الساركوزية رثاء للديغولية اولاً

حجم الخط
0

د. محمد نعمة

ان جوهر الديغولية نفسها وفي تجسدها في الجمهورية الخامسة الفرنسية يقوم اجمالا علي اربع ركائز اساسية هي: ـ ان مؤسسات وادارات الدولة تنشد الي مركزية قوية ومبنية ديمقراطيا ويرمز لها توزيع السلطات وهرميتها المتجسدة بالمكانة والدور المحوريين لرئيس الجمهورية، الملك. ـ التخلي الطوعي عن سلوك وعقلية التوسع العسكري والكولونيالي تجاه الشعوب الاخري وخاصة الافريقية من جهة، والانفتاح والسعي الي وصل ما انقطع بين الدول والشعوب الاوروبية من جهة اخري. ـ الثبات في هاجس الاستقلالية والبقاء في الوسط، من حيث لعبة التوازنات والنزاعات الدولية؛ اي عدم القطيعة او الانحياز لقوة دولية كبري. مع الامساك وبدون كلل بقدرة الدفاع والردع (النووية) الذاتية انفضاضا بذلك عن اية مظلة نووية ايا كان مصدرها الخارجي. ـ ان الاقتصاد لا يسبح خارج تيار الجمهورية ورقابتها عليه، بحيث ان احدي غاياته هي المحافظة علي التضامن والتعاضد بين الفئات الاجتماعية المختلفة. من هنا ان الديغولية الاقتصادية قد تبنت حرية السوق ولكن بشرطها البراغماتي وليس الدوغمائي. ان هذه الديغولية قد تم قضمها رويدا رويدا، وليس فقط من قبل المرشح المحافظ نيكولا ساركوزي وانما قبلا من قبل الرئيس جاك شيراك نفسه. فبالفعل ان هذا الزعيم النيو ديغولي والذي شكل وقاد التجمع من اجل الجمهورية وقد كان خليطا من عدة تيارات ديغولية يمينية ووسطية وحتي يسارية، خلص به الامر ليستقر علي عقد الزواج بين الليبرالية والديغولية. هذا ما حصل عندما قام في سنة 2002، اولاً بتشكيل تجمع الاغلبية الرئاسية والذي حمل نهائيا لواء الليبرالية، وثانياً، بتعيين جان ـ بيار رافاران النيوليبرالي رئيسا للحكومة الاولي بعد انتخابات استثنائية حصد فيها شيراك 82% من اصوات الناخبين، متجاهلا وضاربا بعرض الحائط التفاف اليسار والوسط كما اليمين من اجل انتخابه. لقد افقد هذا الموقف اللحظوي الجمهورية الفرنسية فرصة نادرة من اجل القيام بدور تاريخي في انجاز الاصلاحات اللازمة للدولة وتدعيم النظام العام والعلاقات المركبة بين الفرنسيين. فاذ بالرئيس يتصرف آنذاك بطريقة ضيقة وفئوية وقد خلت من رحابة صدر وسعة افق.

من هنا نعتقد ان ما يقوم به نيكولا ساركوزي ليس كما يدعي هو القطيعة الهادئة مع القديم الفرنسي وانما الاستعجال المنهجي تحديدا في طي صفحة الديغولية نفسها من حاضر ومستقبل الفرنسيين. وبالتالي ان كل الصراخ الاعتراضي ذي المخلفات الديغولية من قبل شيراك ضد الهوي الاطلسي لتلميذه، كونه انتزاعاً لامن فرنسا من يدها ووضعه لدي امريكا او الناتو، قد فاته الاوان وبدا صراخا في وادٍ.

ان لجوء ساركوزي لنمط المقاربة الطوائفية للقضايا الداخلية للامة والمستعار من الفضاء الثقافي الانكلوسكسوني وتحديدا الامريكي، وذلك عبر سعيه الي تظهير وتوطيد اجتماسياسيين للتباينات والتمايزات الطائفية سواء كانت اتنية او دينية او مهنية يُعد من منظور ديغولي هدما لروح الجمهورية الخامسة القائمة علي وحدانية الطائفة ـ الامة ومساواة ابنائها تحت قانون علماني واحد. ان شدة حساسية ومعارضة الاليزيه لساركوزي تخوفاً من المساس بقانون 1905 الناظم للعلاقة بين الديني والسياسي، وممانعة الرئيس شيراك استجلابه فكرة التمييز الايجابي في الوظيفة الامريكية المنشأ، ولوم مرشح اغلبيته هذا لتعيينه احد المهاجرين محافظاً وذلك فقط لكونه مسلما، كل هذا لم يؤثر اطلاقا علي حراك نيكولا ساركوزي لان مسار التخلص من الاب قد بدأ قبل هذا العصيان بكثير. نعم ان احجار الزهر قد رميت اصلاً بحسب التعبير الفرنسي.

ان احدي علامات التخلص من الاب نجدها ايضا لدي ساركوزي عندما اخفي وحتي الآن موقفه من مصير القدرات العسكرية لفرنسا وعقيدته الدفاعية، وذلك نتيجة الخشية من ردة فعل الفرنسيين وخصوصا الديغوليين الغياري علي ميراث فرنسا في الدفاع والامن الذاتيين. بالاضافة لذلك انه يبدو علي عكس شيراك الذي بقي مشدودا بعلاقات معقدة مع المستعمرات الافريقية السابقة باعتبار ان امور افريقيا وهمومها هي من عظمة فرنسا ومن مسؤوليتها الاخلاقية الخاصة حسب التعابير الديغولية المستعملة. فقد طرح ساركوزي ارضا هذا الاداء الديغولي وذلك عندما نادي بضرورة الانتهاء من فرنسافريقيا. هذا التعبير الحنيني المتداول بين الديغوليين وبعض الدوائر السياسية والفكرية في القارة السوداء، ليعلن بوضوح وفي لحظة تشدد منه وتمييز تجاه الافارقة المهاجرين الي فرنسا وتجاه اولادهم ذوي الهوية الفرنسية قائلاً بان فرنسا ليست بحاجة اقتصاديا لافريقيا.

ان التخلص من الديغولية نجده ايضا لدي ساركوزي في الاقتصاد. ان العمل يحرر الانسان جملة يرددها هذا المرشح النيوليبرالي باستمرار، ولكننا نريد ان نذكر وللاسف بانه كان قد كُتِب يوما علي بوابة اوشوفيتز النازية لاستقبال عبيد النزاع الاوروبي ـ الاوروبي في حقبة الحرب العالمية الثانية العبارة التالية وبالالمانية ان العمل يحرر اربيت ماشت فري. اما الماريشال بيتان والذي تعامل مع المحتل النازي فقد كان يوقظ الامة الفرنسية كل صباح علي نشيد هلموا الي العمل.

ان العقيدة النيوليبرالية وبحلتها الانكلو سكسونية وبمراجعها الاوائل امثال رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر هي المتنفس الفكري لهذا المحافظ الذي يبدو ويتصرف في هذه اللحظات كأن اللعبة قد انتهت بانتصاره. انه ينتمي الي النيوليبرالية التي تضع حرية السوق فوق حرية الافراد والجماعات والشعوب؛ انها العقيدة الثابتة لنيكولا ساركوزي وهذا ليس بجديد في دربه السياسي؛ ان هذه العقيدة الاجتمااقتصادية تسعي الي تكبيل يد الدولة في شؤون الاقتصاد والي تفعيل وتعزيز دور المؤسسات والمنظمات الدولية المنظِمة والحارسة لقانون حرية السوق ولحركة الشركات المتعددة الجنسيات. ان الحرية التي يتغني بها النيوليبراليون هي تلك المسجونة في قفص السوق، بحيث انه ليس ثمة حرية من خارجه. فلو نظرنا لمكانة الحرية الفردية والجمعية لدي المحافظين الليبراليين امثال جورج بوش او نيكولا ساركوزي او سيلفيو برلوسكوني فاننا سنجد بان هذه الحرية تبدو، وبأقل ما يقال فيها، بانها موضوع نقد حاد من قبل المنظمات الغربية التي ترعي حقوق الانسان. ان النيوليبرالية السائدة هي ليست فقط قاعدة حكم وانما ايضا برنامج تحكم من حيث كونها سياسة منهجية في تضييق الخناق علي الحريات الجمعية والفردية وايضا من حيث انتاجها واستغلالها للخوف الجسدي والاجتماعي لدي المواطنين لخدمة سيطرتها هي. وتقوم النيوليبرالية بذلك عبر تعطيل آليات التفكير النقدي عند هؤلاء وتعميق مشاعر القلق الوجودي وغرائز البقاء لديهم من اجل ضبط حراكهم وقولبته في شعبوية تمييزية وتذنيبية من جهة، واستئثارية واحتكارية من جهة اخري. مع سيادة الليبرالية بوجهها البونابارتي فاذا السلام والرحمة علي الديغولية في مثواها الاخير.

ہ مدير مجلة مدارات غربية ـ باريس 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية