الفنان التشكيلي المغربي بوزيد بوعبيد: وسائط تأليفية مختلفة تؤثث جسد اللوحة

حجم الخط
0

ابراهيم الحيسن

بوزيد بوعبيد ـ المزداد بتطوان/ شمال المغرب عام 1953ـ فنان وأستاذ تاريخ الفن والحضارات والرسم القديم بالمعهد الوطني العالي للفنون الجميلة بمسقط رأسه. يعرض منذ سنوات كثيرة بالمغرب وخارجه وفي حوزته الكثير من النصوص والمتابعات النقدية تحفل بها صحف وكاتالوغات متعددة.. في بداية تجربته التشكيلية، اشتغل الفنان بوعبيد علي الخطوط والرموز والزخارف الهندسية البربرية المستوحاة من الإبداع الجمالي الشعبي المغربي، قبل أن يستقر حسه الإبداعي – بعد ذلك- علي التصوير الواقعي (أو الموضوعية الجديدة) الممزوج بمسحة تعبيرية تقررها حركات ووضعيات الشخوص والمواضيع المرسومة داخل فضاء اللوحة.. جموع بشرية متحلقة حول أمر ما.. أطفال مجتمعون وكأنهم أنهوا حصة اللعب وآخرون يجلسون علي مقاعد بساحة عمومية.. شباب متكدس داخل قارب.. شيوخ وعجزة بجلابيبهم وطاقياتهم وعكاكيزهم ينتصرون لعزلتهم القسرية، هي مواضيع ما فتئ الفنان بوزيد يعالجها بحساسية لونية تعبيرية ذات مضمون اجتماعي.. فهو يحاول من خلالها سكب أفكاره وبلورتها داخل العمل الفني.. وبإدراك و اقعي محدد بشروط اجتماعية وثقافية، يمكن فهم تجربة الفنان بوزيد التي تعكس درايته المتقدمة بأصول الرسم وتقاليد التلوين، لذلك يظل الانطباع الذي تتركه لوحاته يرسم تمرده علي الموضوعات السائدة والأساليب المسكوكة، إذ أنه يعيد صياغتها بأسلوب تصويري جديد ينهض علي نوع من التحوير ومقاربة الواقع بدرجة عالية من الإحساس.. أو الاشتغال علي الهامش والمنسي ببعض المعاني الضمنية التي تملأه.. عن هذه البداية، تحدّث إلينا الفنان: ” كأغلب شباب تطوان الذين ولجوا المدرسة الوطنية للفنون الجميلة مع مطلع السبعينات، انطلقت تجربتي الفنية وكان همّي الأول امتلاك التقنيات الأكاديمية في الرسم بتأطير وإلحاح من أساتذة تشبعوا بأصول وقواعد الرسم والصباغة والنحت علي الطين.. كانت البداية موسومة بإعجاب كبير بأعمال الفنانين الكبار الذين كنت أقلدهم وأعيد رسم أعمالهم.. وبعد انتهاء سنوات التكوين، رحلت إلي الديار البلجيكية وهناك درست الرسم وتاريخ الفن والحضارات وهي المادة التي أدرّس اليوم بالمعهد العالي للفنون الجميلة بمسقط رأسي.. وبعد عودتي إلي بلادي برز اهتمامي بالتراث الجمالي، المادي منه أو الشفهي، حيث اهتميت بالمعمار التقليدي والمشغولات والصنائع اليدوية.. فضلا عن التجربة الموسيقية لمجموعة ناس الغيوان ومسرح الطيب الصديقي وكذلك اطلاعي علي مجموعة من البيانات والنصوص التي كانت تدعو إلي خطاب التراث والعودة إلي الجذور.. لذلك جاء اشتغالي علي الزخارف الهندسية الأمازيغية في الخزف والسجاد والحناء والوشم والخط المغربي طبيعيا، حيث كنت أمتح من هذه الإبداعات لوحاتي التي تؤرخ لتلك المرحلة.. ومن ثم سيتغير خطي الإبداعي، إذ سأنخرط في نوع من التشخيصية الإيحائية البعيدة عن أسلوب الصباغة الاستشراقية.. قبل أن أن أدخل غمار تجربة الفن الذهنوي القائم علي استفزاز المادة واعتماد أسلوب التغرية والتلصيق..”. هكذا، وبعد الزيارة الإبداعية التي قام بها إلي إسبانيا في سياق معرض برشلونة الدولي، وتحديدا في منتصف التسعينات، بات البحث التشكيلي عند الفنان بوزيد بوعبيد يعتمد علي إنشاء مفاهيمي-Conceptuel جديد أقرب إلي النحت من الصباغة، حيث أمسي يميل إلي إدماج وتغرية مواد وأدوات وقطع بلاستيكية وميكانيكية مهجورة وتوظيفها في البناء والتكوين التشكيلي برؤية ذات أمداء واسعة، الأمر الذي يمنحها هوية جمالية عميقة المعني والمبني.. وتجعلها تندرج, سياقيا، ضمن الآرت بوفيرا – Art Povera ، وهو الفن الفقير بمفهومه الابداعي.. مسامير.. حروف لاتينية.. مقابض.. قطع ميكانيكية متنوعة، أزرار، أحجار وأتربة وعينات وغيرها من الأشياء الآلية والوسائط التوليفية التي تؤثث جسد اللوحة لدي الفنان، وتمنحه ملمسا مبَنْيَنا- Structurژ تتعدد فيه السطوح والكتل.. هكذا يبني عالمه الخاص.. عالم المتعة الذاتية التي ترسمها عناصر هامشية ومنسية تصبح قابلة للاستهلاك والتلقي بصريا وتشكيليا.. هذه التوظيفات والتوليفات الجديدة والمتميزة في تجربة الفنان بوعبيد، يمكن اعتبارها امتدادا لكولاج فناني ما بعد الحرب الذي تحول إلي فن التجميع- أو التعشيق- القائم علي إنجاز أعمال وقطع تشكيلية اعتمادا علي عناصر وأشياء-objets موجودة أصلا، ومنها الصناديق المتأنقة التي صنعها الفنان جوزيف كورنيل والتلصيقات البارعة للفنان أنريكو باج.. غير أن الفنان بوعبيد يضفي علي إلصاقاته جانبا صباغيا أكثر إبداعا، إما بطريقة التلوين الأحادي/ المونوكروم المتدرج، أو باستعمال ألوان اصطلاحية ترافق إدماج رسوم تعبيرية مستمدة من الواقع الاجتماعي والثقافي المغربي.. فمن الحواري الشعبية يغترف موضوعاته ومواده أشياء مهجورة.. مرمية ومستعملة يجمعها، أو يقتنيها من الجوطية ليمنحها وظيفة جمالية إلي جانب عناصر اللوحة الأخري.. يركّب، يفكك، يجزئ، يعيد التركيب، يلون، يلصق ويعيد التلوين.. هي ذي مراحل الإبداع عند الفنان بوزيد الذي يستغرق إنجاز العمل الفني لدية مراحل متعددة داخل ورشة مليئة بالأسرار وطقوس اشتغال لا يعرفها سوي الفنان نفسه.. وسواء تعلق الأمر بتصاويره الواقعية التعبيرية أو بإلصاقاته ( كولاجات ) الناتئة- En relief، فقد ظل الفنان بوزيد بوعبيد مبدعا كبيرا يعرف كيف يعالج الفضاء- فضاء اللوحة- ويطوّعه لصالح الفكرة كشكل من أشكال الانخراط الحداثي في المفاهيمية الجديدة المؤسسة علي قاعدة نظرية يمتزج فيها البعدان التاريخي والفلسفي ( الجمالي).. ناقد تشكيلي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية