محمد منصور
ربما نحتاج للتأكيد مجدداً، أن الصورة الحقيقية الكاملة الشاملة، الجامعة المانعة، لكل ما يحدث في العالم العربي من أزمات وفتن وحروب، وانهيارات وتزوير ودجل وشعوذة، ومراهقة متأخرة لدي أولي الأمر، ونضج مبكر لدي أبناء أولي الأمر المرشحين لكراسي الخلافة، وتصاب وتغاب لدي ممثلي الجماهير ونواب الأمة في مجالس المصادقة والموافقة والمباركة والتزكية، واستفتاءات (رب نعم خير من ألف لا) أقول إن كل هذا وسواه يتجلي اليوم في مرآة القنوات الفضائية العربية، فهي أصدق (إنباء من الكتب) بعد أن ولي زمن الكتاب، كما ولي زمن ركوب الحمير، والمبيت في الخيام، وطبخ الطعام علي مواقد الحطب في الغابات، وتغسيل الأيادي بالصفوة والرماد.
ولم توفر الفضائيات العربية، حتي العالم السفلي من اهتماماتها، فحاولت بعض القنوات التماهي مع هذا العالم قولا وعملا… فتحولت معظم برامج هذه القنوات إياها، إلي (أعمال) من النوع الذي كانت تعمله في الخفاء، بعض النساء اللواتي تزوج عليهن أزواجهن، أو ذقن الأمرين من تسلط حمواتهن، أو أعيتهن الحيلة والوسيلة في رد أذي المتربصين ودناءة عيون الحاسدين… ولعل أشهر قنوات الاتصال بالعالم السفلي ودستور من خاطركم يا أسيادنا ـ قناة (شهرزاد) التي لا تبخل علي مشاهديها علي مدار الوقت، ببرامج تفسير الأحلام، وفك المربوط، وإطلاق النصيب… ونجوم هذه القناة يظهرون بأشكالهم الغريبة، وملامحهم الحادة، ونظرات عيونهم التي تقطر ريبة، وأصواتهم التي ترتجف لهول المصائب التي يتعرض لها السائل والمتصل وكيف يستطيع أن يحتمل… ثم ليتحدثوا عن الغيب، وكأنهم يقرأون رسالة (S.M.S) من شريط أسفل الشاشة علي مونيتور أمامهم، وهم لا يطلبون سوي معرفة اسم السيدة الوالدة، والبرج الذي ولدت فيه، كي يكشفوا ما يحاك ضدك من مؤامرات، وما يعمل لك من أعمال، وما يرصد لك من أصناف الجان وألوان ملوكهم… كي لا تنام الليل، أو ينقطع النصيب، أو يفلت الرزق من بين يديك… بعد!
ن كان يجري كجريان الماء في المسيسبي!
وتنافس قناة (شهرزاد) في الاتصال بالعالم السفلي، قناة (كنوز) اللبنانية التي ترفع شعار: خرزة زرقاء في عين الحسود! وهي تمتاز ببرامج ضحايا القدر… وتعني بمعرفة الحظ، وقراءة الأبراج… وجلب الغائب، وكشف القرين… ولا تنسي إطلاق النصيب لأن العنوسة تضرب أطنابها في ظل ظواهر غلاء المهور والبطالة، وضعف القدرة الاقتصادية لدي الشباب علي تحقيق متطلبات الزواج وتكوين الأسرة، وهي أمور يستبعد جدا أن تكون سببا من أسباب العنوسة، مادام تجارة الجان والعفاريت تدر دخلا واتصالات ومريدين!
ولعل من أبرز برامج قناة (كنوز) التي تكشف عناوينها محتواها وتوجهاتها بلا جهد ولا عناء… برنامج (لما يدور القدر) مع أم وائل وبرنامج (صدق أو لا تصدق) مع الشيخ علي خليفة… وكلمة الشيخ هي صفة تطلقها القناة ولست أنا… وبرنامج (حديث الوسادة) مع فاتن درزي… ومعظم هذه البرامج، لا تخلو من اتصالات تعبر عن الدهشة البالغة لقدرات هؤلاء في معرفة مشاكل الآخرين من أسمائهم وأسماء أمهاتهم وأبراجهم… وهي لا تضن عليهم بالدعاء القلبي أن يحفظهم الله، ويمد بأعمارهم…. وينفعنا من بركاتهم!
وقد يصل الأمر ببعض المتصلين إلي حد البكاء من فرط الدهشة والإعجاب والذهول، وهو بكاء لا يحتاج المرء لأي عناء، للاستنتاج بأنه إن لم يكن مفبركا، فهو مدفوع الأجر، مثل تصفيق جمهور الكومبارس لهالة سرحان في استوديوهات روتانا سينما التي مش هانقدر نغمض أعيننا أمام شاشتها!
ولا ينسي مقدمو هذه البرامج، أو ضيوفها الذين تجعلهم هذه القنوات بمثابة أصحاب البيت، أن يلعنوا السحر والشعوذة، وأن يؤكدوا لجمهورهم، أنهم لا يمارسونه بل يساعدون علي كشفه وتخليص الناس منه فقط، لكنهم مع ذلك يبثون رسائلهم المضمرة لضرورة مراجعتهم، أو الاتصال بهم، لتأمين الدواء الشافي، مقابل مراهم كان قديما اسمها الدراهم، وصارت اليوم اتصالات ورسائل مدفوعة الثمن، مع رصيد براني إن لزم الامر… وخصوصا لمن يصل إيمانه بهؤلاء إلي بذل الغالي والنفيس!
طبعا هذه القنوات لم تظهر من فراغ، ولم تخرج مباشرة من أوكار المشعوذين في الأحياء الشعبية إلي الفضاء التلفزيوني مباشرة… فقد سبقتها برامج وتجارب في محطات تلفزيونية شهيرة وأحيانا رسمية… بل وتنتمي إلي فصيلة الإعلام الرصين كالتلفزيون السوري… الذي شهدتُ قبل سنوات ذلك الجدل الحاد الذي كان يدور في أروقته بسبب قرار إدارته الاستعانة بقراء الأبراج والمنجمين في برامج الفضائية السورية كنوع من التطوير، ووجود من يحبذ ذلك علي اعتبار أن القنوات الأخري ليست أذكي منا، ووجود من يستهجن الأمر علي اعتبار أن علي هذا التلفزيون العريق ألا ينحدر إلي هذا المستوي!
وقد شهدت شخصيا إحدي المشاجرات بين منجمة كانت تظهر في برامج الفضائية السورية قبل سنوات، وبين إحدي المذيعات، التي تطاولت عليها هذه المنجمة وشتمتها بسوقية، لأنها لم تدلها علي مكان وجود المذيعة التي ستظهر معها في البرنامج… وقد استغربت حينها، كيف لهذه المنجمة أن تدعي أنها تعرف مصيري ومستقبلي ومستقبل أبناء ومواليد هذا البرج او ذاك… ولا تعرف مكان وجود مذيعة في مبني مؤلف من ثلاث طبقات فقط!
لكن أكثر ما أثار استغرابي… أن هذه المنجمة التي أصبحت مزعجة في صفقاتها، وفي تسفيهها للمذيعات اللواتي كن يظهرن معها علي الهواء مباشرة… والتي لم تكن تحفظ حتي تواريخ الأبراج في التقويم السنوي… لم يستطع أحد أن يطردها، لأنها كانت مدعومة كما قال لي أحد المدراء… ليس من ملوك العالم السفلي طبعا… إنما من أحد ضباط المخابرات!
وقنوات التنجيم والسحر والدجل والشعوذة، لا تبدو غريبة عما يحدث في كواليس بعض القنوات السياسية من دجل وشعوذة مخابراتية أيضا، لكن المؤسف ليس في أن هذه القنوات تستغبي المشاهد، وتحاول أن تضحك علي عقله… فهو في النهاية حر في أن يصدقها أم لا… المؤسف هو أنها تظهر في هذه الصورة ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين… وأين في وسط اسمه: إعلام فضائي… حيث فضيحتنا بجلاجل! الجرس رنين من لا خبرة لهم! رغم اختلاف الهوي والهوية، ظاهريا علي الأقل… يطيب لي أن أضم قناة (الجرس) إلي قنوات العالم السفلي!
فهذه القناة، الخارجة من رحم مجلة فنية فضائحية، تحمل الاسم نفسه، وتديرها السيدة (نضال الأحمدية) التي كانت تتصيد أخطاء الآخرين وهفواتهم، وتخوض في أعراضهم وتشهر بأشخاصهم لا بنتاجهم الفني، وتنتقد المطرب الفلاني لأنه نتف حواجبه، وتصف المطربة الفلانية بذات الرجل المحنية، وتشن حروبا ضروساً ضد مطربات وفنانات تحديدا علي خلفية كيدية نسائية، لا تربطها مع النجوم الرجال… ثم تتسقط أخطاء مذيعي بعض القنوات الفضائية وتعمل معلماً في اللغة والصرف والنحو واللباقة… هاهي اليوم تقدم قناة فضائية، متخلفة تقنيا، وفقيرة بصريا، تظهر فيها مجموعة من الوجوه الشابة، القليلة الخبرة والحرفية، والتي منحتها السيدة نضال، أوسمة الخبرة المجانية لمجرد أن الأقدار أتاحت لهم شرف العمل معها… برامج (الجرس) كلها برنامج واحد بعناوين مختلفة… برنامج يعتمد الهاتف والمذيع والكاميرا ورسائل (SMS) وشوية هبل وعبط، مع اتصالات لمراهقين، مع مذيعة سعودية تبكي من انتقادات المنتقدين وتربص المتربصين، في دراما رخيصة يلعب فيها المتصل دور مكفكف الدموع… مع أي كلام لمذيع ومذيعة شابين… يهرجان بسذاجة، ويجتران عبارات إنشائية ومفاهيم بالية… من قبيل: (بدي علق علي أغنية محمد عبده: مسا النور والإحساس والطيبة بدي قول: مسا الحب والإخلاص والوفا) أو ما تقوله مذيعة أكثر ألمعية وثقافة: (الحب مثل الزهرة ما بيفوح عطرها إلا إذا تساقطت عليها الدموع والبكي!!) أما مخرج البرنامج فيعلق علي هذه الفكرة الساذجة المثيرة للضحك: بمقطع من أغنية ( دايما دموع… دموع!!) ولفرط الاستهتار وقلة احترام المشاهد التلفزيوني، تقدم الأغنيات كصوت فقط، بلا أي صورة سوي صورة المذيعين العديمي الخبرة في زاوية ضيقة بديكور بدائي… يطلقون عليها: أستوديو الجرس… أما عندما أرادت القناة أن تصنع كليب علي طريقتها لأغنية محمد عبده (الأماكن)… فقد تحول الكليب… إلي تجوال لفتاة شبه عارية، تلف نفسها بملاءة سرير مثل المقبوض عليهم متلبسين من قبل بوليس الآداب… وتتجول علي أنقاض دمار حرب تموز الأخيرة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان… فتصوروا هذا الفن الرفيع، وهذه الإسقاطات النبيلة!
وهكذا فبسبب تدني السوية الفنية والتقنية للقناة، وغياب أي هوية فكرية لهذه (الجرس) وعذرا للتأنيث… فإن من الأفضل لها، التعاقد مع نجوم العالم السفلي…. كي يعلموا صاحبة القناة وعقلها المدبر، كيف تصنع من (الفسيخ شربات) وكيف تقلي البيض بالماء… وكيف تتعلم هي وفريقها بالمشاهدين من الإنس والجن… وعسي ينتقم إخواننا الجان لنا بعد أن ينفد صبرهم من الست نضال!
ناقد فني من سورية[email protected]