مؤتمر شرم الشيخ والنجاح الصعب

حجم الخط
0

عبد الباري عطوان

يعكس مؤتمر شرم الشيخ للدول المجاورة للعراق الذي يبدأ اعماله اليوم، بحضور خمسين دولة ممثلة بوزراء الخارجية، الي جانب بان كي مون الامين العام للامم المتحدة، المأزق الامريكي في المنطقة، واعتراف ادارة الرئيس بوش بانهيار سياستها الخارجية فيها، وافلاس جعبتها من اي افكار يمكن ان تنقذها من هذا المأزق، بأقل قدر ممكن من الخسائر.

السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية التي ستكون نجمة هذا المؤتمر اضطرت اخيرا، وبسبب فشل خطط بلادها الأمنية، للتنازل من عليائها، والتخلي عن عجرفتها، بالجلوس الي وزيري خارجية محور الشر اي ايران وسورية، وهي خطوة طالما تجنبتها، واعتبرتها غير ممكنة، لأنها تعني كسر عزلة هاتين الدولتين المفروضة امريكيا.

المؤتمرون في لقاء شرم الشيخ جاءوا مجاملة للادارة الامريكية، مع ادراك مسبق بانهم غير قادرين علي اخراجها من المستنقع الدموي العراقي الذي غرقت فيه، بل لا نبالغ اذا قلنا ان معظم هؤلاء، جاءوا شامتين ويريدون رؤية وزيرة خارجية الدولة الاعظم في التاريخ وهي تتوسل اليهم مساعدتها، والأخذ بيدها لتجاوز هذه المحنة.

الوضع في العراق بات علي درجة من التدهور من الصعب علي أمهر النطاسين وقفها، وانقاذ ما يمكن انقاذه. فالحرب الاهلية الطائفية بلغت ذروتها، والجثث تملأ الشوارع، والطبقة الوسطي هاجرت الي دول الجوار بحثا عن الأمان ولقمة عيش هانئة، والعملية السياسية التي انبثقت عن الاحتلال تحللت، وربما يكون خروج جبهة التوافق السنية منها المتوقع في غضون ايام هو المسمار الاخير في نعشها.

الرئيس الامريكي جورج بوش الذي بشرنا بان استراتيجيته الجديدة القائمة علي ارسال ثلاثين الف جندي اضافي الي العراق ستقلب الموازين وستحقق الاستقرار، ولكن شهر نيسان (ابريل) الماضي الذي شهد تطبيق هذه الاستراتيجية علي الارض كان اكثر شهور هذا العام دموية، سواء بالنسبة الي العراقيين او المحتلين الامريكان، حيث بلغت خسائر هؤلاء مقتل مئة جندي علي الاقل.

ومما يزيد من حراجة موقف الرئيس الامريكي قرار الكونغرس الاخير بربط اي تمويل جديد اضافي بجدول واضح ومحدد لانسحاب القوات الامريكية من العراق، وهو القرار الذي بادر بوش الي استخدام الفيتو لإحباطه ومنع سريان مفعوله مستغلا صلاحياته الدستورية في هذا الصدد.

فاذا كان الكونغرس الامريكي يعارض سياسة رئيسه في العراق، ويري ان الحرب لا يمكن كسبها، ويتطلع الي تقليص الخسائر بانسحاب مبرمج، فكيف سنتوقع من الدول المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ ان تصبح امريكية اكثر من الكونغرس نفسه؟

حلفاء امريكا في المنطقة العربية بدأوا يشعرون بالقلق علي مستقبل انظمتهم وشعوبهم، جراء تأييدهم الاعمي للسياسات الامريكية في العراق والحرب علي الارهاب في افغانستان واجزاء اخري من العالم، خاصة ان هذا التأييد جاء مجانا ودون مقابل، وبات ينعكس خطرا مباشرا عليهم.

وكان لافتا ان الحكومة السعودية الحليف الاوثق لواشنطن، والتي شاركت في جميع حروبها في افغانستان والعراق، بدأت تتمرد علي هذه السياسات، وظهر ذلك واضحا من خلال رفضها استقبال السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي رغم الضغوط الامريكية في هذا الخصوص، لانها تري فيه زعيما عراقيا طائفيا، ايد فرق الموت والميليشيات الطائفية التي مارست التطهير العرقي في ابشع صوره.

الدول المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ ستستمع الي وزيرة الخارجية الامريكية ومطالبها بالتعاون، وكذلك الي ممثلي النظام الطائفي العراقي، ولكنها ستبحث عن المقابل الذي ستقدمه واشنطن علي الصعيدين السياسي والمالي، خاصة انها ستكون مطالبة في مرحلة لاحقة بالدخول في مواجهة قد تكون الأخطر في تاريخ المنطقة ضد ايران.

السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية الذي سيكون في قمة سعادته، وهو يري السيدة رايس تجتمع به، وتطلب تعاونا سوريا اكبر لإنقاذ المشروع الامريكي في العراق، وبالتحديد في مواجهة المقاومة المسلحة، سيطلب انسحابا اسرائيليا كاملا من هضبة الجولان المحتلة، وكسر العزلة علي حكومة بلاده، واسقاط مسألة المحكمة الدولية المتعلقة بملف اغتيال السيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الاسبق، او تخفيف شروطها بحيث لا تمس رموز النظام السوري.

اما علي لاريجاني وزير الخارجية الايراني الذي تخلت بلاده عن مقاطعتها للمؤتمر بعد توسل السيد المالكي، وتخلي الطرف الامريكي عن عنجهيته واعترافه بالدور الايراني القوي في العراق، فسيطالب مندوبة الادارة الامريكية بالتسليم بنوايا بلاده في امتلاك برامج نووية تؤدي الي تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة، والقبول بايران عضوا كامل العضوية في النادي النووي الدولي، والتسليم بمصالحها في الخليج كقوة اقليمية عظمي.

لا نعتقد ان السيدة رايس في وضع يؤهلها للتجاوب مع مطالب وزيري خارجية محور الشر، ولا نبالغ اذا قلنا انها لن تستمع الي توسلات حلفاء بلادها في مصر والاردن والمملكة العربية السعودية برفع الحصار المفروض علي الشعب الفلسطيني والتعاطي مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، فإدارتها في وضع ضعيف، وحلفاؤها في تل ابيب يعيشون ازمة سياسية قد تؤدي الي انهيار حكومة ايهود اولمرت في غضون ايام معدودة.

القضية الوحيدة التي ربما تجد تعاونا من قبل الدول المشاركة مع السيدة رايس هي قضية الارهاب، وكيفية مواجهة تنظيم القاعدة علي وجه الخصوص من خلال استراتيجية مشتركة، لان جميع الدول المشاركة تعاني من ازمات داخلية متفاقمة، وتخشي من عودة المقاتلين في العراق اليها بخبرة اكبر في عمليات التفجير، الامر الذي قد ينسف استقرارها الداخلي الهش.

العائق الاساسي في هذا الصدد يتمثل في طبيعة الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة، والسياسات الامريكية في المنطقة التي جعلت تنظيم القاعدة يتناسخ، ويزداد قوة رغم كل المحاولات الأمنية للتصدي له، فبعد ان كان التنظيم محصورا في جبال تورا بورا في افغانستان، بات الآن يفتح فروعا بمعدل سنوي، وبصورة اكبر من فروع محلات دجاج الكنتكي او الهامبرغر. فعلاوة علي تنظيم القاعدة في افغانستان الذي بدأ يعيد تجميع صفوفه مجددا، هناك تنظيم القاعدة في السعودية وآخر في العراق، وثالث في اوروبا، ورابع في المغرب الاسلامي، وخامس في الصومال، وسادس في دارفور والبقية تأتي.

مؤتمر شرم الشيخ سينهي اعماله ببيان وصور تذكارية، وابتسامات، ولكن بعدها ستعود المنطقة الي حالها، وسيصبح العراق اكثر خطورة واضطرابا، لان الادارة الامريكية تعالج الاعراض الجانبية لأزماتها في المنطقة، وتبتعد عن العلة الأساسية التي ترفض الاعتراف بوجودها وهي فشل سياستها الخارجية لانها ترتكز بالدرجة الاولي علي مصالح اسرائيل، ودعم انظمة دكتاتورية فاسدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية