روان ويليامس: المسيحية البروتستانتية تنتشر في الصين لانها لا تهدد الدولة

حجم الخط
0

لا خلافات بين المسلمين والمسيحيين هناك.. والسلطة حذرة من التوجهات الدينية

لندن ـ من سمير ناصيف: كشف الدكتور روان ويليامس، كبير اساقفة كانتربري ورئيس الكنيسة الانغليكانية البروتستانتية في العالم، بعد عودته من زيارة الي الصين ان هذه الدولة الاسيوية الضمة اصبحت تضم ما يوازي المئة مليون مسيحي، اكثر من ثمانين في المئة منهم من المسيحيين البروتستانت، الذين استطاعوا التكيف مع استمرار السلطة المركزية ونظام الحزب الواحد في البلد. وكان ويليامس يلقي محاضرة في معهد تشاتهام هاوس عن عودة المسيحية الي الصين وتكيفها مع اعادة نشوء الدولة الصينية. وقدمه في هذه المناسبة وزير الخارجية البريطاني السابق والرئيس المشارك للمعهد اللورد دوغلاس هيرد.

وقدم ويليامس طروحات ذات انعكاسات سياسية هامة استنادا الي تقييمه للتطورات الدينية في الصين، اذ اعتبر بان تكيف الحزب الشيوعي الصيني الحاكم مع المسيحية البروتستانتية يقابله مراعاة من الجانب البروتستانتي الاساسي هناك لدور الدولة الصينية المركزي، وهذا امر لم تنجح الكنيسة الكاثوليكية الصينية في توفيره، ولذلك لم تتجاوز نسبة الكاثوليك الصينيين الـ15 في المئة من مسيحيي البلد (10 ـ 12 مليونا). وسألته “القدس العربي” عن الفارق بين علاقة الدولة الصينية بالمسيحيين من جهة، وعلاقتها بالمسلمين الصينيين الذين يتكاثرون بدورهم عدديا من جهة اخري، وعن علاقة المسيحيين والمسلمين الصينيين ببعضهما، ورد قائلا: ان السلطة المركزية في الصين تشعر بقلق الي حد ما ازاء قدرتها علي السيطرة علي المجموعات التي تعيش في الاقاليم الريفية البعيدة عن المواقع الحكومية المركزية، وبما ان مسلمي الصين، خلافا للمسيحيين هناك، يقطنون الاقاليم البعيدة التي ليس من السهل السيطرة عليها، فان علاقة الدولة بهم مختلفة. واضاف قائلا انه لا توجد احتكاكات او خلافات ما بين مسيحيي ومسلمي الصين، وخصوصا كونهما يعيشان في مناطق واقاليم مختلفة، وكل مجموعة منهما تدرك ما هي توقعات السلطة المركزية بالنسبة الي وجودها وبالتالي، فانه يصعب بروز حركة اسلامية سياسية في الصين، كما في اماكن اخري من العالم، كما يصعب تجاح اي عمليات تبشير مسيحية قد تحاول بعض التيارات المسيحية المرتبطة بالخارج القيام بها. وهناك اقلية من هذه التيارات، ولكن الدولة المركزية تراقب تحركها. كما ان الحكومة الصينية تشعر بقلق وحذر ازاء تسرب تأثيرات خارجية علي مسلمي الصين ودعوات خارجية للانفصال عن السلطة المركزية. ولكن مثل هذه الاجندة، برأيه، ليست راسخة وقوية في البلاد.

وتحدث كبير الاساقفة عن الدور الصيني في افريقيا، وقال انه تحدث مع مسؤولين كبار في البلد عن طبيعة هذا الدور، واكدوا له بأنه يختلف كثيرا عن دور الدول الاستعمارية الغربية التي تغلغلت في افريقيا في القرون الماضية تحت راية عمليات تبشيرية تحولت الي مؤسسات اغاثة ثم شركات اجنبية تركز علي الاستفادة من خيرات افريقيا الطبيعية والاقتصادية.

واوضح ان هؤلاء المسؤولين ابلغوه ان علاقة الصين بالدول الافريقية التي تتعامل معها هي علاقة شراكة من منطلق المساواة بين الجانبين وتبادل الحاجات والسلع. ولكنه اشار الي ان اسئلة كبيرة ما زالت مطروحة في هذا المجال وخصوصا بالنسبة الي استمرار النظام الحالي في زيمبابوي وعدم تطبيق الشركات الصينية المعايير نفسها في افريقيا التي تطبقها في الصين بالنسبة لشؤون عديدة، اهمها البيئة.

وفي الشأن السوداني ـ الصيني، قال الدكتور ويليامس انه يتمني لو ان الشركات الصينية والمستثمرين الصينيين يتعاملون بطريقة مماثلة ومباشرة مع قطاعات وقيادات جنوب السودان السياسية والاقتصادية لما يفعلون مع السلطة المركزية في الخرطوم، ولكن يبدو انهم يفضلون التعامل المباشر مع الخرطوم مما يثير التحفظات ازاء الدور الصيني لدي سكان جنوب السودان.

ورأي كبير الاساقفة ان توسع دور المسيحية في الصين سيشكل عاملا ايجابيا في حدوث تفاعل صيني اكبر مع مناطق يتواجد بها المسيحيون في افريقيا، ولكن من دون التوجه التبشيري الذي انتشر في القرون الماضية عبر الارساليات الغربية. واكد بان السلطة المركزية الصينية حذرة جدا ضد اي توجهات تبشيرية مسيحية او غيرها في الصين او في خارجها، مع ان النظام الحالي تخلي عن الفكرة التي اعتنقها النظام السابق والقائلة بان المسيحية والاديان الاخري مرتبطة بالامبريالية وبمصالح الدول الاجنبية. وقال ان هذا التبدل في التوجه حدث في السنوات العشرين الاخيرة. بيد انه اوضح قائلا: من الخطأ الاعتقاد بان الصين في طريقها الي التعددية الدينية، كما في المجتمعات الغربية الان، اذ ان السلطة المركزية ما زالت تعتمد مراقبة وتنظيم الشؤون الدينية واي حرية موجودة في البلد في هذا الشأن تختلف عما هي عليه في الغرب، وبرغم عدم ممارسة القمع فالحالة من الغموض وعدم اليقين متواجدة لدي المجموعات الدينية في تعاملها مع السلطة المركزية. وفي اي لحظة يمكن ان تتخذ السلطة السياسية قرارات متشددة في هذا الشأن اذا شعرت بضرورة لذلك. وما زال الحزب الرئيسي المركزي هو الذي يقرر هذه الشؤون، ثم تطبقها اجهزة الحكم في الاقاليم المختلفة وبعضها يطبقها بشكل افضل من غيره، حسب قوله. وما زالت اسئلة عديدة مطروحة حول استقلالية القضاء، ومنظمات المجتمع المدني، برأيه. وكل من يريد العمل خارج النطاق المحدد من قبل السلطة المركزية يعتبر مهددا لوحدة البلد وقد يتهم بنشر ايديولوجية معادية. وبالتالي فالكنائس العاملة في الصين مسجلة لدي الدولة، والمجموعات غير المسجلة تخضع للمراقبة، وهناك توتر بين هذين النوعين من المجموعات الدينية واتهامات متبادلة بينهما، حسب ما قال.

واستنادا الي قانون صدر في عام 2004 ـ 2005 فان السلطات الاقليمية لديها حق ضبط وتوقيف اي نشاطات دينية غير مسجلة مع السلطة المركزية. وهذا يعني بأن التنظيمات الدينية المسيحية او الاسلامية المستقلة عن الدولة هي في وضع مراقبة دائمة، وقد يمارس القمع والمنع ضدها اذا تجاوزت الحدود المقبولة.

واشار ويليامز الي ان العلاقة بين السلطة السياسية في الصين والفاتيكان سيئة نسبيا، اذ تعتبر السلطة الصينية ان الكنيسة الكاثوليكية (عبر الفاتيكان) قد تشكل عنصر تدخل سياسي خارجي في شؤونها. ورأي بان هذا التوجه الصيني المتمسك بالسيادة القومية قد يواجه تحديات اكبر في القرن الـ21. وقال كبير الاساقفة انه بعد سقوط وفشل الثورة الثقافية في الصين، فان الشعب الصيني يشعر بفراغ، وهو بحاجة الي ايديولوجيات جديدة توجهه فكريا ونفسيا وتعطيه قوة الحافز للحياة والانتاج، وبالتالي، اصبح هناك الدور الاكبر للقيم الدينية في الصين بشرط ان تأتي عبر تعامل مقبول مع السلطة المركزية السياسية.

وهذا الموقف الذي طرحه احد ابرز القياديين الدينيين في العالم، يشير الي وجود افق جديدة في الصين امام قيم ومبادئ متنوعة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية