هل تقضي العولمة علي اسرائيل؟

حجم الخط
0

بظهور الاتحاد الاوروبي، كقوة اقتصادية تستبعد الفوارق والنزعات القومية بين مواطني دول الاتحاد، وتتعامل بشكل متسارع وثابت مع المواطنين علي أسس جديدة من المساواة القائمة علي المفهوم الحديث للمواطنة ويتواصل سن القوانين الموحدة علي كافة الصعد، تكون النزعة القومية قد دفنت في موطنها الاْصلي، وتقدم أوروبا بذلك نموذجا عولميا واضح المعالم، سيظهر تأثيره علي مجمل الحياة العالمية.

فاذا كانت الثورة الصناعية، ولدت ثورة فلسفية وفكرية تجلي منتجها الاْهم في الفكر القومي والذي جري تصديره أو التأثر به في بلاد الشرق دون أن تشهد ثورة صناعية، فمن المنطق أن أوروبا وقد دفنت الفكرة القومية وتجاوزتها، ستؤْثر وتصدر هذه المرة، الاْسس والمفاهيم العولمية الجديدة.

ولا يفهم من هذا، القضاء المطلق علي القومية بكل مقوماتها، فسيظل الفرنسي فرنسيا والانكليزي انكليزيا، ولكن القومية لن تصبح مقبولة كأساس لقيام الدول، ولن تشكل مبعثا للنزاعات، أو غطاء لها، بل ان العالم ينتقل الي مرحلة الكيانات الاقتصادية الكبيرة، التي قد تتصارع وقد تتعاون، ولن ينتهي القرن العشرين الا بكرة أرضية يسود فيها تقاسم العمل والمصالح والثروات بعدالة ما.

خلال مرحلة سيادة الفكر القومي في أوروبا، ظهرت التناقضات واشتعلت الحروب، بين قوميات مختلفة، ثم سادت عقود التعايش بين الجميع علي أساس احترام السيادات الوطنية للدول القومية، وفي منطقة الشرق الاْوساط، كانت البضاعة القومية الواردة تكرس لتناقض حربي بين القومية العربية المتولدة من رد فعل علي القومية التركية، والتي اقتسمت معها التأثر بالفكر الاوروبي، وبين القومية اليهودية ـ الطائفة اليهودية، التي طردت من أوروبا بلطف خبيث، فقد نجح منتصرو الحرب العالمية الثانية بتحقيق ما فشل هتلر في تحقيقه عسكريا، فبتحالف بين البرجوازيات القومية الاوروبية وبرجوازيات الطوائف اليهودية في أوروبا، جري اختراع القومية اليهودية، وعثر فلاسفة هذا التزوير التاريخي الفاضح علي مسوغات دينية في التوراة.

بل وفي الانجيل حسب اجتهادات بعض الكنائس.

لن يظل الشرق الاْوسط بعيدا عن النموذج الجديد الذي يكتسح العالم، كنتيجة طبيعية لثورة الاتصالات، واذا كان معظم الباحثين في العولمة، يؤرخون لها بحرب الخليج الاولي، وتحديدا بالتغطية التاريخية لقناة سي. ان. ان لتلك الحرب، حيث ولاْول مرة في تاريخ البشرية يشاهد الملايين مباشرة مجريات حرب، بما عناه ذلك من عنوان لثورة الاتصارت، فان المدة اللازمة للتحول كانت أقل من ربع قرن، ولن تزيد مدة التأثر في منطقة الشرق الاْوسط عن ربع قرن، في جميع الاْحوال.

في أقل من عشر سنوات، سيخرج التطبيع بين العرب واسرائيل، عن مواصفاته الحالية، كخيار سياسي، يجري قبوله أو رفضه من قبل الدول والاْحزاب، بل سيصبح ضرورة اقتصادية بحتة، تفرضها شركات اقليمية كبري ذلت تبعيات أو امتدادات أو تحالفات ـ اقتصادية طبعا ـ مع شركات العولمة العملاقة، وسيقود هذا التطبيع الذي سيخلو من أي مغزي سياسي، الي ترسيخ معني المواطنة وحق الانتقال والسكن في منطقة مفتوحة ومتداخلة، وستكون اسرائيل، ككيان ديني ـ قومي، قابلة للتفكك والزوال، ولن تكون بعد سنوات سوي مجرد فكرة مضحكة، خارجة عن نطاق التاريخ، وفاقدة للمبررات التي أوجدتها.

لا يعني هذا التحليل، أن علي الشعب الفلسطيني ايقاف نضاله وانتظار نعمة العولمة، وليس هذا التحليل وصفة للتقاعس، فنضال الشعب الفلسطيني، سيظل ناقوس الخطر الذي سينبه العالم المتعولم الي وجود دويلة مارقة، لا تتماشي مع سنن التقدم والحضارة. وسيكون الكفاح الفلسطيني بأساليب متطورة تعتمد كثيرا علي منجزات الاتصال، عاملا حاسما في اختصار زمن الانضاج اللازم لزوال اسرائيل، عبر زوال فكرتها العنصرية، وتماشيها مع ماسيصبح عرفا وقانونا دوليا بحق مواطني العالم في اختيار أماكن اقامتهم، بحرية، ووفقا لمصالحهم الاقتصادية، وليس تعبيرا عن خيار ديني أو سياسي أو قومي.

د. زياد أبوالهيجاءرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية