثية منذ افول نجم السوفيات… لقد اساء الاستعمار الغربي الحديث كثيرا معاملة العرب والافارقة فنهب الخيرات استعمارا واستعلي علي حكومات المنطقة جهارا حتي وهي تابعة ولم يبق من عوراتها مستورا الا كشفت فظاعات الحرب الدائرة في العراق زيف هذه الشعارات التي روج لها هوكشيو (الصقور) الادارة الامريكية الحالية، لكن السحر انقلب علي الساحر، واصبحت هذه المغامرة مرفوضة كما بدات من الشعب الامريكي نفسه… وما كان ينبغي ان ينسيني ذلك ادواء العالم العربي ومنه السودان هو ان اداة الحكم (الدولة) وكرسي الرئاسة اساسا هي الاسباب المباشرة لمنع احداث التغيير المنشود والمهدي الغائب علي الدوام لمصادرة جماعية القرار السياسي، فمنطق لويس الرابع عشر الذي كان يقول: فرنسا هي انا، وهو المنطق السياسي الشرعي والوحيد الحاكم!!! في رقاب العرب حتي ضمن الخصوصية الاسلامية.
ولقد دفعني ابناء لويس ومن ورثوا الحكم من بعده والذين فتح الله عليهم فاهتدوا الي تقاسم اسهم السلطة بالتي هي احسن وبالتي هي لروح الاسلام اقرب.. نعم دفعني المهرجان الانتخابي الفرنسي الاحتفالي الاسلامي الذي اسفر عن افراز نجمين ساطعين تجلت في طرائقهما قدرة الخالق المبدع الذي امد هذا الكائن الاعاجيبي بالقدرة علي صنع المعجزة الارضية الكبري والمتمثلة في الاذعان والاحتكام الي شريعة الانتخاب وامتلاك القدرة والتسليم بمن ترتضيه الامة اماما ولو كانت روايال صغيرة جميلة اروع ما تكون الامهات الفرنسيات الغربيات وهن يخضن معارك السياسة بعيدا عن رغبات الجسد وصغائر النفس البشرية.
ولكم تمنيت لو كنت بحضرة سيدي الخليفة الرابع وقد تجاوز الثمانين واهمه مركز الاسلام عن اطرافه حتي تشاغل عن عدالة التوزيع وحسب ذي النورين اجتهادا يوم قال: ما كنت لانزع ثوبا البسنيه الله، فما بال شر السلف يسلبوننا مجرد حق المتعة برؤية روح الاسلام علي الكرسي ولو مرة واحدة كل خمس سنوات… عانق بيتنا البريطاني المعاصر الصغير طوبا اذا ما قورن بالسودان والكبير روحا وعزما كريزما سياسية من الاحجام الكبيرة والمثيرة للجدل لم تشهد الساحة السياسية مثيلا لها منذ الحرب العالمية الثانية، حتي ان سيغولان روايال تمنت منذ اشهر ان لو تسمح لها الامة بشغل المنصب الرئاسي الفرنسي، اذا لاقتفت آثار بلير السياسية الذي ليس معرض حديثي، الا ان الوزير الاول البريطاني قاد البلاد بطاقم حكومي عشرون منه ينتمون الي اقليم دارفور البريطاني، واعني بطبيعة الحال اسكوتلندا الشمالية التي ارتبطت بالتاج الملكي البريطاني منذ ثلاثة قرون والتي لا يمثل تعداد هذا الاقليم اكثر من 12 بالمائة من سكان البلاد. وأدهي من ذلك ان وزير الخزانة السكوتلندي غوردن براون الذي سيخلف رئيسه ضد الانفصال الذي يتحدث عنه القوم كاية موضوعة اخري ويتجادلون حول انقسام الامة بلغة السياسة والرياضيات دون ان اسمع ولو كلمة واحدة عن استخدام الطائرات المتنكرة ولا عن التدخل في الشأن الداخلي البريطاني. لا لان بريطانيا دولة نووية عظمي فحسب بل لان الغرب ليس ذلك الوجه الاستعماري البشع الذي خلناه قد ولي لولا مأساة العراق فقط، بل لان في الغرب اوجها حضارية اخري مشرقة اشراقة الانتخابات الفرنسية الحالية التي خلت من كلمة تزوير وما يستتبع التزوير من اجواء سياسية ميزمية تتطوس فيها الرئاسة حتي علي الرعاة وبائعي السجائر… والحقيقة ان هذه الصورة البائسة للحكم العربي الراهن ليست قطعا ما ينطبق علي حكومة الانقاذ ولا علي الرئيس البشير وانما يخجل المرء ويرتبك ويشك فيما بين الحنايا والضلوع حين يحكم العرب ـ دون الامم ـ باسم خير الاديان وخاتمها ويري ساسة خيرهم من يحج او يعتمر استدرارا لعطف شعوب يائسة من كل تغيير لصالحها… اقول هذا وفي ذاكرتي تداعيات الصراع السياسي الاول بين سيدنا معاوية وامير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنهم جميعا، ولكن في صورته السودانية التي لم تخل من المكائد والتربص بالخصم بعد الفرز الغنائمي الذي احدثته قرارات الرابع من رمضان والسادس من صفر، والتي عاد بموجبها الدكتور حسن عبد الله الترابي الي المنبع وأسس حزب المؤتمر الشعبي الذي ذهب في الخصومة الي اقصاها من خلال توقيع اتفاق سياسي مع عدو الامس الحركة الشعبية لتحرير السودان، فما كان من رئيس المؤتمر الوطني الا ان رد علي هذه الخطوة السياسية بموقف امني اسكن فيه الترابي سجن كوبر لفترة طويلة لم يسلم فيها حتي من الفئران التي كادت ان تسمه وتحدث فيه ما لم يحدثه اعتداء كندا الشهير الذي استهدف حياة الترابي مباشرة… ولهذا استسمح الحكومة السودانية التي استطاعت الحفاظ علي استقلالية قرارها الوطني رغم الظروف الدولية العاصفة: الي متي ستؤجل النجاح في الصلح مع الذات وضم دارفور بالسودان الدافئ وليس بالطائرات المتنكرة؟
وللاسف فان ما لا تخطئه العين المجردة ان فرقاء الازمة السياسية السودانية يقدمون عن حسن نية احيانا وعن سابق اصرار وترصد في اغلب الاحيان المسوغات الموضوعية لتدخل دولي لا نعتقد ان لدي السودان المعاصر من المقومات المادية ما يجعله قادرا علي مواجهتها، وان كنا نري في الوقت ذاته ان خيار الاستئساد الامريكي المحافظ لا يملك هو الآخر من دعائم النصر الا خيار بث الفوضي واغراق المنطقة في الحروب… وكل الخشية ان يغفل حكماء العالم ونموره في الصين واليابان وحتي في روسياالناهضة من تحت رماد الديون، عن الجهود الاقليمية والدولية الحثيثة التي تبذل من اجل اشعال نار فتنة افريقية في غرب السودان، وتزويدها بكل اسباب النمو والتطور، بعد ان علا لهيب الحرب في الصومال، فيتحول البحر الاحمر ودوله الي بارود ياكل ما تبقي من السواعد السمراء الذين نجوا من الاوبئة القاتلة، عفا الله افريقيا منها… ہ كاتب واعلامي تونسي مقيم في بريطانيا8