جمعة بوكليب
ان تكون عاشقاً للسفر والترحال، يعني ضمنياً ان تكون علي غير خصومة مع المطارات. انا عاشق للسفر لكنني مبغض وكاره للمطارات، وصالات الانتظار، والازدحام، والتفتيش، وكم تمنيت علي الله ان يهبني اجنحة مثل الطير كي يكون بامكاني السفر والترحال وقتما اشاء وحيثما اريد، دون الحاجة لتحمل مشقة ومعاناة تعب المطارات. لذلك اغتم قلبي كثيراً حينما، ذات مرة لا تنسي ابداً، طلب مني صديق ان ارافقه لمطار هيثرو لاستقبال صهره. انا لم يسبق لي شخصياً ان التقيت بصهر صديقي ولا سمعت حتي باسمه، ولم يسبق لي، اطلاقاً، وتحت اي ظروف، ان طلبت من احد اصدقائي مرافقتي للمطار بغرض استقبال قريب لي او صديق، ولم اعرف السبب الذي يجعل اناساً يرجون اصدقاء لهم مرافقتهم للمطار لاستقبال اشخاص لا يعرفونهم. احس بترددي من خلال انكماش ملامح وجهي، والنظرة الحائرة المرتبكة التي رآها في عينيّ، لذلك قال لي بلطف وتأدب احرجني انه يريدني ان اكون برفقته لانه، وان كان يعرف صهره من خلال الحديث معه مرات عبر الهاتف، الا انه لم يسبق له ان التقي بزوج اخته وجهاً لوجه، وان وجودي الي جانبه كفيل بتسهيل اللقاء. ذكرني تبرير صديقي بالمثل الذي يقول ( جي بيكحّلها عماها)، اذ كيف يكون وجودي شخصياً معه كفيلاً بتسهيل ذلك اللقاء (التاريخي!!) مع صهره العزيز؟
؟ لم يترك لي صديقي منفذاً للهروب، ولم يكن امامي سوي الاتكال علي الله والقبول بمرافقته.
في مساء اليوم التالي، كنا معاً، في مطار هيثرو امام بوابة الوصول. وكان امامنا اكثر من ساعة للانتظار لاننا قرأنا في احدي الشاشات المخصصة للاعلان عن وصول الطائرات ان الطائرة المحظوظة بتوصيل ( النسيب) العزيز الي لندن تأخرت لدي اقلاعها من طرابلس لاسباب فنية. لم يخيّب مطار هيثرو توقعاتي. كان مزدحماً حد الاكتظاظ وجعلني احس كأنني في مولد لا ناقة لي فيه ولا جمل. وقفت في المكان المخصص للتدخين مع صديقي، ندخن ونثرثر واعيننا تحدق في شاشات التلفزيونات في انتظار معرفة وصول الطائرة الموعودة. بعد اكثر من ساعة، حطت الطائرة بارض المطار. انتهت مشكلة وابتدأت اخري: اذ كيف يمكننا معرفة صهر صديقي الذي لم يقابله احدنا شخصياً من قبل؟ اقترحت علي صديقي اعداد يافطة صغيرة باسم صهره ورفعها باليد عالياً ليكون بامكانه التعرف علينا بقراءة اسمه علي اليافطة. كان صديقي اكثر خبرة في هذا الشأن، وطمأنني انه سيعرف صهره بمجرد ان يراه!! اعتقد ان رجلاً مثلي في موقف كهذا ليس امامه من حل سوي تصديق صديقه، لذلك اقتربت من بوابة الواصلين، ووقفت في الصف الخلفي، في حين تمكن صديقي من مزاحمة الواقفين والوصول الي المقدمة. انتظرنا حتي خرج جميع القادمين علي متن الطائرة ولم يبد لنا من طيف الصهر خيال. بينما وقفت وصديقي نتدبر الامر، رأينا رجلاً متوسط العمر والقامة، يدفع امامه عربة تحمل حقيبة. تعرف صديقي عليه بسرعة وناداه باسمه فالتفت الرجل اليه وابتسم. بعد السلامات والسؤال عن الاحوال كالعادة، اخذ صديقي يدفع العربة الصغيرة امامه وتبعناه انا وصهره، حتي غادرنا ردهات المطار، ثم محطة وقوف السيارات حيث اقلعنا في سيارة صديقي في طريقنا الي بيته. في الطريق تركت صديقي وصهره يتحدثان، وتوقعت ان مهمتي انتهت، وما علي صديقي سوي توصيلي الي بيتي، ثم الانصراف مصحوباً بصهره الي بيته حيث سيقيم. خيّب صديقي توقعي واصر علي ان اتناول وجبة العشاء في بيته، وتعهد ان يقوم بعدها بتوصيلي الي بيتي بسيارته. في الطريق، تبين لي ان صديقي كذب عليّ متعمداً، لانني اكتشفت من خلال حديثه مع صهره، انه سبق لهما اللقاء والتعارف في طرابلس، الا انني فضلت الصبر والسكوت. وصلنا الي بيت صديقي، وكان في استقبالنا زوجته وولداه اللذان تجاوزا سن المراهقة. تبادلت انا وصديقي القيام بدور المترجم، وبعد وقت قصير استأذنت الزوجة والولدان لاعداد العشاء، في حين بقيت انا وصديقي وصهره في حجرة الجلوس. كان الصهر مدخناً من الطراز الاول. سمح له صديقي بتدخين سيجارتين، ثم حين اراد الاستمرار ابلغه انه يتوجب عليه من الان فصاعداً التدخين في الحديقة. خرجت معه الي الحديقة.
كان الوقت ليلاً والدنيا برد من النوع الذي يكسّر العظم. دخنا سيجارتينا بسرعة ودخلنا الي البيت نصطفق من البرد. كانت سفرة العشاء جاهزة، فتوجه ثلاثتنا نحوها ثم جلست الزوجة والولدان، واستمرت الهدرزة بيني وبين زوجة صديقي وولديه في حين واصل صديقي الحديث مع صهره. من تحت لتحت تلصصت عيناي علي صهر صديقي فاكتشفت انه لم يستسغ ما اعدت زوجة صديقي من مأكولات، وادركت، ايضاً، ان اكثر اكله كان مقصوراً علي السلاطات، والخبز. غمزت صديقي فانتبه وتوجه الي صهره راجياً منه تناول المزيد من طعام الاطباق الاخري. كان كرسي صديقي في رأس المنضدة، تقابله زوجته من الناحية الاخري، وعلي الجانب المقابل لي ولصهر صديقي جلس الولدان. جلس الصهر قرب الزوجة، وجلست انا قرب صديقي. بصوت شبه هامس اقتربت من الصهر وقلت له انه من الافضل لو مد يده وتناول شيئاً من الاطباق الاخري حتي لا تظن الزوجة انه زاهد في اكل ما اعدت من طعام. لم يرد بشيء، الا انني لاحظت انه بدأ في التعامل مع الاكل براحة اكثر من قبل. كانت الزوجة تراقب ما يحدث بهدوء، في حين انشغل الولدان في الاكل بشهية مفتوحة جداً. قالت الزوجة للصهر: اتمني ان يكون اعجبك ما طبخت من اكل؟ ترجمت ما قالته له واكد هو في رده علي ان الاكل جيد، الا ان تعب السفر ارهقه قليلاً، ويحس انه في حاجة للراحة اكثر من حاجته للاكل. استمرت الهدرزة وشعرت بشيء من الراحة في حديثي مع الولدين المغرمين حد الجنون بكرة القدم مثل والدهما، وانضمت الزوجة للحديث، ووقع علي صديقي عبء ترجمة ما يجري. في اثناء ذلك نهض صهر صديقي عن كرسيه، وقال لصديقي انه تناول كفايته من الطعام وفي حاجة للخروج للحديقة بغرض التدخين. طلب منه صديقي ان يرجيء التدخين لنصف ساعة اخري حتي ينتهي الجميع من تناول العشاء، لكن الصهر العزيز اصرّ علي مغادرة السفرة.
قبل ان يغادر رفع صحنه الموجود امامه، وافرغ ما تبقي منه من طعام في صحني واقسم عليّ الا ارده. ثم غادر الحجرة في طريقه الي الحديقة.
خيّم صمت ثقيل علينا جميعاً، اكتسي وجه الزوجة بالاحمرار، وكانت تنظر نحو زوجها ونحوي نظرة من لا يصدق ما حدث امامه. دس صديقي وجهه بين يديه خجلاً، وحين رفعت عينيّ باتجاه وجهي الولدين رصدت ظلال ابتسامة ماكرة وشقية. كاتب من ليبيا